بيئة العمل النفسية والاجتماعية: أزمة صامتة تهدد صحة العمال وإنتاجية الاقتصاد العالمي
شبكة النبأ
2026-04-29 04:45
تستند هذه المقالة إلى تقرير منظمة العمل الدولية الصادر عام 2026 بعنوان: «بيئة العمل النفسية والاجتماعية: التطورات العالمية ومسارات العمل»، ويتناول التقرير التحولات المتسارعة في عالم العمل، وما تفرضه من مخاطر نفسية واجتماعية متزايدة على صحة العاملين وإنتاجية المؤسسات، مثل ضغط العمل، انعدام الأمن الوظيفي، ساعات العمل الطويلة، التنمر، وضعف العدالة والدعم داخل بيئة العمل. وتكشف منظمة العمل الدولية أن هذه المخاطر لم تعد شأناً فردياً أو هامشياً، بل أصبحت قضية صحية واقتصادية عالمية، إذ ترتبط بمئات الآلاف من الوفيات سنوياً وخسائر كبيرة في الناتج المحلي العالمي. ومن هنا، تسعى هذه المقالة إلى تقديم قراءة منهجية منظمة لأبرز أفكار التقرير، مع التركيز على ضرورة الانتقال من معالجة آثار الضغط على الأفراد إلى إصلاح بيئة العمل ذاتها عبر سياسات وقائية، وإدارة عادلة، ومشاركة فاعلة للعاملين.
مقدمة: حين لا يكون الخطر في الآلة وحدها
على مدى عقود طويلة، ارتبط مفهوم السلامة والصحة المهنية في الوعي العام بالمخاطر المرئية: آلة حادة، موقع بناء غير آمن، مواد كيميائية خطرة، ضوضاء مفرطة، تهوية رديئة، أو إصابات جسدية مباشرة. غير أن التحولات العميقة في عالم العمل جعلت جانباً آخر من الخطر يتقدم إلى الواجهة: بيئة العمل النفسية والاجتماعية. هذا المفهوم لا يتحدث فقط عن الحالة النفسية الفردية للعامل، ولا يختزل المشكلة في ضعف القدرة الشخصية على التحمّل، بل ينظر إلى العمل بوصفه منظومة متكاملة من التصميم والتنظيم والإدارة والعلاقات والسياسات والإجراءات التي قد تدعم صحة الإنسان وكرامته وإنتاجيته، أو تتحول إلى مصدر مزمن للضغط والإجهاد والإنهاك والمرض.
ينطلق تقرير منظمة العمل الدولية من فرضية محورية: العمل يمكن أن يكون مصدراً للمعنى والاستقرار والاندماج الاجتماعي والصحة، لكنه قد يصبح أيضاً مصدراً للضرر إذا صُمّم وأُدير بطريقة تضع العامل تحت مطالب مفرطة، أو تحرمه من الموارد والدعم والاستقلالية والإنصاف. فالمسألة ليست نفسية بمعنى فردي ضيق، بل هي نفسية اجتماعية تنظيمية؛ أي إنها تتصل بكيفية تصميم الوظيفة، وتوزيع المهام، وتحديد المسؤوليات، وتنظيم الوقت، وإدارة الأداء، وتطبيق العدالة، ومنع العنف والتحرش، وإشراك العمال في القرارات التي تؤثر في حياتهم العملية. ويعرّف التقرير بيئة العمل النفسية والاجتماعية بأنها العناصر والتفاعلات المرتبطة بتصميم الوظائف، وتنظيم العمل وإدارته، والسياسات والممارسات والإجراءات التي تحكم العمل، وكل ما ينتج عن تفاعل هذه العناصر من آثار على صحة العاملين ورفاههم وأداء المؤسسات.
هذه الرؤية تكتسب أهمية خاصة في عالم يشهد تبدلات متسارعة: الرقمنة، الذكاء الاصطناعي، العمل عبر المنصات، المراقبة الخوارزمية، العمل عن بعد والهجين، توسع الاقتصاد غير المنظم، وتزايد الهشاشة في علاقات العمل. فهذه التحولات لا تغير فقط أدوات العمل، بل تغير أيضاً علاقة الإنسان بالزمن، والرقابة، والزملاء، والرؤساء، ومعايير التقييم، وحدود الحياة الخاصة. لذلك لم يعد ممكناً التعامل مع الصحة المهنية بوصفها شأناً فنياً يخص المخاطر الفيزيائية وحدها؛ بل صارت الصحة النفسية والاجتماعية في العمل جزءاً أصيلاً من الحق في بيئة عمل آمنة وصحية.
أولاً: ما المقصود ببيئة العمل النفسية والاجتماعية؟
بيئة العمل النفسية والاجتماعية هي المجال الذي يلتقي فيه تصميم العمل مع التنظيم الإداري والعلاقات الإنسانية والسياسات المؤسسية. وهي لا تعني أن كل ضغط في العمل خطر بالضرورة؛ فالعمل الجيد قد يتضمن تحديات، ومطالب، ومسؤوليات، وتعلماً مستمراً. غير أن الفارق الجوهري يكمن في التوازن: هل تتناسب المطالب مع الموارد؟ هل يملك العامل قدراً كافياً من السيطرة على طريقة أداء عمله؟ هل يحصل على دعم من رؤسائه وزملائه؟ هل يعرف ما المطلوب منه بوضوح؟ هل يشعر بالإنصاف والتقدير؟ هل توجد إجراءات موثوقة لمنع العنف والتحرش؟ هل تُدار التغييرات التنظيمية بشفافية؟ هذه الأسئلة هي جوهر المقاربة الحديثة للمخاطر النفسية والاجتماعية.
ويؤكد التقرير أن العوامل النفسية والاجتماعية ليست في ذاتها إيجابية أو سلبية بصورة مطلقة. فالمسؤولية العالية مثلاً قد تكون محفزة ومصدراً للمعنى، لكنها قد تصبح عبئاً خطراً إذا لم تُدعم بالموارد الكافية، أو إذا ارتبطت بعواقب جسيمة عند الخطأ، أو إذا صاحبها ضغط زمني مفرط. كذلك يمكن للاستقلالية أن تعزز الإبداع، لكنها قد تتحول إلى عزلة إذا كانت تعني غياب التوجيه والدعم. ومن هنا تبرز أهمية الإدارة والتنظيم في تحديد ما إذا كانت هذه العوامل ستدعم الصحة والأداء، أم ستتحول إلى مخاطر.
