بَيْنَ البَصْمَةِ وَالوَصْمَةِ

رياض الفرطوسي

2026-08-29 04:54

يمر المشهد الإداري والمؤسسي العراقي اليوم بظاهرة يُمكن توصيفها سوسيولوجياً بـ “طغيان الرقابة الشكلية على الفاعلية المعرفية”. لقد تحولت تقنية “البصمة الإلكترونية” من أداة تنظيمية محايدة لضبط أوقات العمل إلى عقيدة حاكمة تختزل الوجود الإنساني والفطنة الفكرية للموظف في مجرد إثبات كينونة جسدية في مكان وزمان محددين. 

إن هذا الاختزال الهيكلي ينتمي مباشرة إلى ما ناقشه الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو في تحليله لآليات “السلطة الانضباطية”؛ حيث يُعاد تشكيل المؤسسة لتصبح بيئة للمراقبة ومعاقبة الجسد بدلاً من احتضان الفكر، لتتحول الأداة ذاتها من وسيلة تنظيرية إلى “وصمة” تُلاحق الفكر وتُقلص مساحات الإبداع والتفكير الحر.

تتجلى الخطورة الكبرى لهذه المنظومة عندما يقترن غياب المعيار المعرفي بصعود شخصيات إلى مواقع إدارية وقيادية تتجاوز حجمها الذهني والتاريخي. في هذا السياق، يقدم علم النفس الاجتماعي تفكيكاً دقيقاً لهذه الفئة عبر مفهوم “عقدة النقص المؤسسي”؛ فالقائد الذي يعلم ضمنياً أنه يفتقر إلى الشرعية الفكرية أو الكفاءة الذاتية لإدارة عقول مرؤوسيه، يهرب تلقائياً نحو أدوات السيطرة المادية القابلة للقياس الكمي. ولأن الفكر لا يُقاس بالمسطرة، والابتكار لا يُؤطر بساعات الحضور، يصبح “جهاز البصمة” المعيار الوحيد الذي يملك هذا المسؤول صلاحية التحكم به وفهمه. إنها محاولة لتعويض العجز المعرفي بصرامة إدارية شكلية، تُظهر السلطة على الأجساد حين تغيب القدرة على التأثير في الأفكار.

هذا النمط من الإداريين يُجسد ما تُسميه الدراسات السلوكية الغربية بـ “النظام أحادي الإرسال“. تتسم هذه الشخصيات ببنية نفسية مغلقة، تعمل كأجهزة إرسال مستمرة للتعليمات واللوائح والتهديدات الإدارية، بينما تفتقر تماماً إلى “لاقط الاستقبال”. هذا الامتناع عن الإصغاء ليس مجرد غرور أو كبرياء فردي، بل هو ميكانيزم دفاعي (آلية عمل) لحماية الذات من انكشاف الهشاشة. إن فتح باب الحوار أو الاستماع إلى الكفاءات والنقد التحليلي يتطلب مرونة ذهنية وثقة علمية يفتقر إليها المسؤول الطارئ، فيصبح الصمم الإداري والتجاهل وسيلته الوحيدة للحفاظ على هيبته المتخيلة ومنصبه الأكبر من قدراته.

إن الانشغال المفرط بالظواهر والهياكل الخارجية على حساب الجوهر والإنتاج المعرفي يُنتج بيئة عمل طاردة للذين يمتلكون رؤية أو أثراً فكرياً. 

في هذه البيئة، يُفضل النظام الموظف الخنوع الذي يحضر في الموعد المحدد ولا يقدم أي قيمة مضافة، على العقل المبتكر الذي يتجاوز حدوده الروتينية. وهكذا يُسهم أصحاب “البصمة الصماء” في صناعة بيئات مشلولة، تكتظ بالمكاتب الممتلئة أجساداً والمفرغة عقولاً. إن التاريخ المؤسسي لا يُدون بأسماء من ثبتوا حضورهم الآلي في سجلات الحضور والانصراف، بل بمن تركوا أثراً فكرياً وحضارياً متجاوزاً للزمن؛ وستظل محاولة تقييد العقل العراقي بآلات التتبع وصمةً في سجل كل من خلط بين إدارة المؤسسات الفكرية وقيادة المعسكرات الانضباطية.

ذات صلة

فلوس ماكو: عفوية رئيس الوزراء تكشف جوهر معركة الفسادحين أغلقَ الليل أبواب «أم كريم» مرتين!موسم الأرباح قادم: ما الذي ينبغي أن يعرفه المتداول قبل فتح أي صفقة؟هل يمرّ الوقت بنا أم نمرّ نحن فيه؟نحن نصنع الطغاة