الذكاء الاصطناعي سيعزز رأسمالية المراقبة

بروجيكت سنديكيت

2026-07-23 03:41

بقلم: كورتني سي. رادش

واشنطن العاصمة—لم تكن ميجان جارسيا تنوي أن تصبح واحدة من أبرز الشخصيات في الكفاح من أجل تنظيم الذكاء الاصطناعي. جارسيا محامية وأم لثلاثة أطفال، وهي من الآباء الذين ينتبهون إلى التفاصيل. عندما بلغ ابنها الأكبر سيويل عامه الرابع عشر، هَـجَرَ فريق كرة السلة، وانعزل في غرفته، واستغرق في صمت مُـحَيِّر. وبدلا من تجاهل هذه التغيرات، قيدت جارسيا وقت استخدامه للشاشات وحَرَمته من استخدام هاتفه كعقاب؛ لكن حتى ذلك لم يكن كافيا.

بينما كنت أشاهد جارسيا تروي هذه القصة من منصة في مجلس الشيوخ الأميركي في مايو/أيار، أذهلتني الدقة التي وصفت بها الأشهر التي سبقت وفاة سيويل انتحارا. من الواضح أنها استعادت الأحداث في ذهنها آلاف المرات، بحثا عن اللحظة التي ربما كان بإمكانها التدخل فيها في الوقت المناسب. عندما فتشت الشرطة هاتف ابنها بعد وفاته في عام 2024، لم تكن سمعت قط بتطبيق Character.AI، الذي أنشأه موظفون سابقون في شركة جوجل. وقد تبين أن سيويل كان يتواصل مع روبوت دردشة مصمم ليقلد شخصية دينيريس تارجاريان من مسلسل Game of Thrones. كانت "هي" التي قالت له: "عد إلى البيت في أسرع وقت ممكن، يا حبيبي". رَدّ سيويل عليها قائلا إنه سيجد طريقة للعودة إليها.

علمت جارسيا من خلال الدعوى القضائية لاحقا أن المنصة صُممت لطمس الحدود الفاصلة بين الإنسان والآلة، والانخراط في لعب أدوار جنسية، وتقديم نفسها كشريك رومانسي بل وحتى كـمُعالِـجة نفسية. عندما أفضى سيويل بأفكاره الانتحارية، لم يصدر روبوت الدردشة أي تحذير، ولم يُخطِر أحدا، ولم يبادر إلى إحالته إلى أي جهة.

في شهادتها أمام اللجنة القضائية بمجلس الشيوخ العام الماضي، قالت جارسيا إن ابنها قضى أشهره الأخيرة "خاضعا للاستغلال والتحضير الجنسي من قبل روبوتات الدردشة، التي صممتها شركة متخصصة في الذكاء الاصطناعي لتبدو بشرية، لاكتساب ثقته، والإبقاء عليه هو وغيره من الأطفال منشغلين ومتفاعلين إلى ما لا نهاية". وعندما أقامت أول دعوى قضائية على الإطلاق ضد شركة متخصصة في الذكاء الاصطناعي بتهمة التسبب في الوفاة عن طريق الإهمال، حولت يأسها إلى دافع وانضمت إلى عدد متزايد من الآباء وصُنّاع السياسات الذين يطالبون بالمساءلة.

في وقت سابق من هذا الشهر، أعلنت شركة Meta أنها تعمل على توسيع نطاق ضوابط المحتوى المخصصة للمراهقين على Instagram وFacebook في مختلف أنحاء العالم، بعد أن اعترفت أخيرا بأن الأضرار التي تلحق بالأطفال "قد تؤثر بشكل كبير على أعمالنا ونتائجنا المالية". يأتي هذا الإعلان في أعقاب قرار توصلت إليه هيئة محلفين في كاليفورنيا بأن منتجات Meta مُصَمَّمة على نحو يجعلها تسبب الإدمان بين الـقُصَّر (فضلا عن حكم هيئة محلفين في نيو مكسيكو، حيث ثبت أن الشركة "أخفت ما كانت تعرفه عن استغلال الأطفال جنسيا على منصاتها"). في الوقت ذاته، يتعين على صُنّاع السياسات التعامل مع أحدث خطوة ضارة من جانب شركات التكنولوجيا الكبرى: إدخال إعلانات المراقبة والتجسس ضمن روبوتات الدردشة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تتخلل حياتنا الرقمية على نحو متزايد.

كُل من أحداث الدراما التنظيمية الجارية هذه تشكل تعبيرا عن الفشل الأساسي ذاته. فقد وقف صُـنّاع السياسات مكتوفي الأيدي وسمحوا بإنشاء نماذج أعمال قائمة على الاستغلال التجاري لبيانات المستخدمين الشخصية، والتي تكافئ التلاعب الاجتماعي والنفسي. ويظل فراغ قانوني هائل قائما حيث تغيب ببساطة أطر الحماية الأساسية مثل الواجبات الائتمانية، ومعايير المسؤولية، وشروط الشفافية القابلة للإنفاذ، وضمانات الخصوصية.