ويطرح التقرير منظوراً متعدد المستويات لفهم هذه البيئة. المستوى الأول هو الوظيفة ذاتها: طبيعة المهام، المطالب المعرفية والعاطفية والجسدية، مستوى المسؤولية، تنوع المهام، معنى العمل، وتوافق متطلبات الوظيفة مع مهارات العامل. المستوى الثاني هو كيفية إدارة العمل وتنظيمه: وضوح الأدوار، توزيع عبء العمل، سرعة الإنجاز المطلوبة، الاستقلالية، الإشراف، التغذية الراجعة، الدعم الاجتماعي، وجودة التفاعلات اليومية. أما المستوى الثالث فهو السياسات والممارسات والإجراءات الأوسع التي تحكم العمل: ترتيبات التوظيف، ساعات العمل، إدارة التغيير، الرقابة الرقمية، نظم المكافآت والترقية، سياسة السلامة والصحة المهنية، إجراءات منع العنف والتحرش، وآليات التشاور ومشاركة العمال. ويوضح الشكل الوارد في الصفحة 23 من التقرير هذا التقسيم الثلاثي للعوامل النفسية والاجتماعية، مقدماً أمثلة عملية لكل مستوى من هذه المستويات.
{img_1}
قيمة هذا التقسيم أنه ينقل النقاش من مستوى الوعظ العام حول “الاهتمام بالصحة النفسية” إلى مستوى عملي قابل للتدخل. فالخطر ليس قدراً غامضاً، بل يمكن تحديد مصادره: هل المشكلة في عبء العمل؟ في تضارب الأدوار؟ في إدارة الأداء؟ في ضعف المشاركة؟ في العنف والتحرش؟ في مراقبة رقمية غير شفافة؟ في نظام مكافآت ظالم؟ في غياب سياسات واضحة للتبليغ والحماية؟ كلما أمكن تحديد المصدر، أمكن تصميم تدخل وقائي لا يكتفي بعلاج النتائج، بل يعالج الأسباب.
ثانياً: التحولات الجديدة في عالم العمل ومضاعفة المخاطر
يشير التقرير إلى أن عالم العمل يمر بمرحلة تحول عميقة. فالتكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي غيّرا طريقة تنسيق العمل ومراقبته وتقييمه. لم يعد الإشراف يتم دائماً عبر مدير مباشر، بل قد يتم عبر منصات رقمية، أو مؤشرات أداء لحظية، أو خوارزميات تقرر توزيع المهام وتقييم السرعة والجودة. وقد تبدو هذه الأدوات محايدة وفعالة، لكنها قد تحمل مخاطر نفسية واجتماعية عندما تكون غير شفافة، أو عندما تفرض مراقبة مستمرة، أو عندما تقلل استقلالية العامل، أو عندما تستخدم بياناته بطريقة لا يفهمها ولا يستطيع الاعتراض عليها.
كما أدت أشكال العمل الجديدة، مثل العمل عبر المنصات والعمل المؤقت والعمل الحر المعتمد اقتصادياً على جهة واحدة، إلى إعادة تعريف العلاقة بين العامل وصاحب العمل. ففي بعض هذه الأشكال، قد تختفي الحدود التقليدية للمسؤولية: من المسؤول عن وقت الراحة؟ من يضمن الحماية الاجتماعية؟ من يتدخل عند العنف أو الإساءة من العملاء؟ من يراقب عبء العمل؟ ومن يضمن عدالة التقييم؟ إن اتساع هذه الأشكال يجعل المخاطر النفسية والاجتماعية أكثر تعقيداً، لأنها قد تقع خارج الأطر القانونية والمؤسسية التقليدية.
كذلك غيّر العمل عن بعد والهجين العلاقة بين الحياة المهنية والحياة الخاصة. فمن جهة، يمنح هذا النمط مرونة وفرصاً لتقليل التنقل وتحسين التوازن الأسري. ومن جهة أخرى، قد يطمس الحدود بين العمل والمنزل، ويخلق توقعاً دائماً بالتوافر والرد على الرسائل خارج أوقات العمل، ويزيد العزلة، ويقلل الدعم الاجتماعي، ويجعل الإشراف أكثر اعتماداً على مؤشرات رقمية بدلاً من الثقة والتواصل الإنساني. ولهذا فإن المرونة ليست قيمة إيجابية بذاتها ما لم تُصمم بسياسات واضحة تحمي الراحة والخصوصية والحق في الانفصال عن العمل.
ولا تقتصر المخاطر على القطاعات المكتبية أو الشركات الكبرى. فالعاملون في الصحة والرعاية والتعليم والنقل والتجزئة والطوارئ والخدمات العامة يواجهون مطالب عاطفية وزمنية عالية. والعاملون في الاقتصاد غير المنظم والمنشآت الصغيرة قد يواجهون هشاشة في الحماية الاجتماعية وضعفاً في إنفاذ المعايير. والعاملون في مواقع النزاع أو الكوارث أو البيئات المعزولة يواجهون تداخلاً بين الخطر الجسدي والضغط النفسي. لذلك، فإن أي سياسة جادة للسلامة والصحة المهنية يجب أن تراعي تنوع القطاعات وأشكال العمل، لا أن تفترض نموذجاً واحداً للعامل أو المؤسسة.
