كيف استولت المقاطع القصيرة على الإنترنت؟
شبكة النبأ
2026-04-26 02:32
لم نعد، في كثير من الأحيان، نشاهد البرنامج أو نستمع إلى الحلقة أو نقرأ المادة الأصلية كاملة. ما نشاهده فعلياً هو “المقطع”: دقيقة واحدة من حوار طويل، لقطة سريعة من بث مباشر، لحظة مثيرة من بودكاست، مشهد مقتطع من برنامج تلفزيوني، أو جملة حادة أعيد تحريرها ونشرها عشرات المرات على تيك توك وإنستغرام ويوتيوب شورتس ومنصة إكس وفيسبوك.
هذا التحول لم يعد مجرد ظاهرة جانبية في عالم الإعلام الرقمي، بل أصبح بنية كاملة يمكن تسميتها بـ“اقتصاد المقاطع”. فالمقاطع القصيرة لم تعد تؤدي فقط وظيفة الإعلان أو الترويج للمحتوى الطويل، بل تحولت في حد ذاتها إلى وحدة الاستهلاك الأساسية على الإنترنت. لم تعد الغاية بالضرورة أن يقودك المقطع إلى الحلقة الكاملة، أو إلى البرنامج الأصلي، أو إلى المقال الطويل. في حالات كثيرة، صار المقطع هو المحتوى النهائي الذي يكتفي به الجمهور.
في إحدى حلقات برنامج *Galaxy Brain* الي تبثه صحيفة ذا اتلانتيك، يناقش الصحفي تشارلي وورزل مع الكاتب المتخصص في الأعمال والإعلام إد إلسون هذه الظاهرة المتصاعدة. يطرح الحوار سؤالاً مركزياً: ماذا يعني أن تصبح المقاطع القصيرة، لا الأعمال الكاملة، هي الشكل المهيمن للمشاهدة والتأثير والشهرة والربح؟ وما أثر ذلك في الإعلام التقليدي، وصناع المحتوى، والجمهور، وقدرتنا الجماعية على الانتباه والتفكير العميق؟
المقاطع القصيرة كوحدة ذرية للمحتوى
إذا فتح المستخدم اليوم تطبيق إنستغرام أو تيك توك أو يوتيوب شورتس، فالغالب أنه سيجد نفسه أمام سلسلة لا تنتهي من المقاطع. بعضها مأخوذ من بودكاست، وبعضها من مقابلة، وبعضها من بث مباشر، وبعضها من حدث رياضي أو مشهد موسيقي أو تعليق سياسي. والأهم من ذلك أن كثيراً من هذه المقاطع لا يأتي من حسابات يتابعها المستخدم أصلاً، بل من توصيات خوارزمية تقرر نيابة عنه ما يستحق الظهور أمامه.
هنا تكمن نقطة التحول. فالمحتوى القصير ليس جديداً؛ عرف الإنترنت منذ سنوات طويلة النكتة المصورة، والفيديو السريع، والميم، واللقطات الساخرة. الجديد هو هيمنة “المقطع” بوصفه جزءاً مقتطعاً من عمل أطول. المقطع يوحي دائماً بوجود أصل أكبر: حلقة، بث، مقابلة، برنامج، أو عرض. ومن الناحية النظرية، يفترض أن يكون المقطع إعلاناً صغيراً أو مدخلاً إلى ذلك الأصل. لكن الواقع يشير إلى أن كثيرين لا ينتقلون إلى الأصل مطلقاً. يشاهدون اللقطة، يتفاعلون معها، يرسلونها، يعلقون عليها، ثم ينتقلون إلى لقطة أخرى.
بهذا المعنى، أصبحت المقاطع أشبه بـ“الذرة” التي يتكون منها عالم المحتوى الرقمي. لم تعد التغريدة أو المنشور المكتوب أو الصورة الثابتة هي الوحدة الأكثر حضوراً في التدفق اليومي للمعلومات، بل الفيديو القصير المقتطع والمصمم بعناية لكي يلتقط الانتباه في ثوان قليلة.
