هل تصنع الرقابة الشعبية الرقمية مسؤولاً أفضل؟
مصطفى ملا هذال
2026-03-12 05:50
في السنوات الأخيرة لم تعد الرقابة على أداء المسؤولين حكراً على المؤسسات الرسمية أو الهيئات الرقابية التقليدية، فقد تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى فضاء واسع يمارس فيه المواطنون نوعاً جديداً من الرقابة الشعبية، حيث يصبح الهاتف الذكي منصة توثيق، إذ يمكن أن يشعل منشور بسيط شرارة نقاش عام قد يصل صداه إلى أعلى مستويات القرار.
ومع الانتشار الكبير لتطبيقات مثل فيسبوك وإكس وتيك توك، باتت هذه المنصات أشبه بلجان غير رسمية لمراقبة الأداء الحكومي ومحاسبة المسؤولين المقصرين.
هذه الرقابة الرقمية تقوم على مبدأ بسيط وهو أن المواطن تحول من متلقٍ سلبي للخدمات العامة، إلى شريك ومراقب ومقيّم لها، ووفق هذه النتيجة فإن صورة لطريق متضرر، أو فيديو يوثق سوء إدارة في مؤسسة عامة، أو منشور يكشف حالة فساد أو إهمال، قد يتحول خلال ساعات إلى قضية رأي عام، وفي كثير من الأحيان تضطر الجهات الرسمية إلى الاستجابة أو إصدار توضيحات بعد أن تصبح القضية متداولة على نطاق واسع.
من هنا نشأت فكرة ما يمكن أن نسميها باللجان الشعبية الرقمية، وهي ليست لجاناً منظمة بالمعنى التقليدي، فعادة تتكون من مجموعات غير مرئية من المستخدمين الذين يتفاعلون مع القضايا العامة ويعيدون نشرها ويضغطون باتجاه المساءلة، وفي بعض الحالات نجحت هذه الرقابة في كشف إخفاقات إدارية أو تسليط الضوء على قضايا لم تكن لتحظى بالاهتمام لولا انتشارها في الفضاء الرقمي.
لكن السؤال الأهم يبقى: هل تمثل هذه الرقابة قوة حقيقية قادرة على إحداث تغيير فعلي، أم أنها تبقى محصورة في حدود العالم الافتراضي؟
من ناحية أولى لا يمكن التقليل من أثرها، فالتأثير المعنوي والضغط الجماهيري الذي تصنعه مواقع التواصل الاجتماعي أصبح عاملاً مهماً في معادلة الإدارة العامة، فالمسؤول اليوم يدرك أن أي قرار أو تقصير قد يتحول إلى مادة للنقاش والانتقاد في الفضاء الرقمي، ما يدفع بعض المؤسسات إلى التحرك السريع لتدارك الأخطاء أو تحسين صورتها أمام الرأي العام.
كما أن هذه الرقابة الرقمية أسهمت في رفع مستوى الوعي العام تجاه حقوق المواطنين وأهمية المساءلة، فبدل أن تبقى القضايا الإدارية حبيسة المكاتب المغلقة، أصبحت مواضيع مفتوحة للنقاش العام، يشارك فيها المختصون والناشطون والإعلاميون، ما يعزز ثقافة الشفافية ويشجع على المطالبة بالإصلاح.
ومع ذلك فإن لهذه الظاهرة حدوداً واضحة، فغياب التنظيم المؤسسي يجعل كثيراً من الحملات الرقمية قصيرة العمر، حيث تشتعل قضية ما لبضعة أيام ثم تختفي مع ظهور قضية أخرى، كما أن بعض النقاشات تتحول إلى جدل عاطفي أو اتهامات غير موثقة، ما يضعف من مصداقية الرقابة الشعبية ويجعلها عرضة للتشكيك.
إضافة إلى ذلك فإن التأثير الحقيقي لأي رقابة لا يكتمل إلا إذا تحولت من مجرد ضغط إعلامي إلى إجراءات قانونية أو إدارية، المساءلة الفعلية تحتاج إلى مؤسسات قادرة على التحقيق واتخاذ القرار، وهو ما لا توفره مواقع التواصل الاجتماعي بطبيعتها؛ لذلك تبقى الرقابة الرقمية عامل ضغط مهم، لكنها ليست بديلاً كاملاً عن الأنظمة الرقابية الرسمية.
بينما المعادلة الأكثر فاعلية تكمن في التكامل بين الطرفين، رقابة شعبية رقمية تسلط الضوء على المشكلات، ومؤسسات رسمية تمتلك القدرة على التحقيق والمعالجة، وعندما تتحول المعلومات التي يكشفها المواطنون إلى ملفات تُناقش داخل المؤسسات الرقابية والقضائية، يمكن عندها أن تنتقل الرقابة من الشاشة إلى الواقع.
من يظن أن الرقابة الشعبية على مواقع التواصل الاجتماعي مجرد ظاهرة عابرة، ربما عليه أن يُعيد حساباته، ذلك لما أصبحت عليه هذه المواقع في الوقت الحالي، إذ تمثل علاقة تقويمية عميقة بين المواطن والسلطة، لا سيما وأن العالم الرقمي منح الأفراد صوتاً عالياً وقدرة أكبر على التأثير، لكنه في الوقت نفسه يطرح تحدياً أساسياً حول إمكانية تحويل هذا الصوت من ضجيج رقمي مؤقت إلى قوة مستدامة تدعم الإصلاح الحقيقي؟
الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ما إذا كانت هذه “اللجان الرقمية” ستبقى مجرد موجات في فضاء الإنترنت، أم ستتحول يوماً إلى أحد أهم أدوات المساءلة في المجتمعات الحديثة.