ثالثاً: العبء الصحي العالمي للمخاطر النفسية والاجتماعية
أحد أهم ما يقدمه تقرير منظمة العمل الدولية هو محاولة تقدير العبء الصحي والاقتصادي العالمي المرتبط بخمسة عوامل رئيسية من عوامل الخطر النفسية والاجتماعية: الإجهاد الوظيفي الناتج عن ارتفاع المطالب وانخفاض السيطرة، اختلال التوازن بين الجهد والمكافأة، انعدام الأمن الوظيفي، ساعات العمل الطويلة التي تبلغ 55 ساعة أسبوعياً أو أكثر، والتنمر في مكان العمل. وبحسب التقديرات التي يعرضها التقرير، فإن هذه العوامل ترتبط بأكثر من 840 ألف وفاة سنوياً في العالم بسبب أمراض القلب والأوعية الدموية والاضطرابات النفسية، كما تؤدي إلى فقدان قرابة 45 مليون سنة من سنوات العمر المصححة باحتساب الإعاقة، وهي وحدة تقيس مجموع سنوات الحياة المفقودة بسبب الوفاة المبكرة أو العيش مع المرض والإعاقة. كما يقدّر التقرير أن الأثر المشترك لهذه الأمراض والاضطرابات المرتبطة بالمخاطر النفسية والاجتماعية يؤدي إلى خسارة تعادل 1.37 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي سنوياً. وتعرض الصفحة 9 من التقرير رسماً بيانياً يلخص هذه الخسائر العالمية في الوفيات وسنوات الحياة المفقودة والخسارة الاقتصادية.
هذه الأرقام تكشف أن القضية ليست هامشية ولا تخص رفاهية فردية يمكن تأجيلها، بل تمثل عبئاً صحياً واقتصادياً واسع النطاق. فالخطر النفسي الاجتماعي لا يبقى داخل المكتب أو المصنع أو منصة العمل، بل يمتد إلى أنظمة الصحة العامة، وصناديق الضمان، وإنتاجية الاقتصاد، واستقرار الأسر، وثقة المجتمع في المؤسسات. عندما يتعرض العامل لضغط مزمن، أو عنف، أو انعدام أمن وظيفي، فإن النتيجة لا تظهر فقط في شعوره بالضيق؛ قد تظهر في ارتفاع ضغط الدم، أمراض القلب، السكتات، الاكتئاب، القلق، اضطرابات النوم، الإرهاق، الانسحاب من العمل، انخفاض الأداء، الغياب، الحضور الشكلي غير المنتج، أو الخروج المبكر من سوق العمل.
وتشير الأدلة التي يستعرضها التقرير إلى أن الإجهاد المزمن يعمل عبر مسارات متعددة. فهو ينشط استجابات بيولوجية مرتبطة بالجهاز العصبي والغدد الصماء، وقد يؤدي مع الزمن إلى اضطراب في التنظيم الهرموني والالتهابي والاستقلابي. كما يؤثر في السلوكيات الصحية؛ فالعامل المجهد قد يلجأ إلى التدخين، أو الإفراط في الطعام، أو قلة النوم، أو الخمول، أو استهلاك الكحول في بعض السياقات. كذلك تؤثر هشاشة العمل وانعدام الأمان في ظروف المعيشة والوصول إلى الرعاية الصحية. وبذلك يصبح الخطر النفسي الاجتماعي حلقة وصل بين التنظيم السيئ للعمل وبين أمراض جسدية ونفسية بعيدة المدى.
ومن المهم هنا عدم الوقوع في خطأ اختزال المشكلة في “الصحة النفسية” وحدها. فالتقرير يؤكد أن المخاطر النفسية والاجتماعية ترتبط أيضاً بأمراض القلب والأوعية الدموية، والاضطرابات الاستقلابية، والاضطرابات العضلية الهيكلية، واضطرابات النوم، والإصابات المهنية، وربما نتائج صحية أخرى بدرجات متفاوتة من قوة الدليل. وهذا يعني أن الوقاية من هذه المخاطر ليست خدمة نفسية إضافية، بل جزء من الوقاية المهنية الشاملة.
رابعاً: الكلفة المؤسسية والاقتصادية للبيئة السيئة
المؤسسات التي تهمل بيئة العمل النفسية والاجتماعية لا تدفع ثمناً أخلاقياً فقط، بل تدفع ثمناً تنظيمياً واقتصادياً مباشراً. فالتقرير يربط بين المخاطر النفسية والاجتماعية وبين ارتفاع الغياب المرضي، والحضور غير المنتج، وانخفاض الاندماج الوظيفي، وضعف الأداء، وتراجع الإنتاجية، وصعوبة العودة إلى العمل بعد المرض أو الإصابة، وزيادة دوران العمالة، والتقاعد المبكر، وتراجع الثقة والسمعة المؤسسية. كما يشير إلى أن العنف والتحرش والتنمر ترتبط بخسائر إنتاجية هائلة عالمياً من خلال علاقتها بالاكتئاب وضعف القدرة على العمل.
الغياب المرضي هو المؤشر الأكثر وضوحاً، لكنه ليس المؤشر الوحيد. فقد يحضر العامل إلى مكان العمل وهو مرهق أو مكتئب أو قلق، لكنه يعمل بطاقة منخفضة وتركيز ضعيف؛ وهذا ما يُعرف بالحضور الشكلي أو الحضور غير المنتج. وقد يستخدم العامل إجازته للراحة من عبء العمل، أو يواصل العمل خلال إجازته بسبب ضغط المهام، فيتحول وقت التعافي إلى امتداد للعمل. هذه الظواهر أقل ظهوراً في السجلات الرسمية، لكنها شديدة التأثير في الإنتاجية والجودة والسلامة.
كما تؤثر البيئة النفسية الاجتماعية في قدرة المؤسسة على الاحتفاظ بالمهارات. فالعاملون لا يغادرون الوظائف فقط بسبب الأجر، بل بسبب الظلم، والإرهاق، وغياب الاحترام، وضعف القيادة، وانعدام الأمان، والتنمر، وغياب المعنى. وعندما تزداد المغادرة، تخسر المؤسسة الخبرة والمعرفة المؤسسية، وتتحمل تكاليف التوظيف والتدريب، وتتضرر الروح المعنوية لمن يبقى. وفي القطاعات الخدمية والرعائية، ينعكس الضغط والإنهاك على جودة الخدمة نفسها، فيضعف رضا المرضى أو العملاء أو المستفيدين، وتتآكل الثقة العامة.
في المقابل، تعرض منظمة العمل الدولية شواهد على أن بيئة العمل الصحية نفسياً واجتماعياً تدعم الأداء لا تعرقله. فالعدالة، والثقة، والدعم، والاستقلالية، والمشاركة، والقيادة الجيدة، والتوازن بين العمل والحياة، كلها موارد تنظيمية تعزز الاندماج والإبداع والتعلم والقدرة على التكيف. وهذا مهم لأن بعض أصحاب العمل قد يتصورون خطأً أن الاهتمام بالصحة النفسية يعني خفض الإنتاجية أو التراخي في معايير الأداء. لكن التقرير يقدم رؤية مختلفة: الأداء المستدام لا يتحقق بالضغط المفرط، بل بتصميم عمل يوازن بين المطالب والموارد، وبين الإنتاجية والكرامة، وبين الرقابة والثقة.
