تحوّل الهويَّة إلى معطى رقمي
أ. د. عبد الجبار الرفاعي
2026-02-01 05:40
تحدث إيلون ماسك على هامش مشاركته في منتدى دافوس 2026 فكشف عن أن البشرية تدخل أكثر مراحل تاريخها إثارة، مع تسارع تحول العالم بفعل الذكاء الاصطناعي والروبوتات، إذ يتوقع أن يتفوق الذكاء الاصطناعي على ذكاء الإنسان في وقت قريب، وأن يفوق عدد الروبوتات عدد البشر، بحيث يغدو لكل إنسان تقريبًا روبوت يرافق حياته اليومية، يعتني الروبوت بالأطفال وكبار السن، ويؤدي مهام العمل والرعاية. في هذا الواقع الجديد، يرجّح انتشارًا واسعًا للروبوتات البشرية والسيارات ذاتية القيادة، إلى جانب نقلة نوعية في السفر الفضائي عبر صواريخ قابلة لإعادة الاستخدام تخفّض كلفة الوصول إلى الفضاء.
يعتقد ماسك أن هذا التسارع التكنولوجي يؤسس لازدهار اقتصادي غير مسبوق، ويفتح أفق ما يسميه "الوفرة المستدامة"، حيث تُلبّى الحاجات الأساسية للبشر على نطاق واسع عبر الأتمتة. وفي يوم 13 مايو 2025، خلال منتدى الاستثمار السعودي الأمريكي في الرياض، صرح إيلون ماسك بأن الروبوتات البشرية يمكن أن تضاعف الاقتصاد العالمي عشر مرات، وأنها قد تؤدي إلى وفرة في السلع والخدمات، مما يفتح المجال لتحقيق دخل عالمي مرتفع.
غير أن هذا النمط من التصريحات يكشف الرؤية التقنية الخالصة للإنسان، رؤية تنظر إليه بوصفه شيئًا يجري توظيفه في إنتاج أو وحدة استهلاك قابلة للاستبدال، وتغفل أبعاده الوجودية والنفسية والعاطفية والروحية والأخلاقية والجمالية.
عندما يفوق عدد الروبوتات عدد البشر على الأرض، يواجه الإنسان تحولًا مهولًا يتعذر عليه استيعابه، لأن بنيته الوجودية لم تتهيأ بعد لمواكبة هذا الانعطاف الحاد في مصيره ومصير العالم الذي يعيش فيه. عاش الإنسان قرونًا بوصفه سيد الأرض، يديرها وفق مصالحه، ويعيد تنظيمها بما يخدم أهدافه، ولم يعرف منذ ظهوره شريكًا ينازعه هذا المقام. اليوم دخلت الروبوتات مجال حياته، وغدًا يتمدد نفوذها إلى مساحات سيادته بوتيرة سريعة، فيجد نفسه إزاء واقع جديد، يربك قدراته النفسية والعاطفية والاقتصادية والحقوقية والسياسية والثقافية والاجتماعية، ويعيد تشكيل هويته وفقًا لمعطيات هذا الواقع الرقمي ورهاناته، ويتركه عاجزًا عن استيعاب الأمواج العاصفة لهذا الانعطاف وارتدادته المثيرة.
هذا التحول لا يشبه شيئًا مما خبره الإنسان في تاريخه الطويل، إذ لا يتعلق بأداة إضافية أو تقنية عابرة، وإنما يمس معنى الفعل الإنساني نفسه، وحدود السلطة على العالم، وصورة الإنسان عن ذاته وما حوله، في عالم يعاد تشكيله خارج إيقاع المعارف والخبرة المألوفة له، وداخل أفق يهدد بتعميق اغترابه، إذا لم يستعد وعيه ومعاييره الإنسانية قبل أن يستعيد أدواته.
في هذا الواقع تتحوّل الهوية إلى الأثر الذي يظهر على الشاشة ويقاس بالأرقام ويدار بالخوارزميات. في أفقها الوجودي تتشكّل الهوية ببطء، عبر الذاكرة والاختيار والقلق والسعي والسؤال، بوصفها مسارًا مفتوحًا لا صورة مكتملة. أمّا في الفضاء الرقمي فتعاد صياغتها وفق منطق العرض والتداول، وتغدو بيانات قابلة للتصنيف، وسلوكًا قابلًا للتنبؤ، وحضورًا يكافأ بقدر ما يُرى ويُستهلك.
تلعب الخوارزميات دور الوسيط الحاسم في هذا التحول، إذ لا تكتفي برصد ما يفعله الإنسان، بل تعيد تشكيل ما يراه وما ينتبه إليه، فيتعلم أن يعدل صورته بما يوافق طلب المنصة لا بما ينسجم مع طبيعته وإمكانات ذاته المتاحة، ويتحوّل السؤال: مَن أكون إلى كيف أظهر. عندئذ تفقد الهوية عمقها الزمني في الذاكرة ودلالاتها الرمزية، وتغدو آنية متقلبة، محرومة من الصيروة التي تنضج فيها الذات. يحل منطق التفاعل الرقمي محل منطق المعنى، فينشأ اغتراب جديد يقوم على حضور كثيف في الفضاء يقابله استلاب للذات. حين تتحول الهوية إلى معطى جاهز للتصنيف والتداول، تلتقطه الخوارزميات وتعيد إنتاجه في صور وانتماءات وبيانات مقطوعة الصلة بالذاكرة والرصيد الرمزي.
