سيكولوجية الاجترار: لماذا نعيد تدوير آلامنا؟

عزيز ملا هذال

2026-02-10 03:17

جميعنا تعرضنا ونتعرض إلى مشكلات وحوادث عرضية وخسارات في الحياة، تسبب لنا ألماً وأزمات نفسية تنعكس على سلوكياتنا العامة؛ ومنا من يتمكن من مجاراة الحالة الجديدة التي فُرضت عليه ويتعامل معها كواقع حال لا مفر منه مما يسرع عملية التشافي، ومنا من يبقى حبيس الأفكار التي تنشأ من الحوادث المسببة للألم، إذ يبقى يداور الأفكار برأسه ليلاً مع نهار وهو ما يعرف باجترار الأفكار. فما هو اجترار الأفكار؟ وما هي انعكاساته على المصاب به؟ وما هي الأسباب والمعالجات له؟

يُعرف الاجترار على أنه سلوك قهري عقلي في اضطراب الوسواس القهري، وهو نمط متكرر من التفكير يبقي الشخص عالقاً في دائرة مستمرة من تحليل الأفكار، وعلى الرغم من أنه قد يبدو كوسيلة لحل الشك أو التوتر، إلا أن الاجترار غالباً ما يصبح مستنزفاً للطاقة العاطفية والعقلية بشكل كبير.

ويتصف وسواس اجترار الأفكار بوجود أفكار متكررة وغير مرغوب فيها تتعلق بموضوع أو تجربة معينة في السابق، وتختلف هذه الأفكار من شخص لآخر، لكنها غالباً ما ترتبط بالندم، الشك، أو الخوف من ارتكاب خطأ ما، أو الخوف من تكرار تجربة حصلت لأحدهم بدافع التحصن من الأخطار كوسيلة دفاعية يستخدمها الإنسان لحماية ذاته ويبتعد بها عن مسببات الأذى.

غالباً ما ينغمس الأشخاص الذين يعانون من الاكتئاب في التفكير في ندم الماضي، والإخفاقات المتصورة، والأفكار النقدية الذاتية، مما يعزز مشاعر اليأس والعجز. ولا يؤدي الاجترار إلى تفاقم الضيق النفسي فحسب، بل يُضعف أيضاً القدرة على حل المشكلات، ويطيل مدة نوبات الاكتئاب ويزيد من حدتها. وهنا يتوجب فهم الصلة بين اجترار الأفكار والاكتئاب وهو ما يُعد أمراً مهماً لنجاح العلاج سيما العلاج النفسي، حيث تستهدف طرق العلاج السلوكي المعرفي للاكتئاب الاجترار على وجه الخصوص، من خلال تعليم الأشخاص طرقاً للتخلص من أنماط التفكير السلبية وإحلال أنماط تفكير أكثر عقلانية وواقعية تناسب الحالة المرضية التي يعاني منها المريض وهي الاجترار.

ما هي انعكاسات اجترار الأفكار؟ 

من السلبيات التي تنتج من اجترار الأفكار هي عملية استرجاع الأحداث السابقة وربطها بذكرى معينة بشكل مستمر من أجل تحليلها أو تذكرها بوضوح، كمثال: تخيل الذهاب إلى محل بقالة للتأكد من أنك لم تقم بأي خطأ، مثل السرقة. ومن السلبيات أيضاً التشكيك في الإدراك والتساؤل عما إذا كان الآخرون يرون الأشكال أو الألوان بنفس الطريقة، مما يثير الشكوك حول التجربة الحسية للشخص، وهذا التشكيك يبقي الفرد في حالة من التوهان والحيرة الدائمة مما يضعف مناعته النفسية. ومن الارتدادات السلبية للاجترار محاولة التطمين من خلال التكرار ومراجعة تأكيدات أو حقائق في الذهن لتخفيف القلق، مثل تعداد الأسباب التي تؤكد أنك شخص جيد أو استرجاع تصرفات شريكة الحياة اللطيفة للتأكد من صحة العلاقة القائمة بين الطرفين، وهو ما يجعل المجتر بقلق دائم.

كيف نوقف اجترار الأفكار؟ 

لمواجهة خطر اجترار الأفكار الذي مُرَّ ذكره أعلاه، ينفع اللجوء إلى المختص النفسي بهدف معالجة الأمر نفسياً عبر العلاج السلوكي المعرفي الذي يُعد من أساليب العلاج الفعالة لعلاج التفكير المستمر، حيث يركز هذا النوع من العلاج على مساعدة الفرد في التعرف على الأفكار السلبية واستبدالها بأفكار إيجابية. كما ينفع استخدام العلاج بالتعرض ومنع الاستجابة، وهو علاج نفسي أيضاً يتضمن تعريض الشخص للأفكار التي تزعجه تدريجياً، دون السماح له بالقيام بالسلوكيات القهرية المرتبطة بها، مما يساعد على تقليل تأثيرها بمرور الوقت.

ذات صلة

مركز آدم ناقش.. التوازن ما بين مقتضيات التدخل الإنساني وسيادة الدولهل يستطيع النظام السياسي في العراق الاستمرار من دون إصلاح جذري؟منطق القطيعة ومنطق التواصلالصراع الإيراني–الأمريكي من منطق الفوضى الدولية إلى سياسات الاحتواءغبار باراك ومتاهة الإقطاع السياسي