ثبات الراعي وأمان الرعية: حماية الأبناء من القلق
عزيز ملا هذال
2026-02-15 04:10
وسط زحام الحياة وتزايد تعقيدها يحكم القلق قبضته على الكثير من البشر، فمنا من يريد مواكبة هذا الصراع مع عصر التكنولوجيا، ومنا من يريد الحصول على أكثر مكاسب حياتية لضمان العيش المرفه أو العيش المقبول على أقل تقدير، وهذا القلق الذي يعيشه الوالدان أو أرباب الأسر من شأنه أن ينتقل إلى باقي أعضاء الأسرة، وبذا يتعرض الطفل إلى خطر نفسي حقيقي؟ كيف يمكن منع ذلك؟
في عالم يتسم بالتحديات المتزايدة والمخاوف التي ترافق الحياة اليومية، قد يكون من الصعب على الأهل تفادي نقل قلقهم النفسي إلى أطفالهم. فالتربية الجيدة تتطلب أن يكون الأهل قدوة في التحلي بالهدوء والطمأنينة، لكن القلق النفسي والضغوط الحياتية قد تترك أثراً عميقاً في الطريقة التي يتعامل بها الأهل مع أطفالهم.
القلق يعد رد فعل طبيعي تجاه الظروف المرهقة، لكنه يصبح مشكلة عندما يتحول إلى جزء دائم من حياتنا، فالآباء الذين يواجهون مشكلة القلق قد يشعرون بأنهم يحتاجون لحماية أطفالهم بشكل مبالغ فيه، مما يسبب في تعليمهم الخوف وعدم الثقة، على سبيل المثال، يمكن أن تؤدي الحماية الزائدة إلى حرمان الأطفال من تعلم المهارات الضرورية لمواجهة تحديات الحياة.
مثال واقعي: أحد الآباء الموظفين براتب معين يمنحه أريحية العيش بالمقارنة مع أقرانه الموظفين في وظائف أخرى، لكنه في كل مرة يقرأ خبراً في مواقع التواصل الاجتماعي حول تخفيض الرواتب حتى يبث الخبر وسط عائلته محاولاً استحصال دعمهم له أو محاولة تحذيرهم عن الخطر القادم، وهذا بحد ذاته هو نقل للقلق من مستويات أعلى إلى مستويات أدنى، بمعنى النقل من الآباء وإلى الأبناء، وبذا يصبح الطفل قلقاً بلا فائدة بل يبدأ بالشعور بالضيق النفسي فقط مع عدم إمكانيته الابتعاد عن الجو العائلي السائد.
مما يجب الالتفات إليه من قبل الأهل هو أن الأطفال يمتلكون قدرة مذهلة على فهم مشاعر والديهم، فعندما يظهر على الآباء تعب من القلق، كالشعور بالقلق الدائم أو الاهتمام الزائد أو الانزعاج في المواقف الصعبة، يستطيع الأطفال أن يشعروا بهذه الأحاسيس ويأخذوها معهم، وهذا بالطبع قد يزيد من مخاوف تأثر الأطفال بمشاعر وأحاديث وهواجس آبائهم.
كيف نبعد قلقنا عن أبنائنا؟
لكي نبعد أطفالنا عن قلقنا يجب علينا القيام بالتالي: كما يجب علينا تعليم أطفالنا كيفية إدارة القلق، حيث إن أفضل طريقة لتجنب نقل مخاوفنا لأطفالنا هي تعليمهم كيفية التعامل مع مشاعرهم الخاصة، بما في ذلك القلق، فيمكن أن يتعلم الأطفال كيفية استخدام تقنيات التعامل السليم مع القلق ومنها ما يتعلق بالجانب العقائدي والإيمان بالله وغير ذلك من أمور تساعدهم في التعامل مع المواقف الصعبة بشكل صحي وفعال.
وما يجب فعله من الوالدين هو التخفيف من قلق الطفل وليس تضخيمه، فعندما يعبر الطفل عن مخاوفه أو توتره، قد يكون من السهل على الوالدين أن يشعروا بنفس القلق أو أن يبالغوا في ردود أفعالهم، ومع ذلك فإن الأسلوب الصحيح للتعامل مع مثل هذه الحالات هو الاستماع بهدوء وتفهم ثم تقديم الدعم. ومن الطرق الفعالة لتعزيز إحساس الطفل بالأمان وإبعاده عن القلق هي التركيز على الجوانب الإيجابية والقدرة على التكيف، فعند مواجهة الطفل للمشاكل أو الصعوبات، يجب على الأهل أن يوضحوا له كيف يمكن لتلك التجارب أن تعلمه مهارات جديدة أو تساهم في تطوير شخصيته، فتوعية الأطفال بأن الفشل لا يعني انتهاء الأمر، بل هو فرصة للتطور، يزيد من قدرتهم على تجاوز القلق.
في الختام نقول: إن أعظم استثمار نقدمه لأبنائنا ليس في أرصدة البنوك ولا في تأمين الرفاهية المادية فحسب، بل في توريثهم نفسيةً مطمئنة وسكينة داخلية لا تهزها رياح الأزمات، كما إن مسؤوليتنا كآباء لا تقتصر على إطعامهم وكسوتهم، بل في أن نكون مصدات رياح تحمي غراسهم الطرية من عواصف القلق التي نعاني منها نحن.