خامساً: من “علاج الفرد” إلى “إصلاح العمل”
أحد أهم التحولات المفاهيمية في التقرير هو الانتقال من التركيز على العامل بوصفه المشكلة إلى التركيز على العمل بوصفه مجال التدخل. فالخطاب التقليدي في بعض المؤسسات يميل إلى تقديم حلول فردية: جلسات توعية، نصائح لإدارة التوتر، تطبيقات تأمل، خطوط دعم نفسي، أو برامج رفاهية. هذه الأدوات قد تكون مفيدة، لكنها تصبح قاصرة بل مضللة إذا استُخدمت بديلاً عن معالجة الأسباب التنظيمية: عبء عمل غير واقعي، تضارب في الأدوار، مديرون غير مؤهلين، غياب العدالة، ساعات طويلة، مراقبة مفرطة، أو ثقافة تسمح بالإساءة.
التقرير لا يرفض الدعم الفردي، لكنه يضعه في مكانه الصحيح: مكملاً لا بديلاً. فالوقاية الحقيقية تبدأ من المصدر. إذا كان العاملون ينهارون بسبب أعباء تفوق طاقتهم، فالحل ليس تدريبهم فقط على التنفس العميق، بل إعادة توزيع العمل، ومراجعة الأهداف، وتوفير الموارد، وتوضيح الأولويات. وإذا كان العاملون يخافون من التبليغ عن التحرش، فالحل ليس حملة ملصقات فقط، بل إجراءات موثوقة وسرية، وحماية من الانتقام، وتحقيق عادل، وعقوبات متناسبة، وقيادة تعلن بوضوح أن الكرامة ليست قابلة للمساومة. وإذا كانت الخوارزميات تقيّم العاملين بطريقة غامضة، فالحل ليس مطالبتهم بالتكيف مع القلق، بل ضمان الشفافية والإنصاف والرقابة البشرية والحق في الاعتراض.
هذه المقاربة الوقائية تتسق مع منطق السلامة والصحة المهنية عموماً: تحديد الخطر، تقييم المخاطر، التحكم فيها، ومراجعة فعالية الإجراءات. والخصوصية هنا أن المخاطر النفسية والاجتماعية ليست دائماً مرئية أو قابلة للقياس المباشر كما تقاس الضوضاء أو الحرارة، لذلك يحتاج تقييمها إلى مصادر متعددة: بيانات الموارد البشرية، سجلات الغياب والدوران، نتائج الاستبيانات، مقابلات العاملين، ملاحظات لجان السلامة، شكاوى العنف والتحرش، مؤشرات عبء العمل، وتحليل التغيرات التنظيمية. ويشدد التقرير على أهمية استخدام أدوات موثوقة، وضمان السرية، وإشراك العمال، لأنهم يملكون معرفة مباشرة بكيفية اختبار العمل في الواقع.
سادساً: الأطر القانونية والسياسات العامة
يعرض التقرير تطوراً متزايداً في إدماج المخاطر النفسية والاجتماعية ضمن أطر السلامة والصحة المهنية حول العالم. وعلى الرغم من أن بعض المعايير الأساسية للسلامة والصحة المهنية لا تذكر هذه المخاطر صراحة، فإنها توفر الأساس الوقائي العام. كما أن اتفاقية العنف والتحرش لعام 2019، رقم 190، تمثل محطة مهمة لأنها تشير إلى المخاطر النفسية والاجتماعية ضمن إطار شامل للوقاية والحماية.
على المستوى الوطني، تتباين الدول في درجة الاعتراف بهذه المخاطر. بعض البلدان تدمجها ضمن واجبات تقييم المخاطر العامة، وبعضها يضع تعريفات قانونية محددة، وبعضها يركز على العنف والتحرش أو الصحة النفسية دون أن يطور إطاراً شاملاً للمخاطر النفسية والاجتماعية. ويشير التقرير إلى أن الدول التي تذكر هذه المخاطر صراحة في التشريعات تكون أكثر ميلاً إلى قيام أماكن العمل بتقييمها ووضع خطط وقائية. وهذا منطقي؛ فما لا يُسمّى قانونياً غالباً لا يُقاس ولا يُدار بجدية.
لكن التقرير يحذر من الخلط بين “الصحة النفسية في العمل” و“المخاطر النفسية والاجتماعية”. فالصحة النفسية نتيجة أو حالة، أما المخاطر النفسية والاجتماعية فهي مصادر تنظيمية محتملة للضرر. عندما تركز السياسات على النتيجة فقط، قد تميل إلى العلاج الفردي أو حملات الوعي العامة. أما عندما تركز على المخاطر، فإنها تدفع نحو الوقاية: تصميم العمل، تنظيم الوقت، إدارة المطالب، منع العنف، تعزيز المشاركة، وضمان العدالة. وهذا الفرق ليس لغوياً، بل يحدد أين ستذهب المسؤولية: هل إلى العامل وحده أم إلى المؤسسة والنظام؟
ويبرز التقرير كذلك دور الحوار الاجتماعي والمفاوضة الجماعية. فالنقابات وأصحاب العمل والحكومات يمكنهم تحويل المبادئ العامة إلى إجراءات قطاعية ومؤسسية محددة. غير أن إدماج الصحة النفسية والعوامل النفسية والاجتماعية في الاتفاقات العابرة للحدود ما زال محدوداً؛ إذ يشير التقرير إلى أن 18 في المئة فقط من 338 اتفاقاً عابراً للحدود بين عامي 2000 و2025 تضمنت إشارات صريحة لهذه القضايا ضمن أحكام السلامة والصحة المهنية. وهذه النسبة تعكس فجوة بين الاعتراف المتزايد بالمشكلة وبين ترجمتها إلى التزامات تفاوضية ملزمة أو شبه ملزمة.
