من يخلق المعنى النص أم القارئ؟

أحمد الشطري

2026-01-15 03:30

كثيراً ما أجد نفسي، كلما دخلت في قراءة جديدة، أمام سيل من الأسئلة التي تندفع من تحت جلود الكلمات. بعضها ينهض من اللحظة نفسها، وبعضها الآخر يتكئ على خبرة سابقة، أو على تلك الذاكرة القرائية التي تراكمت عبر الاحتكاك الطويل بالنصوص، استنطاقاً ومكاشفة وتوليداً للمعنى. وليس كل ما نقرأه قادر على إخصاب تربة الأسئلة، مهما كانت قيمته الفكرية أو الأدبية.

فثمة نصوصٌ مُحكمة وثريّة تمرّ بنا مروراً هادئاً لا تُخلف وراءها سؤالاً واحداً في الذهن، بينما يأتي نص آخر، قد لا يكون بنفس الامتلاء المعرفي، لكنّه يمتلك تلك اللمسة الخفية التي تُشبه رشة ماءٍ على بذرةٍ يابسة، فتبدأ الأسئلة فجأة تدفع قشرتها نحو الضوء، كأنها تستعدّ لولادة جديدة لم تكن متوقعة.

في أحد مباحث كتابي إيقاع الصورة الشعرية، كنت قد وقفت عند تعليق ابن قتيبة على الأبيات المشهورة والتي اختلف في نسبتها بين كثير عزة وابن الطثرية، (فلما قضينا من منى كل حاجة.. ومسح بالأركان من هو ماسح.. إلى قوله: وسالت بأعناق المطي الأباطح) وكان رأي ابن قتيبة فيها: أنها أبيات جميلة اللفظ خالية من المعنى، وهو رأيٌ يعاكس ما ذهب إليه الجرجاني الذي رأى فيها جمال السبك وعمق الدلالة. يومها كتبتُ- مستدلاً بها كمثال على مشكلة البحث- أن في تلك الأبيات ما يخلق في النفس دهشة خفية، هي جزء من إيقاع الصورة لا من بنية المعنى الظاهر.

هذه المفارقة بين القراءتين عادت إلى ذهني حين مررتُ بمقال ثري ومحفز نشره الدكتور حاتم الصكر في القدس العربي، تحت عنوان "في إشكالية المعنى وتساؤلات القراءة". فوجدت أن بذرة الأسئلة المختبئة بدأت تصارع قشرتها لتعرج بنبتتها إلى مدارج الضوء، لتورقَ بسؤالها المهم: من يخلق المعنى: (النص أم المتلقي؟).

ولعل هذا السؤال يزداد تعقيداً حين نستدعي نظرية جمالية التلقي التي تعيد موضعة القارئ داخل العملية الجمالية. حيث يرى هانز روبرت ياوس أنه بدل النظر إلى العمل الأدبي ككيان مكتمل بذاته، أو كمجال لتموضع مقاصد المؤلف، بات النص يُقارب بوصفه كياناً مفتوحاً لا تكتمل دلالته إلا بفعل التلقي. وبهذا، أصبح القارئ، لا النص وحده، منتجاً للمعنى. وأن القيمة الجمالية لأي عمل لا تُحدَّد فقط من خلال خصائصه النصّية، بل من خلال كيفية استقباله ضمن "أفق التوقع" الذي يحمله القارئ عند قراءته للعمل.

غير أن هذا التلاقي لا يتحقق دون وجود متلازمتين أساسيتين: قدرة النص على منح المعنى، وقدرة القارئ على التقاطه. فلو غاب أحد الطرفين، لما ولد المعنى أصلًا. وكل معنى يتحقق بين الطرفين هو معنى جديد، لا يشترط أن يكون امتداداً للقراءات السابقة، وإن كانت نظرية التلقي تميل إلى رؤية علاقة تراكمية عبر الزمن. وهذا ما أكّد عليه روبرت هولب بقوله: "تتمثل الدلالة الجمالية الضمنية للنص في حقيقة أن أول استقبال من القارئ لعمل ما يشتمل على اختيار لقيمته الجمالية، مقارناً بالأعمال التي قرئت من قبل، والدلالة التاريخية الواضحة لهذا هي أن فهم القارئ الأول سيؤخذ به وسيُنمّى في سلسلة من عمليات التلقي من جيل إلى جيل، وبهذه الطريقة سوف تتقرر الأهمية التاريخية للعمل، ويتم إيضاح قيمته الجمالية." 

إن هذا القول يُفترض فيه إعادة تعريف الجمالية كفعل استجابة وتاريخ استقبال، لا كحكم معياري مجرد. فالقارئ الأول لا يقرأ في فراغ، بل يحمل معه ذاكرة قرائية، يُقارن النص الجديد بها، ويُنتج بذلك حكماً أوليّاً على قيمته، وهو حكم لا يلبث أن يدخل ضمن سلسلة تاريخية من التأويلات، تتعاقب عليها أجيال من القرّاء، كلٌّ يقرأ من زاوية زمنه وثقافته وأفقه الجمالي. 