من الترويج إلى الاقتصاد المستقل
كان صناع المحتوى ينظرون إلى المقاطع في البداية بوصفها أدوات ترويجية. يسجلون حلقة بودكاست مدتها ساعة، ثم يقتطعون منها دقيقة مثيرة لنشرها على المنصات الاجتماعية، على أمل أن ينجذب الجمهور إلى الحلقة الكاملة. غير أن إلسون يوضح أن التجربة العملية أظهرت شيئاً مختلفاً. فهناك أشخاص كثيرون يتعرفون إلى صانع المحتوى من خلال المقاطع فقط، ويظلون متابعين للمقاطع من دون أن يستمعوا إلى البودكاست أو يشاهدوا البث الكامل.
يروي إلسون أن أشخاصاً كانوا يوقفونه في الشارع ويقولون له إنهم من معجبيه. وعندما يسألهم إن كانوا يستمعون إلى البودكاست الذي يقدمه، يجيبون بالنفي، ثم يضيفون: “نحن نشاهد مقاطعك”. هذه اللحظة كانت كاشفة بالنسبة إليه. فقد أدرك أن المقاطع ليست مجرد إعلان عن العمل، بل هي العمل نفسه بالنسبة إلى شريحة كبيرة من الجمهور.
هذه الفكرة تغير طريقة التفكير في صناعة الإعلام. فإذا كان الجمهور لا يصل إلى المحتوى الطويل إلا نادراً، وإذا كان يتعرف إلى الأفكار والشخصيات من خلال اللقطات القصيرة، فلا يجوز التعامل مع المقاطع كمنتج ثانوي أو هامشي. بل ينبغي التعامل معها باعتبارها محتوى أصلياً قائماً بذاته، يحتاج إلى تخطيط وإخراج وإيقاع وتوزيع.
لعبة الحجم: كلما زادت المقاطع زادت فرص الاختراق
يصف إلسون اقتصاد المقاطع بأنه “لعبة حجم”. فالمسألة لا تتعلق دائماً بإنتاج مقطع واحد ممتاز، بل بإنتاج عدد كبير من المقاطع بتعديلات مختلفة، واختبار ما يمكن أن ينجح منها أمام الخوارزميات. لذلك نشأت شبكات من “المقتطعين” أو “الكليبرز”، وهم أشخاص أو فرق متخصصة في مشاهدة البثوث الطويلة أو الحلقات الكاملة، ثم استخراج اللحظات الأكثر إثارة أو جدلاً أو قابلية للانتشار.
في بعض الحالات، يجتمع هؤلاء في خوادم ديسكورد، ينتظرون فرصاً لقص المقاطع ونشرها بسرعة. يعملون بمنطق التجريب الكثيف: عناوين مختلفة، لقطات مختلفة، زوايا تحرير مختلفة، نصوص مكتوبة على الشاشة، موسيقى، مؤثرات، وإعادة نشر على أكثر من منصة. الهدف ليس فقط صناعة مقطع جيد، بل إغراق المنصات بعدد هائل من المحاولات حتى تلتقط الخوارزمية إحداها وتدفعها إلى الانتشار.
وقد أظهرت إحصاءات من منصة البث المباشر Kick حجم هذه الصناعة. ففي فترة شهر واحد فقط، أنتج 1,737 مقتطعاً أكثر من 309 آلاف فيديو. وذُكر أن أحد صناع البث المعروفين باسم Clavicular، وهو شخصية جدلية اشتهرت بمحتوى صادم مرتبط بما يسمى “تحسين المظهر” أو looksmaxxing، نُشر له أكثر من 69 ألف مقطع خلال شهر واحد، وحققت هذه المقاطع أكثر من 2.2 مليار مشاهدة. هذه الأرقام لا تعكس مجرد نشاط ترويجي، بل تعكس صناعة كاملة لها عمالها وآلياتها وحوافزها الاقتصادية.