سابعاً: التفتيش والامتثال والتوعية
لا يكفي وجود قانون جيد إذا ظل بلا إنفاذ أو أدوات عملية. لذلك يولي التقرير أهمية لتطوير قدرات تفتيش العمل في مجال المخاطر النفسية والاجتماعية. فالتفتيش التقليدي الذي يركز على معدات الوقاية أو مطابقة المباني قد لا يكون كافياً لفهم عبء العمل أو تضارب الأدوار أو ضعف الدعم أو المراقبة الرقمية أو ثقافة الخوف. يحتاج المفتشون إلى تدريب وأدوات تشخيص ووقت كافٍ لفحص المشكلات التنظيمية، وإلى القدرة على الجمع بين الامتثال القانوني والإرشاد الوقائي.
وتعرض التجارب الدولية أمثلة متنوعة. في أوروبا، ساهمت مبادرات لجان تفتيش العمل في تطوير مفاهيم وأدوات مشتركة لتقييم ضغوط العمل والعوامل التنظيمية. وفي الدنمارك والسويد وإسبانيا وإستونيا وغيرها، ظهرت أدوات وتوجيهات متخصصة. وخارج أوروبا، اتخذت دول مثل أستراليا وكندا وتشيلي والبرازيل واليابان وكوريا خطوات مختلفة لإدخال المخاطر النفسية والاجتماعية في التفتيش أو أنظمة الرصد أو متطلبات الإخطار، بينما دعمت منظمة العمل الدولية بناء قدرات في دول من بينها كينيا والأردن ولبنان.
هذه التجارب توضح أن الامتثال لا يعني العقوبة فقط، بل بناء قدرة مؤسسية على الوقاية. فالمنشآت الصغيرة والمتوسطة تحديداً قد تفتقر إلى فرق موارد بشرية أو مختصين في السلامة والصحة المهنية، ولذلك تحتاج إلى أدوات مبسطة، وإرشادات قطاعية، ونماذج تقييم سهلة، وحملات توعية. ومع ذلك، لا ينبغي أن تتحول البساطة إلى تهاون؛ فالحقوق الأساسية في بيئة عمل آمنة وصحية يجب أن تشمل العاملين في المنشآت الصغيرة والاقتصاد غير المنظم بقدر الإمكان.
ثامناً: إدارة المخاطر على مستوى مكان العمل
يقدم التقرير إطاراً عملياً لإدارة المخاطر النفسية والاجتماعية داخل المؤسسات، مستنداً إلى إرشادات منظمة العمل الدولية بشأن نظم إدارة السلامة والصحة المهنية. ويؤكد أن هذه المخاطر يجب ألا تُدار كنظام منفصل أو مبادرة علاقات عامة، بل كجزء من نظام السلامة والصحة المهنية العام، ومن صميم الإدارة اليومية للعمل. ويشمل ذلك السياسة، والتنظيم، والتخطيط والتنفيذ، والتقييم والتحسين المستمر.
تبدأ العملية بسياسة واضحة تعلن التزام المؤسسة بحماية صحة العاملين وسلامتهم، بما في ذلك الجوانب النفسية والاجتماعية. ويجب أن تعترف هذه السياسة بأن المخاطر قد تنشأ من تصميم العمل وتنظيمه وإدارته، لا فقط من “مشكلات شخصية”. ثم تأتي مرحلة التنظيم: تحديد المسؤوليات، تدريب القادة، ضمان التنسيق بين السلامة والصحة المهنية والموارد البشرية والإدارة التشغيلية، وإشراك العمال وممثليهم.
بعد ذلك تأتي مرحلة التخطيط والتنفيذ. وهنا يجب تحديد الأخطار: هل توجد مطالب معرفية أو عاطفية مفرطة؟ هل هناك ضغط زمني مستمر؟ هل الأدوار متضاربة؟ هل يعمل الناس لساعات طويلة؟ هل يتعرضون للعنف أو الإهانة من العملاء أو الزملاء؟ هل توجد مراقبة رقمية تضعف الثقة؟ هل هناك عدم إنصاف في الترقيات والمكافآت؟ ثم تُقيّم المخاطر وفق شدة التعرض ومدته وتكراره وتراكمه، لأن الضرر النفسي الاجتماعي قد لا ينتج عن حادث واحد، بل عن تعرض طويل ومتكرر.
أما التدخل، فيجب أن يعطي الأولوية للإجراءات التنظيمية والجماعية. ومن أمثلتها: إعادة تصميم الوظائف، خفض العبء المفرط، توضيح الأدوار، تحسين التواصل، تدريب المديرين على القيادة الداعمة، ضمان فترات الراحة، وضع حدود واضحة للعمل الرقمي بعد الدوام، إنشاء آليات تبليغ آمنة، حماية المبلغين، تعزيز المشاركة، ومراجعة نظم التقييم والمكافأة. وعند وجود مخاطر حادة مثل العنف والتحرش، يجب التدخل فوراً بإجراءات حماية وتحقيق ومساءلة. أما برامج الدعم الفردي، كالمشورة النفسية أو التدريب على التكيف، فيجب أن تكون مكمّلة لهذه الإجراءات لا بديلاً عنها.
أخيراً، لا بد من التقييم المستمر. فالإجراءات قد تفشل أو تنتج آثاراً غير مقصودة. فقد يؤدي نظام أداء جديد إلى تكثيف العمل، أو قد تؤدي سياسة عمل عن بعد إلى عزلة، أو قد تتحول المرونة إلى توافر دائم. لذلك يجب مراجعة المؤشرات والاستماع إلى العمال وتعديل السياسات. بيئة العمل النفسية والاجتماعية ليست مشروعاً ينتهي، بل عملية إدارة مستمرة تتطور مع تغير العمل.
تاسعاً: العدالة والثقافة التنظيمية والمشاركة
من أعمق أفكار التقرير أن البيئة النفسية والاجتماعية لا تُبنى باللوائح وحدها، بل بالثقافة التنظيمية اليومية. فقد تملك المؤسسة سياسة مكتوبة ضد التحرش، لكنها لا تطبقها. وقد تعلن احترام التوازن بين العمل والحياة، بينما يكافأ من يرد على الرسائل منتصف الليل. وقد تتحدث عن العدالة، بينما تتم الترقيات بالمحاباة. لذلك فإن الفجوة بين السياسة والممارسة هي أحد مصادر الخطر.