في غياب التنظيم اللازم لتفكيك نماذج الأعمال المدمرة القائمة على المراقبة، أدى تحرك عالمي يهدف إلى تقييد وصول الـقُصَّر إلى وسائل التواصل الاجتماعي إلى إطلاق واحدة من أسرع الموجات التشريعية حركة في الذاكرة الحديثة. تدرس 40 دولة على الأقل استنان تشريعات تفرض حدودا عمرية في الاستجابة لفشل شركات التكنولوجيا في إصلاح منصات التواصل الاجتماعي التي تنشرها. على الرغم من تباين الأعمار المستهدفة، فإن التشخيص واحد: فقد أثبتت المنصات المصممة مثاليا للمراقبة أنها ألحقت ضررا واضحا بصحة المراهقين النفسية. لم تفشل التدابير الطوعية من جانب الشركات في منع هذه الأضرار فحسب، بل يبدو في كثير من الحالات أن الشركات كانت على دراية تامة بها عند اتخاذ القرارات بشأن التصميم والنشر.

من ناحية أخرى، بدأت المحاكم أخيرا في إثبات مسؤولية المنصات عن الأضرار التي تُـحدِثها، بما يعني أنها لم تعد قادرة على الاختباء وراء الإعفاءات من المسؤولية الاستثنائية أو استخدام التعديل الأول للدستور الأميركي كسلاح لتجنب المسؤولية. أجبرت محاكمة تاريخية بشأن سلامة الأطفال في كاليفورنيا مؤخرا مارك زوكربيرج، الرئيس التنفيذي لشركة Meta، على الاعتراف بأن خبراء الشركة اتفقوا بالإجماع على أن Instagram يجب أن تحظر مرشحات التجميل التي تؤدي إلى اضطرابات الأكل بين المستخدمين الشباب. لكن الشركة لم تفعل، لأن القيام بذلك كان من شأنه أن يحد من النمو، وبالتالي من الأرباح.

كشفت الوثائق أيضا أن Instagram كانت تتعقب سلوك ما يقدر بنحو أربعة ملايين طفل دون سن 13 عاما. ولم تمنع أي من هذه العلامات التحذيرية زوكربيرج من استهداف زيادة بنسبة 12% في الوقت اليومي الذي يقضيه المستخدمون على المنصة.

ويزداد الأمر سوءا بالنسبة لشركة Meta، لأنها لا تستطيع تحميل تكاليف هذه الدعاوى القضائية على شركات التأمين التابعة لها. فقد قضت محكمة أخرى بأن شركات التأمين ليست ملزمة بالدفاع عن Meta في آلاف الدعاوى القضائية التي تدّعي وقوع ضرر نتيجة لأفعال الشركة المتعمدة والمقصودة.

ولكن على الرغم من ردة الفعل العكسية، تواصل شركات ومنصات الذكاء الاصطناعي تقديم الإعلانات القائمة على الذكاء الاصطناعي. هذا العام، بدأت شركة OpenAI في اختبار الإعلانات على ChatGPT، روبوت الدردشة الذي يأتمنه أكثر من 800 مليون مستخدم أسبوعيا على مخاوفهم الطبية، وأزماتهم العاطفية، وشكوكهم المهنية، الأمر الذي تسبب في توليد ما أسمته الباحثة السابقة في شركة OpenAI، زوي هيتزيج، "أرشيف من الصراحة البشرية لا مثيل له".

تشير هيتزيج، التي استقالت في يوم إطلاق اختبار الإعلانات، إلى أن الإعلانات ستُضاهى مع موضوعات المحادثات وسجلات الدردشة السابقة، بما يخلق "إمكانية التلاعب بالمستخدمين بطرق لا نملك الأدوات اللازمة لفهمها، ناهيك عن منعها". الواقع أن تحذيرها يعكس القلق بشأن الافتقار إلى ضوابط توجيهية تنظم عملية تحقيق الأرباح من الذكاء الاصطناعي الشركاتي. تعرض شركة Google بالفعل إعلانات في عمليات البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وهي لم تستبعد عرض إعلانات على روبوت الدردشة Gemini.

لقد بَنَت وسائل التواصل الاجتماعي نموذج أعمالها على استخراج البيانات الشخصية من خلال مراقبة السلوك، وتوجيه الرسائل التجارية في لحظات التأثير النفسي الأقصى، واستنتاج الحالات العاطفية من النقرات حتى تتمكن من بيع إعلانات موجهة. سوف يعمل الذكاء الاصطناعي على ترسيخ هذا النموذج وتعزيزه بدرجة كبيرة. فبينما كانت وسائل التواصل الاجتماعي تستنبط حياتك الداخلية من سلوكك، يتلقى الذكاء الاصطناعي هذه المعلومات مباشرة بكلماتك الخاصة وبشكل لحظي.

أمضت صناعة وسائل التواصل الاجتماعي عقدا من الزمن في جعل ممارساتها الضارة محصنة قانونيا وسياسيا. والآن يُطالِب الأطفال والآباء وأحباء أولئك المتضررين بالمساءلة. السؤال هو ما إذا كان صُـنّاع السياسات ليستجيبوا قبل أن تحاكي صناعة الذكاء الاصطناعي النموذج ذاته؟

* كورتني سي. رادش، مديرة مركز الإعلام والحوكمة الرقمية في معهد الأسواق المفتوحة والزميلة الأقدم غير المقيمة في معهد بروكينغز، هي مؤلفة كتاب "النشاط السيبراني والصحافة المواطنة في مصر: المعارضة الرقمية والتغيير السياسي"

https://www.project-syndicate.org

ذات صلة

الحضور الإنساني في حروب المسلمينالتحديات السياسية أمام حكومة الزيدي في العراقثقافة التخطيط في المواكب الحسينية.. سبيل إلى خدمة أكثر كفاءة وانتظامًاالعراق وأميركا: منطق الدولة ومنطق المحاورانحراف النخب وابتلاء الأمم: لماذا تبقى ثورة الحسين (ع) مشروعاً دائماً لإحياء الأمة؟