أندرو تيت وبدايات “جيوش المقاطع”
يعد إلسون أن أندرو تيت كان من أوائل من حولوا المقاطع إلى نموذج أعمال منظم. ففي عام 2021، أنشأ مجتمعاً رقمياً باسم “جامعة الهسلرز” أو Hustlers University، مقدماً إياه كطريق للخروج مما يسميه “المصفوفة”. لكن الجانب المهم في هذا النموذج كان اعتماده على أعضاء المجتمع أنفسهم لنشر مقاطع تيت في كل مكان.
كان الأعضاء يشاهدون بثوثه ومقاطعه، ثم يقتطعون منها لحظات مثيرة للجدل، وينشئون حسابات على المنصات الاجتماعية مرتبطة باسمه أو برسالته، وينشرون تلك المقاطع مرفقة بروابط إحالة تقود إلى الاشتراك في مجتمعه المدفوع. وكلما جلبوا مشتركين، حصلوا على عمولات. هكذا نشأ جيش من الحسابات لا يعمل من حساب تيت الرسمي فقط، بل من مئات وربما آلاف الحسابات غير المباشرة.
حتى عندما حظرت بعض المنصات أندرو تيت بسبب تصريحاته العنصرية والعدائية للنساء وسلوكياته المثيرة للجدل، استمرت مقاطعه في الظهور عبر حسابات أخرى. وهذا يكشف سمة أساسية في اقتصاد المقاطع: الحظر الرسمي لشخصية ما لا يعني بالضرورة اختفاء حضورها؛ فقد يستمر حضورها من خلال جمهور أو شبكة مقتطعين يعيدون نشر محتواها باستمرار.
الأمر نفسه ينطبق على شخصيات أخرى محظورة من بعض المنصات، مثل نيك فوينتس. قد يكون الحساب الأصلي ممنوعاً، لكن المقاطع تظهر في حسابات بديلة، وتصل إلى جمهور لم يكن سيبحث عنه مباشرة. وبذلك تصبح المقاطع وسيلة للالتفاف على الحظر، ولإبقاء الشخصيات المثيرة للجدل حاضرة في الفضاء العام الرقمي.
من هو “المشهور” في زمن المقاطع؟
تطرح هذه الظاهرة سؤالاً جوهرياً: ما معنى الشهرة الآن؟ إذا كان صانع بث مباشر لا يجذب سوى عشرات الآلاف من المشاهدين المتزامنين، لكنه يحقق مئات الملايين أو مليارات المشاهدات من المقاطع، فهل هو مشهور؟ وهل تقاس شعبيته بعدد متابعيه المباشرين أم بعدد مرات ظهوره أمام أعين المستخدمين في الخلاصات الاجتماعية؟
يرى إلسون أن “المشاهدة مشاهدة”، و“الانطباع انطباع”، و“الدولار دولار”. بمعنى أن الاقتصاد الإعلاني لا يهتم كثيراً بما إذا كان الشخص قد شاهد العمل الكامل أو مقطعاً منه. المهم أنه تعرّض للمحتوى، وأن رقماً ما ظهر على شاشة التحليلات. فإذا كانت شركة تبيع إعلانات بناءً على عدد مستمعي البودكاست، فلماذا لا تبيع إعلانات بناءً على عدد مشاهدي المقاطع؟
هذه الرؤية تصطدم بالفهم التقليدي للنجاح الإعلامي. سابقاً، كان البرنامج الناجح هو الذي يملك جمهوراً وفياً يشاهده بانتظام. أما اليوم، فقد يكون “النجاح” أن تظهر لحظات من البرنامج أمام ملايين لا يعرفون اسم البرنامج أصلاً. وقد يعرف الجمهور المذيع أو الضيف أو الفكرة من خلال مقطع عابر، لا من خلال علاقة مستمرة مع العمل الكامل.