لا تعود الهوية مسارًا يتكون في التجربة، ولا علاقة مفتوحة بين الإنسان والعالم، وإنما تغدو شيئًا قابلًا للعرض والقياس والمقارنة الرقمية، خاضعًا لمنطق السوق ومعادلات خوارزميات التسلط والهيمنة والاحتكار. حيث ينطفئ وهج الإنسان في دلالات رقمية، ويقيس حضوره بعدد المتابعين والتفاعلات، فتفقد الهوية عمقها الوجودي، ويتراجع بعدها الأخلاقي والروحي والجمالي، ويحل محله شكل من الامتلاء الرقمي الزائف الذي يغطي فراغ المعنى، فتصير الهوية شيئًا من الأشياء المنتجة خوارزميًا.
لا ينبع خطر هذا التشيؤ من التقنية ذاتها، وإنما من انقطاع الصلة بين الهوية والذاكرة والرمز والمعنى، حين تحل الوسائط محل التجربة الوجودية، والصورة محل الحضور، والانتماء المعلن محل القلق الخلّاق الذي يواكب تشكل الذات. الهوية حين تفقد بعدها الإنساني تتحول إلى قناع، وحين تنفصل عن الحرية تصير أداة، وحين تنغلق داخل قوالب رقمية جاهزة تعطل إمكان السؤال والتفكير الخلّاق.
مع ذلك لا يكون هذا التحول قدرًا حتميًا، إذ تظل استعادة الهوية بوصفها تجربة وجود ممكنة ما دام الإنسان يحافظ على حقه في التأمل، ويبني علاقته بذاته خارج منطق الأرقام، ويصون ما لا يعرض ولا يحسب بالأرقام، كالقلق، والسؤال المفتوح على المعنى.
الخلاص لا يتحقق برفض العصر الرقمي، وإنما بترسيخ الهوية كصلة وجودية بالذات والآخر والعالم، صلة تقاوم الذوبان في الخوارزميات، وتحفظ للإنسان كرامته بوصفه ذاتًا تتساءل وتفكر وتشعر وتبحث، لا رقمًا في معادلة، ولا صورة في أنظمة بلا روح.
ما دامت الهوية ليست معطى جاهزًا ولا توصيفًا اجتماعيًا أو تقنيًا، إنما تجربة وجودية حيّة تتشكل في أفق المعنى، وتتوالد عبر الوعي والاختيار والعلاقة وبناء الذات، فأن الفضاء الرقمي يدفع بهذه الهوية نحو التحول إلى معطى تقني قابل للحساب. يحدث هذا التحول بفعل عدة عوامل، في مقدمتها اختزال الإنسان إلى بيانات وأنماط سلوكية قابلة للقياس والتنبؤ، فتفقد الهوية عمقها الداخلي، وتتحول إلى ملف رقمي يدار من الخارج. يتعارض هذا الاختزال مع طبيعة الإنسان بوصفها ملتقى الأضداد، حيث يتوالد من الأضداد في طبيعة الإنسان التوتر المنتج للإبداع والإنجاز والتنوع، ويؤكد كون الإنسان كائنًا يحمل فائض معنى لا يستنفد في أي توصيف، ولا يختزل في نموذج حسابي مهما بلغ من الدقة.
يضاف إلى ذلك هيمنة العقل الأداتي التقني الذي لا يسأل عن المعنى، فتعاد صياغة الهوية وفق منطق الأداء والتصنيف والتوافق مع الخوارزميات، ويتحول سؤال: مَن أنا إلى سؤال كيف أُصنَّف. كذلك تنفصل الهوية عن ذات الإنسان، حيث يستحوذ الحضور الرقمي على التحقق الوجودي، فيتراجع الإنصات إلى الذات ويتسع الاغتراب.
ويأتي عامل نقل سلطة تعريف الهوية من الإنسان إلى الخوارزمية، فتُسلب الذات حقها في تأويل نفسها وبناء علاقتها بالعالم بحرية، وتتحول إلى موضوع رقمي للتصنيف لا ذات للفهم. وأخيرًا يتجلى الخطر في فصل الهوية الرقمية عن أفق الأخلاق والروح والقلب، إذ تدار هذه الهوية خارج المسؤولية والقيم والمشاعر. لذلك لا يكمن الخطر في الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة، وإنما في تحوله إلى أفق شامل يعيد تعريف الإنسان داخل الخوارزميات التي لا تدرك معادلاتها الرقمية إنسانيته وأخلاقه وروحه وقلبه.