الحوار وسيلة للتفاهم والتقارب
زينب فخري
2026-09-17 02:50
وسيلة حضارية وإنسانية للوصول إلى النضج الفكري وتقبل التنوع، فهو من أدبيات التواصل الفكري والثقافي والاجتماعي والاقتصادي. والحوار يكون بمستويات مختلفة، منها:
– مع من هم أقل مرتبة أو مركز أو علم: كالمدير والموظف، أو الأستاذ والطالب، أو الابن والابنة مع الأب، هنا نتذكر قوله تعالى: وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى» سورة طه (17)/.. فهل كان الله، وهو العالم الخبير وعلام الغيوب لا يعلم ما بيد موسى حتى يسأل؟! بالتأكيد يعلم لكن كان السؤال بداية لحوار بعد ما كان يبدو على موسى الخوف!
فإذا لاحظ المتحاور أن ابنه أو ابنته أو طالبه أو موظفه المسؤول عنه مرتبك أو متوتر أو خائف، يجب امتصاص خوفه وتوتره ببداية بعيدة عن الموضوع، مثلاً: «ملابسك حلوة.. العطر اللي حاطه طيب.. اذا اللون صدگ حلو..».. وهكذا.
– أو قد يكون الحوار مع من هم أعلى مرتبة أو مركز أو علم أو عمر:
هذا المستوى يتطلب المزيج من الاحترام بالذكاء الاجتماعي، وإبراز التقدير لهم لمكانتهم، وليس التبعية والخوف.. وليكن الهدف التعلم منهم وليس المنافسة لاثبات صحة الفكرة والرأي على أن يكون الاستماع أكثر من الحديث مع استخدم عبارات لطيفة عند الحديث معهم، مثلاً: «أستاذ. دكتور. حضرتك..». وكذلك عند وجود اختلاف في الآراء نحاول أن نبينه بأسلوب مهذب، مثلاً: «أنا اتفق معاً فيما ذكرت لكن البعض قد يختلف معك في النقطة الفلانية».
– حوار مع من هم بالمستوى نفسه: وقد يكونوا من الأصدقاء.. هنا قد نختلف أو نتفق بالرأي وحتى لا نخسر صديقنا، إذا لاحظنا الجدال أصبح عقيماً، يجب الانسحاب، مع تقبل وجهة نظره، باعتبارها زيادة معلومات ورؤية الأمر من زاوية أخرى.. ولا نخسر صديقنا من أجل موضوع قد ينتهي الجدل حوله بعد أشهر.. وهذا ما يحدث كثيراً في مواقع التواصل الاجتماعي.
– حوار مع خصم: أي هناك تباين آراء واضح ووجهات نظر مختلفة ومتخالفة جداً ربما تكون عقائدية أو مذهبية. وهذا الحوار سيفضي إلى جدل عقيم وخصومة أكبر؛ لذا يفضل الانسحاب بهدوء وبصمت وربما بعبارة لطيفة: «رأيك محترم لكن لي راي الخاص وأعتز به».
واستشهد بقوله تعالى: «قُل لَّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ» سورة سبأ/(25).. فالأنبياء نسبوا الإجرام لهم في حوارهم مع قومهم، واستعملوا لفظة «تعملون» كوصف مجرد لأعمال قومهم المشركين؛ فبالرغم من انهم على طرفي نقيض لكن لم يسيئوا الأدب في الحوار، وبهذه الطريقة أنهم انهوا الجدل.
الحوار في جوهره ليس مجرد تبادل للكلمات، وإنما هو اختبار لطريقة الإنسان في التعامل مع الاختلاف وموقعه من الآخر. فالإنسان قد يمتلك المعرفة، والمكانة، والقدرة على الإقناع، ثم يفشل في الحوار حين يحول النقاش إلى إثبات للذات أو انتصار على الطرف المقابل. ومن هنا تبرز أهمية فهم مستويات الحوار التي يطرحها المقال؛ لأن طريقة مخاطبة الأب لابنه تختلف عن طريقة مخاطبة الأستاذ، كما تختلف عن الحوار بين الأصدقاء أو مع الخصوم. هذه المستويات تكشف أن نجاح الحوار يرتبط بقراءة الحالة النفسية والاجتماعية للمتحاور، وليس بالمعلومات وحدها.
والأهم أن الحوار الناضج يحتاج إلى معرفة اللحظة التي ينبغي فيها الاستمرار واللحظة التي يصبح فيها الانسحاب أكثر حكمة. ففي بعض النقاشات لا يؤدي المزيد من الكلام إلى مزيد من الفهم، وإنما يزيد المسافة بين الأشخاص ويحوّل الاختلاف الفكري إلى خصومة شخصية. هنا تصبح القدرة على التوقف جزءاً من ثقافة الحوار نفسها. وفي عصر مواقع التواصل الاجتماعي، تزداد الحاجة إلى هذه المهارة؛ لأن سرعة الرد وسهولة الاشتباك تجعل الإنسان يواصل نقاشاً فقد غايته منذ بدايته. لذلك يمكن النظر إلى الحوار الناجح باعتباره قدرة على بناء مساحة مشتركة مع المختلف، أو إنهاء النقاش باحترام حين تستحيل هذه المساحة، مع الحفاظ على الإنسان والعلاقة والكرامة.