ومن هنا، فإن القيمة الأدبية لأي نص لا تُكتشف دفعة واحدة، بل تتشكل تدريجياً عبر سيرورة من التلقي المتحوّل. ووفقا لذلك فإن العمل العظيم يصبح هنا ليس فقط ما (كُتب) جيداً، بل ما (قُرئ) بطرق متعددة، وأعاد إنتاج نفسه في الوعي الثقافي عبر الزمن.

وفي الوقت الذي تُؤسّس فيه جمالية التلقي لفكرة المعنى المتحول تاريخيّاً، تأتي النظرية الاحتمالية في الأدب (التي نؤسس لها) لتوسّع هذا التصور بإدخال مفهوم اللايقين التأويلي، بوصفه سمة بنيوية للنص الأدبي وشرطاً أساسيّاً لطاقته الإبداعية. 

فالنص، بحسب هذه النظرية، ليس حاوياً على معنى ثابت يُنتظر استخراجه، بل هو بنية مفتوحة على مجال احتمالي من التأويلات الممكنة، يُفعّله القارئ بحسب شبكة معارفه، ومرجعياته، ووعيه الجمالي والمعرفي. وبالمقارنة مع أفق التوقع عند ياوس، تقدّم النظرية الاحتمالية تصوراً أوسع يتمثل في (شبكة المرجعيات القرائية)، وهي تتغير لا فقط من جيل إلى جيل، بل حتى داخل الجيل الواحد، تبعاً لاختلاف التكوين الثقافي، والسياق التاريخي، والتموضع الإيديولوجي. 

وبالتالي، فإن كل قراءة تُنتج احتمالاً من احتمالات المعنى، دون أن تستنفد النص أو تحسم دلالته. وبهذا المعنى، فإن تاريخ التلقي نفسه يصبح (حقلاً احتماليّاً) يتكوّن فيه المعنى تدريجيّاً، في تراكم لا يقيني يُنتج قيمة النص، لا يُقرّرها مسبقًاً. 

إن الفارق الجوهري هنا يتمثل في أن جمالية التلقي تفترض وجود حدّ ما من الاستقرار التأويلي عبر الزمن، حتى وإن اعترفت بتغير الأفق الجمالي، بينما ترى النظرية الاحتمالية أن اللايقين وعدم الحسم هما السمة الجوهرية لتفاعل النص والقارئ، وأن هذا التفاعل لا يمكن أن يُختزل في خط زمني تصاعدي، بل في شبكة متشعبة من الإمكانات التأويلية المتعايشة والمتصادمة. 

ومن هنا، فإن القيمة الأدبية ليست حكماً تاريخيّاً ناجماً عن تراكم القراءات فقط، بل هي نتيجة توزيع احتمالي يتغيّر مع كل فعل تأويلي جديد، بحيث لا تستقر دلالة العمل أو مكانته إلا بوصفها "مؤقتة"، قابلة دوماً لإعادة التفاوض النقدي. وهكذا، تندمج جمالية التلقي مع الرؤية الاحتمالية في فهم النص الأدبي ككائن تأويلي متغير، متحوّل، وغير مكتمل، تُنتجه القراءة كما يُنتجها. 

إلا أن الفرق يكمن في أن نظرية التلقي تُعيد الاعتبار للقارئ في تحديد القيمة الجمالية عبر الزمن، بينما النظرية الاحتمالية تُجرّد النص من أي استقرار نهائي، لتضعه داخل فضاء مفتوح من الإمكانات التأويلية التي لا تستنفد. وبذلك تنزع النظرية الاحتمالية عن النص أي سلطة نهائية، سواء سلطة المؤلف أو سلطة القارئ الجماعي، لتجعله دائماً في حالة تفاوضية. 

وبالعودة إلى قراءتي ابن قتيبة والجرجاني فإن ما نراه هو أن التلقي لم يكن مبنيّاً على سلسلة تراكمية للتلقي، بل هو ينطلق من شبكة مرجعيات جعلت كلّاً منهما يذهب باتجاه يعاكس وجهة الآخر. وهو ما يدلل على أن النص هو بؤرة لاحتمالات متعددة قد تختلف وقد تتلاقى وقد تتلاقح. ولكن العلاقة في كل الحالات تبقى علاقة توازٍ بين المتلقي والنص في عملية إنتاج المعنى، كلاهما يغذي الآخر بمخزونه المعرفي.

ذات صلة

سيكولوجية الغفلة: لماذا تعجز الأجيال عن الاستقراء الأخلاقي لمن سبقها؟حين يتحوّل اللقب إلى مدرسة.. الكاظم يُجسِّد منهجًاالعودة الى اللهالامام الكاظم والحرب الناعمةموقف التمييز الاتحادية من النفط والغاز