رواية :Zدرس في تاريخ نضال الطبقة الوسطى ضد الهيمنة الثقافية في العراق

د. مظهر محمد صالح

2026-04-09 05:46

العمل الأدبي وراء فيلم Z هو رواية فاسيليس فاسيليكوس الصادرة عام 1966، والتي استلهمت واقعة اغتيال سياسي حقيقي في اليونان، وحوّلتها إلى سرد نقدي يكشف صراع القوى السياسية ضد المعارضة. وعندما اقتُبست الرواية إلى فيلم عام 1969 على يد المخرج كوستا غافراس، لم يكن الأمر مجرد دراما سياسية، بل تحوّل إلى منصة فكرية لتحليل آليات الهيمنة الثقافية والسياسية، وكيف تُستخدم السلطة والإعلام والقوانين لإخفاء الحقيقة وفرض رواية رسمية على المجتمع.

من خلال هذه التجربة، غدا فيلم Z مرآة لفهم نضال الطبقة الوسطى ضد الهيمنة الثقافية السالبة، ليس في اليونان وحدها، بل كدرس يمكن إسقاطه على سياقات مشابهة حول العالم، ومنها العراق، حيث يتقاطع القمع السياسي مع تزييف الوعي الثقافي. كانت أمسية عرض الفيلم في بغداد، أواخر الستينيات أو مطلع السبعينيات القرن الماضي، واحدة من أبرز الأمسيات الثقافية التي شهدتها صالة سينما سمير أميس، تلك الصالة التي عُدت من أجمل دور العرض في الشرق الأوسط آنذاك. جاءت التجربة في لحظة بدأت فيها البلاد تشهد ممارسات خطيرة لنظام حكم جديد، في تشابه لافت مع ما طرحه الفيلم، ولكن ضمن سياق شرقي أكثر قسوة وتعقيداً، حيث وجدت الطبقة المثقفة نفسها أمام هيمنة سياسية ذات طابع فاشي، تعمل على تزييف الوعي وإعادة تشكيله.

في هذا السياق، يطلّ مفهوم الهيمنة الثقافية عند أنطونيو غرامشي كعدسة تفسيرية، تُظهر كيف تحافظ الطبقات الحاكمة على سلطتها، ليس بالقوة وحدها، بل عبر التأثير الثقافي والفكري، بحيث تبدو أفكارها وكأنها “الطبيعة” ذاتها. غير أن هذه الهيمنة، في التجربة الشرقية، اتخذت شكلاً سالباً، قائماً على تزييف الوعي المطلق بدل بنائه. هكذا جاء فيلم Z كمتنفس فكري، ومرآة نضالية عكست للشباب المثقف في الشرق صورة مقاومة الهيمنة الثقافية في الغرب. ومن داخل قاعة السينما، بدأت تتشكل محاكاة واعية بين عالمين، يجمعهما همّ واحد: مقاومة تزييف الوعي وكسر احتكار الحقيقة.

قلت في سري إن الوعي يظل حياً، يمشي في الأزقة، يكتب على الجدران، ويصغي في الوقت نفسه إلى صدى السينما حين تتحول الشاشة إلى مرآةٍ للروح. شهد العرض الأول إقبالاً هائلاً من الشباب، حتى ضاقت القاعة بهم، واضطر البعض إلى اللجوء للسوق السوداء للحصول على تذاكر. وبمصادفة لافتة، تمكنت مجموعة من الطلبة من دخول الصالة والجلوس في لوج خاص، لتبدأ تجربة مشاهدة استثنائية، امتزج فيها الوعي الشخصي بالتجربة الجماعية.

داخل الفيلم، يتحول اغتيال نائب معارض إلى لحظة كاشفة، حيث يكتب أنصاره حرف Z في الشوارع، في إشارة إلى أن الفكرة لا تموت، وأن الحقيقة لا يمكن دفنها بالقمع. أصبح هذا الرمز تعبيراً عن استمرار المقاومة، وعن فشل السلطة في قتل المعنى حتى وإن قتلت صاحبه، في تحدٍ مباشر للرواية الرسمية. في هذا السياق، تحاول السلطة فرض سردية مفادها “انتهى كل شيء”، بينما يأتي Z ليؤكد أن “الحقيقة ما زالت حية”. وهنا يتجسد الصراع مع الهيمنة الثقافية: صراع بين خطاب يسعى إلى الإغلاق، وآخر يفتح أفق الوعي.

يكشف الفيلم كيف تعمل السلطة على إخفاء الحقيقة وإعادة إنتاجها، مستخدمة الإعلام والقضاء والأجهزة الأمنية لفرض واقع مصطنع. وهو بذلك يوضح أن السيطرة لا تقوم على القمع فقط، بل على التحكم في وعي الناس، بحيث يبدو الزيف حقيقة مقبولة. يؤدي الإعلام دوراً محورياً في تكريس هذه “الحقيقة المصنوعة”، بينما تُدفع المؤسسات الأخرى للانخراط في الخطاب ذاته. ورغم محاولات كشف الحقيقة، فإنها تصطدم ببنية متكاملة من النفوذ تعمل على إسكاتها.

من صفوة الكلام، يبين فيلم Z أن الاستبداد لا يُفرض بالقوة وحدها، بل يُبنى عبر إنتاج القبول في عقول الناس، وهو ما يُعرف بالهيمنة الثقافية السالبة، التي تجعل من القمع أمراً طبيعياً ومقبولاً. إن مقاومة هذه الهيمنة تتطلب كسر الخطاب السائد، وبناء وعي نقدي وثقافة مضادة قادرة على استعادة الحقيقة. لقد شكّل الفيلم لحظة وعي مبكر للشباب، امتدت آثارها عبر عقود من الصراع، حيث دفعت أثماناً باهظة من القمع والتضحيات. ومع ذلك، بقي الدرس الأعمق حاضراً: أن الفكرة لا تموت، وأن الوعي يظل حياً، حتى في أقسى عصور الاستبداد والدكتاتورية التي مرت بها بلادنا. فالفكرة لا تموت، إنها تسكن في الشقوق الضيقة للذاكرة، وظلت طوال عقود طويلة تضيء كجمرةٍ تحت رماد القمع. فالحقيقة لا تُدفن، حتى لو غطّاها الركام، فهي تنهض من بين الكلمات الممنوعة، وتتنفس في وجوه الشباب الذين يصرّون على الحلم.

ذات صلة

المسؤولية الكبرى للقائد في توحيد الأمةالحرب على ايران.. تقييم النتائج والتصورات المستقبليةكظم الغيظ في زمن الفتن: قراءة أخلاقية روائية في ضوء التحديات المعاصرةالهدنة الأميركية-الإيرانية الهشة.. خطوة للوراء والابتعاد عن حافة الهاويةالقرآن الكريم وبنية الصراع الكوني: قراءةٌ سرديَّة في قصة سجود الملائكة لآدم