أثر الخوارزميات: الشهرة كحادث قابل للتصنيع
في اقتصاد المقاطع، تصبح الخوارزمية قوة مركزية. فهي التي تقرر أي مقطع ينتشر، وأي فكرة تتحول إلى موضوع حديث، وأي شخص يظهر فجأة أمام الملايين. قد تكون الجودة عاملاً، لكنها ليست العامل الوحيد. أحياناً يكفي أن يحتوي المقطع على لحظة صادمة، أو جملة حادة، أو تعبير وجه، أو عنوان مستفز، أو توقيت مناسب، لكي تدفعه الخوارزمية إلى الانتشار.
يناقش وورزل وإلسون مثال شركات تسويق موسيقية تنشئ شبكات من الحسابات لدفع أغنية أو فرقة موسيقية إلى الظهور في الخوارزميات. لا يتعلق الأمر فقط بما إذا كانت الفرقة جيدة أو سيئة، بل بقدرتها على الظهور المتكرر إلى حد يوحي بأن “الجميع يتحدث عنها”. وعندما ترى الخوارزمية تفاعلاً متزايداً، فإنها تضاعف الانتشار، فيتحول الانتباه المصطنع أو المدفوع إلى انتباه حقيقي.
هذا لا يقتصر على الإعلام أو الموسيقى. يذكر إلسون مثال مقهى عادي في حي وليامزبرغ بنيويورك، فوجئ بصف طويل يلتف حول المبنى بعد أن انتشر على تيك توك. قد لا يكون القهوة استثنائية، ولا المكان مختلفاً جذرياً، لكن لحظة خوارزمية واحدة قد تقلب مصير مشروع تجاري. هكذا يصبح الانتشار الرقمي قوة اقتصادية تمس المطاعم والمقاهي والمتاجر والفنانين والسياسيين والإعلاميين.
مأزق الإعلام التقليدي
يرى إلسون أن مؤسسات الإعلام التقليدية تواجه تحدياً كبيراً. فهي تنتج محتوى جيداً، ولديها صحفيون ومحررون وكتاب ومخرجون على مستوى عالٍ، لكنها غالباً لا تحسن إعادة تغليف هذا المحتوى بما يناسب منصات المقاطع. قد تنتج المجلات والصحف والقنوات التلفزيونية تحقيقات عميقة وبرامج ممتازة، لكنها لا تصل إلى الجمهور الشاب إذا بقيت محصورة في صيغ طويلة أو منصات تقليدية.
من وجهة نظره، تجلس شركات مثل ديزني وكومكاست ووارنر براذرز ديسكفري على “منجم مقاطع” هائل. لديها عقود من البرامج والأفلام والمسلسلات والمقابلات والمواد الأرشيفية. لكنها لم تستثمر بالقدر الكافي في تحويل هذه المواد إلى مقاطع تنافسية على تيك توك وإنستغرام ويوتيوب شورتس. في المقابل، أتقن صناع المحتوى الجدد، خصوصاً المثيرون للجدل، هذه اللعبة، وملؤوا الفراغ.
هنا يطرح إلسون حجة عملية، وإن كانت تحمل قدراً من التشاؤم: إذا لم تدخل المؤسسات الإعلامية الجادة إلى هذه المنصات بقوة، فسيملأ الفراغ آخرون؛ متطرفون، دعاة كراهية، مؤثرون سطحيون، أو شخصيات صادمة تبني جمهورها على الإثارة. لذلك، يرى أن على الإعلاميين الذين يهتمون بأفكارهم أن ينافسوا في المكان الذي يوجد فيه الجمهور فعلاً، لا في المكان الذي يتمنون أن يكون الجمهور فيه.