الثقافة التنظيمية تحدد ما هو مقبول وما هو مرفوض، وما إذا كان العامل يستطيع رفع صوته دون خوف، وما إذا كانت الصحة النفسية تُعد قيمة حقيقية أم مجرد شعار. ويتصل بذلك مفهوم “مناخ السلامة النفسية والاجتماعية”، أي الإدراك المشترك لدى العاملين بأن المؤسسة تعطي الأولوية لحماية الصحة النفسية، وتدعم التواصل والمشاركة، ولا تضحّي بالإنسان من أجل الإنتاجية. عندما يكون هذا المناخ قوياً، يشعر العمال أن بإمكانهم الإبلاغ عن المشكلات، وأن الإدارة ستستمع، وأن العدالة ممكنة. وعندما يكون ضعيفاً، يسود الصمت والخوف والتطبيع مع الإساءة.
وتُعد العدالة التنظيمية عاملاً محورياً. وهي تشمل عدالة توزيع المكافآت والفرص، وعدالة الإجراءات والقرارات، وعدالة المعاملة الإنسانية والتواصل. فالإنسان يستطيع تحمل المطالب العالية بدرجة أكبر عندما يشعر أن النظام عادل، وأن الجهد يُقدّر، وأن القرارات مفهومة، وأن كرامته محفوظة. أما الظلم والغموض والمحاباة والإهانة فتضاعف أثر الضغط وتحوّل مكان العمل إلى بيئة مهددة.
وتبرز المشاركة العمالية كأداة وقائية لا كإجراء شكلي. فالعاملون هم الأقدر على وصف العمل كما يحدث فعلاً، لا كما تتصوره الإدارة على الورق. مشاركتهم في تقييم المخاطر وتصميم الحلول تعزز الثقة، وتكشف المشكلات المبكرة، وتجعل التدخلات أكثر واقعية وقابلية للاستمرار. لذلك يشدد التقرير على التشاور ومشاركة العمال وممثليهم في إدارة المخاطر النفسية والاجتماعية.
عاشراً: تفاعل البيئة النفسية مع البيئة المادية
لا يفصل التقرير بين المخاطر النفسية والاجتماعية والمخاطر الفيزيائية. فالعامل الذي يعمل في مكان مزدحم، سيئ الإضاءة، عالي الضوضاء، أو بمعدات غير مناسبة، لا يواجه خطراً جسدياً فقط، بل قد يعيش قلقاً مستمراً من الخطأ أو الإصابة. والعامل الذي يعمل وحيداً في موقع معزول أو في ساعات الليل قد يواجه خوفاً من العنف أو غياب المساعدة. والعاملون في مناطق النزاع أو الكوارث يتعرضون لمزيج من الخطر الجسدي والمطالب العاطفية الشديدة. لذلك يجب أن تنظر إدارة السلامة والصحة المهنية إلى مكان العمل ككل متداخل، لا كقوائم منفصلة من المخاطر.
هذا التفاعل مهم خصوصاً في القطاعات التي تجمع بين الضغط الزمني والمخاطر الجسدية، مثل النقل والرعاية الصحية والبناء والزراعة والتعدين والطوارئ. ففي هذه القطاعات، قد يؤدي الإرهاق أو ضعف الانتباه أو الخوف من العقاب إلى تخطي إجراءات السلامة أو عدم الإبلاغ عن الحوادث الوشيكة. وهكذا تتحول المخاطر النفسية والاجتماعية إلى عامل يزيد احتمال الإصابات المهنية. لذلك فإن تحسين القيادة والتواصل والراحة والموارد لا يحمي الصحة النفسية فحسب، بل يحمي السلامة الجسدية أيضاً.
حادي عشر: البيانات والفجوات المعرفية
رغم أن الأدلة تتزايد، يقر التقرير بوجود فجوات كبيرة في البيانات، خصوصاً في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، والاقتصاد غير المنظم، والمنشآت الصغيرة، وبعض القطاعات. فقياس المخاطر النفسية والاجتماعية صعب؛ بعض المؤشرات مثل ساعات العمل يمكن قياسها نسبياً بسهولة، أما مؤشرات مثل العدالة أو الدعم أو العنف النفسي أو تضارب الأدوار فتحتاج إلى أدوات ذاتية وتحليل سياقي. وقد تتأثر الإجابات بثقافة الصمت أو الخوف أو ضعف الوعي أو تطبيع الإساءة.
ولهذا يدعو التقرير إلى تطوير أدوات قياس منسقة، وإدماج مؤشرات نفسية اجتماعية في أنظمة رصد السلامة والصحة المهنية والإحصاءات الوطنية، مع تفصيل البيانات حسب الجنس والعمر والإعاقة والهجرة ونوع العمل والقطاع. وتشير نتائج استبيان أجرته منظمة العمل الدولية عام 2025 إلى أن 37 في المئة من 111 مؤسسة مستجيبة لديها خطط ملموسة لتحسين إحصاءات السلامة والصحة المهنية في مجال المخاطر النفسية والاجتماعية والصحة النفسية المرتبطة بالعمل خلال السنوات الخمس التالية.
وهذه نقطة بالغة الأهمية: ما لا يُقاس يصعب إدارته. لكن القياس يجب أن يكون وسيلة للوقاية لا للمراقبة العقابية. فإذا استُخدمت البيانات لمعاقبة الفرق أو الأفراد بدلاً من تحسين العمل، ستفقد الثقة وستتراجع جودة المعلومات. لذلك يجب أن ترتبط الإحصاءات بمبادئ السرية، والمشاركة، والتحليل الجماعي، والتحسين المستمر.
ثاني عشر: الطريق إلى الأمام
يحدد التقرير ثلاثة مسارات رئيسية للتقدم: البحث، والسياسات والأطر التنظيمية، والعمل على مستوى مكان العمل. في مجال البحث، هناك حاجة إلى بيانات أكثر اتساقاً وشمولاً وقابلية للمقارنة، وإلى تقييم فعالية التدخلات في قطاعات وسياقات مختلفة. وفي مجال السياسات، هناك حاجة إلى وضوح أكبر في المصطلحات والمسؤوليات، وإلى إدماج صريح للمخاطر النفسية والاجتماعية ضمن قوانين وسياسات السلامة والصحة المهنية، مع عدم الاكتفاء بالتركيز على النتائج مثل الاكتئاب أو القلق. وفي مجال أماكن العمل، يجب تحسين تصميم العمل وتنظيمه وإدارته، ومراجعة عبء العمل وتوزيع المهام والإشراف، وتعزيز مشاركة العمال والقيادة المسؤولة.
