صناعة مثقفين!

عبد الامير المجر

2026-04-30 06:56

في عودة سريعة إلى الماضي، أو إلى دور المثقف في صناعة الأحداث وموقفه من السلطة، سنتوقف عند العام 1789 الذي شهد اندلاع الثورة الفرنسية، التي أرهصت لها كتابات فلاسفة ومفكرين فرنسيين، أمثال جان جاك روسو وفرانسوا ماري فولتير وشارل لوي مونتسكيو وغيرهم.

لقد تغيّر مفهوم (الدولة) كثيرا قبل ذلك التاريخ، بفعل معطيات الثورة الصناعية والنهضة الثقافية التي رافقتها، وتعقّدت العلاقات بين أبناء البلد الواحد نتيجة التفاوت الطبقي الحاد، وكذلك بين الدول، لا سيما الصناعية منها، بعد أن صارت جميعها تبحث عن (مجالات حيوية) خارج حدودها لتلاحق، استراتيجيّا، مصادر الاقتصاد المختلفة، ما دفع بالمثقفين للبحث عن خلاص من هذا المأزق المركب ومن خلال السلطة نفسها! لتبدأ رحلة مضنية مبهرة، تداخلت فيها رؤى المثقفين وتعدّدت اجتهاداتهم لتترجم على شكل أيديولوجيات، اشتراكية، ليبرالية، فوضوية وغيرها، وبات لكل من هذه الأفكار والنظريات مريدون مبشّرون بها من المثقفين والمبدعين في مختلف أنحاء العالم، لتغدو الدول ميادين لتجاذبات فكرية سياسية، تجسدت بسلطات قائمة وقوى أخرى فاعلة. وبات الصراع ثقافيا بأدوات سياسية! أو قل هكذا هو الجدل الإنساني الذي ينمو ويُخصَّب بالحوار وأيضا بما يرافقه من عنف أحيانا!

من هنا نجد أن مفهومي المثقف والسلطة يحتاجان إلى قراءة جديدة، فالسياسي اليوم إما مثقف أو نتاج ثقافة معينة، يرى من يتبنّونها أنها الأقرب لتحقيق مصالح الناس وإسعادهم، ووفقا لهذا تتعارض الاجتهادات وتصطدم في ميدان السلطة ولأجلها أو خارجها، ويجد المثقف نفسه وسط هذا المشتبك شاء أم أبى، ما يعني أن اصطفاف المثقف اليوم إلى جانب سلطة يتوافق معها فكريا يختلف تماما عن اصطفافه معها في العصور القديمة حيث السلطة المطلقة للملك أو الأمير الذي يهب العطايا والمناصب ويقطع الرؤوس!

لقد كتبت مقالا قبل مدة بعنوان (مثقف الدولة .. المصطلح الغائب)، قلت فيه إن مؤسسات الدولة المختلفة، تحتاج إلى مثقفين، كُلٍّ في ميدانه، لكي ينهضوا بالمجتمع وهؤلاء لا يمكن النظر إليهم بسلبية لمجرد أنهم باتوا ضمن جسد السلطة أو عملوا معها، بل وإن تماهوا مع خطابها حتى إن كانوا متبنّين له أو مقتنعين به، لكن المطلوب هو أن يبقي المثقف على مسافة ضرورية بينه وبين السلطة بما يحفظ له صورة المثقف الفاعل من أجل المجتمع وهو داخل فضاء السلطة وليس ملمعا لأخطائها، وإن كان يتماهى مع مشروعها أصلا. وأعتقد أن هذا هو جوهر ما يقصده الذين ينتقدون المثقف القريب من السلطة، وإلّا كيف يُدان المثقفون الذين يقفون على إصدار الدوريات الرصينة ويقودون المؤسسات الثقافية الكبيرة ليضيئوا حياة المجتمع بالكلمة الهادفة والفن الرصين؟!

المأزق هو أن تكون الثقافة جسرا للتكسب فقط، وهنا تفقد الأشياء معانيها ويصبح الحديث في هذه الحالة عن شيء آخر مختلف تماما في هذه العلاقة الملتبسة عبر التاريخ!