القراءة والانتباه في مواجهة التمرير
من أخطر ما يطرحه الحوار أن اقتصاد المقاطع لا يتعلق فقط بتغير السوق الإعلامي، بل بتغير عادات الانتباه نفسها. فالمقاطع القصيرة تشجع نمطاً من الاستهلاك السهل، السريع، منخفض الجهد. لا يحتاج المشاهد إلى التزام طويل، ولا إلى تركيز عميق، ولا إلى متابعة حجة ممتدة. يكفي أن يمرر إصبعه من مقطع إلى آخر، مانحاً الخوارزمية إشارات مستمرة عما يحب وما يكره.
هذا النمط يختلف جذرياً عن القراءة أو الاستماع الطويل أو مشاهدة عمل كامل. القراءة تتطلب صبراً وتركيباً ذهنياً وقدرة على متابعة الفكرة. أما المقاطع فتقدم “أفضل اللحظات” من كل شيء، منزوعة غالباً من سياقها. هي ممتعة وسهلة ومغرية، لكنها قد تعيد تشكيل الذهن على طلب التحفيز المستمر والنفور من البطء.
يذهب إلسون إلى أن الوضع يتجه إلى مكان سيئ للغاية، مستشهداً بتراجع معدلات القراءة والانتباه، وارتفاع القلق والاكتئاب والشعور بالوحدة لدى الشباب في عصر الهواتف الذكية. ويربط بين تزايد الوقت أمام الشاشة وتدهور العلاقات الاجتماعية المباشرة. ويشير إلى أن نسبة معتبرة من أبناء الجيل زد يقولون إنهم لا يملكون أصدقاء مقربين، في مقارنة صادمة مع عقود سابقة كانت فيها هذه النسبة أقل بكثير.
قد لا يكون من الدقيق اختزال كل الأزمات النفسية والاجتماعية في الهاتف أو المقاطع، لكن من الصعب إنكار أن بيئة الاستهلاك الرقمي السريع غيرت طريقة عيشنا وانتباهنا وتواصلنا. فنحن لا نشاهد فقط، بل نتدرب يومياً على نمط من الإدراك يقوم على القفز والتشتيت والبحث المستمر عن المثير التالي.
هل يمكن أن يحدث رد فعل اجتماعي؟
يسأل وورزل عما إذا كان المجتمع قد يصل إلى مرحلة تمرد ثقافي على الهاتف، بحيث يصبح الانغماس الدائم في الشاشة سلوكاً منفراً أو “غير جذاب” اجتماعياً. هل يمكن أن يستيقظ الناس على فكرة أن الحياة أثمن من أن تقضى في تمرير لا نهائي عبر شاشة سوداء؟
يجيب إلسون بتشبيه قوي: الأمر يشبه سؤالنا لماذا لا يستيقظ مدمن الكوكايين فجأة ويقرر أن الكوكايين سيئ له. قد يحدث ذلك لبعض الناس، لكن التخلص من الإدمان ليس قراراً بسيطاً، بل عملية مؤلمة ومقصودة تحتاج إلى وعي وموارد ودعم. ومن وجهة نظره، ينبغي التعامل مع إدمان الهاتف بالجدية نفسها التي نتعامل بها مع إدمان المواد المخدرة أو الكحول، لأن الضرر لم يعد رمزياً أو هامشياً، بل يمس الصحة النفسية والعلاقات والتعليم والانتباه.
في هذا السياق، يرى أن الحل لا ينبغي أن يلقى كله على عاتق صناع المحتوى. فالمشكلة أكبر من قرار فردي بإنتاج محتوى “أفضل”. إنها مشكلة تنظيمية واجتماعية. لذلك يذكر نماذج دول بدأت تفكر في تقييد استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي، مثل أستراليا ودول أوروبية. والفكرة الأساسية هي أن المجتمع يحتاج إلى تدخل جماعي، لا إلى نصائح فردية فقط.