والرسالة الأساسية هنا أن الوقاية ممكنة. صحيح أن بعض المخاطر لا يمكن إلغاؤها بالكامل، خصوصاً في المهن ذات المطالب العاطفية أو الجسدية العالية، لكن يمكن تقليلها عبر التنظيم الجيد والدعم والموارد والعدالة. فالطبيب أو الممرض أو عامل الطوارئ لا يمكن عزله تماماً عن الألم الإنساني، لكن يمكن تقليل الإنهاك بتوفير فرق كافية، وفترات راحة، ودعم نفسي، وتدريب، وقيادة عادلة. والسائق أو عامل النقل لا يمكن إعفاؤه من الحاجة إلى التركيز، لكن يمكن تقليل الخطر بتنظيم ساعات العمل، ومنع الإرهاق، وتوفير جداول واقعية. والعامل في خدمة العملاء لا يمكن منعه من التعامل مع الجمهور، لكن يمكن حمايته من الإساءة بسياسات واضحة ودعم إداري وتصميم مكان آمن.
خاتمة: نحو عقد جديد بين الإنسان والعمل
يكشف تقرير منظمة العمل الدولية أن بيئة العمل النفسية والاجتماعية أصبحت واحدة من القضايا الكبرى في مستقبل العمل. لم تعد الصحة المهنية تعني منع الإصابة الجسدية فقط، ولم تعد الإنتاجية تعني زيادة الضغط إلى أقصى حد. إن العمل الجيد هو العمل الذي يجمع بين الكفاءة والكرامة، بين الأداء والصحة، بين التنظيم والإنصاف، بين التكنولوجيا والإنسانية.
والتحدي المطروح أمام الحكومات والمؤسسات والنقابات والمجتمع ليس في الاعتراف بالمشكلة فحسب، بل في تغيير طريقة إدارة العمل. فبدلاً من تحميل العامل مسؤولية التكيف الدائم مع بيئات مرهقة، يجب إعادة تصميم هذه البيئات لتكون قابلة للعيش والعمل والإبداع. وبدلاً من الاكتفاء بخطابات الرفاهية، يجب تحويل الوقاية إلى نظم وسياسات ومؤشرات وممارسات يومية. وبدلاً من النظر إلى الصحة النفسية كملف منفصل، يجب دمجها في صلب السلامة والصحة المهنية والحوكمة المؤسسية.
إن أخطر ما في المخاطر النفسية والاجتماعية أنها قد تبدو غير مرئية: لا تترك دائماً جرحاً على الجسد، ولا تظهر فوراً في سجلات الحوادث. لكنها تتراكم في الصمت، في الأرق، في الخوف، في الإنهاك، في الانسحاب، في المرض، وفي خسائر الاقتصاد. ولذلك فإن مواجهتها تتطلب شجاعة معرفية ومؤسسية: أن نرى ما كان مخفياً، وأن نسميه، وأن نقيسه، وأن نعيد تنظيم العمل بما يحفظ الإنسان. فالمستقبل العادل للعمل لن يُقاس فقط بعدد الوظائف أو سرعة الإنتاج، بل بقدرة العمل على أن يكون مساحة للكرامة والصحة والمعنى، لا مصدراً دائماً للإنهاك والمرض.
ملحق: التقرير بالأرقام
يقدّر تقرير منظمة العمل الدولية لعام 2026 أن عوامل الخطر النفسية والاجتماعية المرتبطة بالعمل تتسبب سنوياً في أكثر من 840 ألف وفاة على مستوى العالم، ويبلغ الرقم التفصيلي 840,088 وفاة. ومن بين هذه الوفيات، ترتبط 783,694 وفاة بأمراض القلب والأوعية الدموية، بينما ترتبط 56,394 وفاة بالاضطرابات النفسية.
كما تشير تقديرات التقرير إلى أن هذه المخاطر تؤدي إلى فقدان نحو 45 مليون سنة من سنوات العمر المصححة باحتساب الإعاقة، ويبلغ الرقم التفصيلي 44,912,621 سنة. وتنقسم هذه الخسارة إلى 20,370,571 سنة مرتبطة بأمراض القلب والأوعية الدموية، و24,542,050 سنة مرتبطة بالاضطرابات النفسية.
وعلى المستوى الاقتصادي، يقدّر التقرير أن العبء الصحي المرتبط بالمخاطر النفسية والاجتماعية يؤدي إلى خسارة سنوية تعادل 1.37 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، منها 0.62 في المئة بسبب أمراض القلب والأوعية الدموية، و0.75 في المئة بسبب الاضطرابات النفسية.
يُعرّف التقرير ساعات العمل الطويلة بأنها العمل لمدة 55 ساعة أسبوعياً أو أكثر، كما يذكر أن 35 في المئة من العمال عالمياً يعملون أكثر من 48 ساعة في الأسبوع.
يورد التقرير أن 23 في المئة من العمال حول العالم تعرضوا لشكل واحد على الأقل من أشكال العنف أو التحرش خلال حياتهم العملية، وأن العنف النفسي هو الشكل الأكثر انتشاراً، إذ بلغت نسبته 18 في المئة.
وعلى المستوى الإقليمي، تسجل منطقة آسيا والمحيط الهادئ العدد الأعلى من الوفيات المرتبطة بهذه المخاطر، بواقع 463,313 وفاة سنوياً، و25,075,720 سنة من سنوات العمر المفقودة أو المتأثرة بالإعاقة، مع خسارة اقتصادية تعادل 1.33 في المئة من الناتج المحلي.
أما أفريقيا فتسجل 174,226 وفاة و8,191,936 سنة مفقودة، مع أعلى نسبة خسارة اقتصادية إقليمية بلغت 1.72 في المئة من الناتج المحلي. وتسجل أوروبا وآسيا الوسطى 112,333 وفاة و5,884,170 سنة مفقودة، وخسارة تعادل 1.43 في المئة من الناتج المحلي.