الوجه الآخر: هل تموت الأعمال الطويلة؟
رغم سوداوية الصورة، يضيف وورزل في ختام الحلقة ملاحظة مهمة: اقتصاد المقاطع قد يكون مهيمناً، لكنه لا يلغي الحاجة إلى العمق. فالبودكاستات الطويلة والبثوث الممتدة لم تنجح فقط بسبب المقاطع، بل لأنها تتيح للجمهور الانغماس في عالم صانع المحتوى وبناء علاقة شبه شخصية معه. حتى إذا كان جزء صغير فقط من مشاهدي المقاطع ينتقل إلى العمل الكامل، فقد يكون هذا الجزء شديد الولاء، ومستعداً للدفع أو المتابعة المستمرة.
بعبارة أخرى، قد تكون المقاطع بوابة لا يمر منها الجميع، لكنها لا تزال قادرة على تكوين جمهور عميق لدى بعض الناس. كما أن الاستهلاك السريع نفسه قد يولد شعوراً بالفراغ. فبعد ساعات من التمرير، يشعر كثيرون بأنهم لم يحصلوا على تجربة حقيقية، بل على سلسلة من التنبيهات الذهنية العابرة. عندها قد تنشأ رغبة مضادة في البطء، والقراءة، والاستماع الطويل، والتجارب التي تتطلب جهداً.
هناك أيضاً مشكلة الثقة. عندما يشعر الناس بأنهم تعرضوا لحملة مصطنعة، أو أن إعجابهم بشيء ما لم يكن اختيارهم الحر بل نتيجة دفع خوارزمي وتسويق خفي، فإنهم يغضبون. وكما يحدث في حملات الموسيقى أو المؤثرين، قد ينقلب الجمهور على المحتوى إذا شعر أنه خُدع. وهذا يعني أن اقتصاد المقاطع، رغم قوته، قد يواجه حدوداً أخلاقية ونفسية.
الخلاصة: بين الضرورة والخطر
تكشف ظاهرة المقاطع القصيرة عن تحول عميق في بنية الإنترنت. لم تعد المنصات الاجتماعية مجرد أماكن لترويج الأعمال، بل أصبحت هي المكان الذي يعاد فيه تشكيل الأعمال نفسها. لم يعد النجاح يقاس فقط بعدد قراء المقال أو مشاهدي الحلقة، بل بعدد المقاطع التي تنتشر، وعدد المرات التي تظهر فيها لحظة معينة أمام جمهور لا يعرف السياق الكامل.
بالنسبة لصناع الإعلام، لا يمكن تجاهل هذه الحقيقة. من يريد الوصول إلى الجمهور، خصوصاً الشباب، لا يستطيع أن يكتفي بالأشكال التقليدية. عليه أن يفكر في التوزيع، والقص، والتحرير، والإيقاع، والمنصة، واللغة البصرية. لكن الاعتراف بالضرورة لا يعني تجاهل الخطر. فاقتصاد المقاطع قد يكافئ الإثارة على الدقة، والصدمة على العمق، والانتشار على المعنى. وقد يدفع المؤسسات والأفراد إلى إنتاج محتوى قابل للتقطيع أكثر من كونه جديراً بالفهم.
المعادلة الصعبة إذن هي: كيف نستخدم المقاطع من دون أن نصبح أسرى لها؟ كيف نوصل الأفكار الجادة إلى منصات سريعة من دون أن نفرغها من مضمونها؟ كيف ننافس الضجيج من دون أن نتحول إلى ضجيج آخر؟ وكيف نحافظ على قدرة الإنسان على القراءة والتأمل والصبر، في عالم يدفعه باستمرار إلى المشاهدة العابرة؟
ربما تكون المقاطع قد استولت على الإنترنت، لكنها لم تستولِ بعد على كل شيء. لا تزال هناك رغبة في العمق، وفي السياق، وفي العلاقات الفكرية الأطول. غير أن هذه الرغبة لن تنتصر تلقائياً. ستحتاج إلى وعي من الجمهور، ومسؤولية من صناع المحتوى، وتنظيم من المجتمعات، وشجاعة من المؤسسات الإعلامية كي تدخل المعركة الرقمية من دون أن تتخلى عن جوهرها.