وفي الأمريكتين، يبلغ عدد الوفيات 79,134 وفاة، وعدد السنوات المفقودة 5,135,499 سنة، والخسارة الاقتصادية 1.12 في المئة. أما في الدول العربية، فيقدر التقرير الوفيات بـ 11,082 وفاة، وسنوات العمر المفقودة بـ 625,296 سنة، والخسارة الاقتصادية بـ 1.16 في المئة.
وتوضح الأرقام التفصيلية أن أفريقيا تسجل 162,844 وفاة بسبب أمراض القلب والأوعية الدموية و11,382 وفاة بسبب الاضطرابات النفسية. وفي الأمريكتين، تبلغ الوفيات المرتبطة بأمراض القلب 73,871 وفاة، والمرتبطة بالاضطرابات النفسية 5,263 وفاة.
وفي آسيا والمحيط الهادئ، تبلغ وفيات أمراض القلب 431,701 وفاة، ووفيات الاضطرابات النفسية 31,612 وفاة. وفي أوروبا وآسيا الوسطى، تبلغ وفيات أمراض القلب 105,072 وفاة، ووفيات الاضطرابات النفسية 7,261 وفاة. أما في الدول العربية، فتبلغ وفيات أمراض القلب 10,206 وفيات، ووفيات الاضطرابات النفسية 876 وفاة.
ويشير التقرير إلى أن 15 في المئة من البالغين في سن العمل يعيشون مع اضطراب نفسي، وأن الاكتئاب والقلق يتسببان في فقدان نحو 12 مليار يوم عمل سنوياً. كما يقدر أن العبء المرتبط بالاضطرابات النفسية الناتجة عن عوامل الخطر النفسية والاجتماعية يبلغ نحو 24.5 مليون سنة من سنوات العمر المصححة باحتساب الإعاقة.
وفي الاتحاد الأوروبي، يفيد التقرير بأن 13 في المئة من العمال يبلّغون عن إنهاك جسدي وعاطفي، وهو من عوامل خطر الاحتراق الوظيفي. وفي الولايات المتحدة، ذكر 19 في المئة من العمال عام 2022 أنهم يشعرون باحتراق وظيفي شديد، بزيادة تجاوزت 50 في المئة مقارنة بعام 2018.
وفي ما يخص الوصمة المرتبطة بالصحة النفسية، يذكر التقرير أن 48 في المئة من العمال في أوروبا يعتقدون أن الإفصاح عن حالة نفسية قد يضر بمسارهم المهني. وترتفع هذه النسبة إلى 69 في المئة في اليونان، و67 في المئة في قبرص، و63 في المئة في كل من فرنسا وإيطاليا، بينما يشعر نحو 80 في المئة من العمال في بلدان الشمال الأوروبي بالراحة عند مناقشة الصحة النفسية مع المدير.
يورد التقرير أن نحو ثلث العمال الصناعيين في أجزاء من جنوب وشرق آسيا يعانون من نوم غير كاف أو سيئ، وأن نحو خُمس العمال الأوروبيين يواجهون المشكلة نفسها. وفي الولايات المتحدة، يتأثر نحو 19 في المئة من الموظفين بقلة النوم أو سوء جودته، وترتفع النسبة إلى أكثر من 30 في المئة بين عمال النوبات الليلية.
وفي مجال الحوار الاجتماعي العابر للحدود، يذكر التقرير أن مستودع منظمة العمل الدولية سجل 338 اتفاقاً بين عامي 2000 و2025، لكن 18 في المئة فقط من هذه الاتفاقات تضمنت إشارات صريحة إلى الصحة النفسية أو العوامل النفسية والاجتماعية ضمن أحكام السلامة والصحة المهنية، وهو ما يعادل 61 اتفاقاً.
يورد التقرير نتائج مسح آسيوي متعدد البلدان لعام 2023 أظهر أن مخاوف الصحة النفسية أثرت في إنتاجية 31 في المئة من العمال في اليابان، وأكثر من 60 في المئة في ماليزيا، و60 في المئة في الفلبين، و53 في المئة في فيتنام، و50 في المئة في تايلند، و46 في المئة في كل من الصين وإندونيسيا، و43 في المئة في سنغافورة.
كما يورد التقرير أن 44 في المئة من المشاركين في مسح دولي واسع تركوا وظيفة خلال السنة السابقة بسبب بيئة عمل سامة. وفي فنلندا، شكلت الاضطرابات العقلية والسلوكية سبباً لأكثر من نصف معاشات العجز عام 2024، وكان الاكتئاب التشخيص الأكثر شيوعاً لدى 36 في المئة من النساء و20 في المئة من الرجال ضمن هذه الفئة.
ويشير التقرير أيضاً إلى أن نحو 58 في المئة من العمال عالمياً كانوا في الاقتصاد غير المنظم عام 2025. كما يتناول مسحاً أوروبياً شمل أكثر من 36,500 عامل في دول الاتحاد الأوروبي وعدد من الدول الأخرى.
وفي كندا، أبلغ 32 في المئة من العاملين في الرعاية الصحية والمساعدة الاجتماعية عن أعباء عمل ثقيلة، مقارنة بـ 24 في المئة من العمال عموماً. وفي تشيلي، أبلغت 23 في المئة من المنشآت عن خطر عبء عمل مرتفع، وترتفع النسبة إلى 69 في المئة في قطاع الخدمات الاجتماعية.
وفي دراسة شملت 31 دولة، قال 8 من كل 10 عمال مكتبيين إن الوقت غير كاف لإنجاز العمل. وفي الاتحاد الأوروبي، يؤدي 64 في المئة من العمال مهام معقدة، وترتفع النسبة إلى 81 في المئة في الخدمات المالية، وتنخفض إلى 47 في المئة في التجارة والضيافة.
يذكر التقرير أن 73 في المئة من العمال في أوروبا يحصلون دائماً أو غالباً على دعم من الزملاء، بينما يحصل 64 إلى 65 في المئة على دعم من المديرين. كما أن 11 في المئة من العمال في أوروبا طلبوا تدريباً ولم يحصلوا عليه.