اغتراب الهويَّة في زمن الخوارزميات

أ. د. عبد الجبار الرفاعي

2026-01-07 03:21

يعيد الذكاء الاصطناعي التوليدي اليوم تشكيل نمط حياة الإنسان، ويغيّر كيفية وجوده في العالم، فيغدو هذا الوجود مختلفا عما كان عليه قبل تغلغل الذكاء الاصطناعي في تفاصيل الحياة كلها. يتقدم هذا الذكاء بوتيرة متعجلة ليتصدر المشهد في العصر الرقمي، ويعيد صوغ أنماط العيش، والعمل، والتفكير، والعلاقة بالعالم. يتمدد مسرعا من محطة إلى أخرى، فيزاحم الإنسان في إدارة شؤونه، ويقاسمه صناعة القرار، ويحد من قدرته على التحكم بمحيطه، ثم يمتد أثره إلى الذات البشرية، حيث يضعف سيادة الإنسان على ذاته وخياراته.

في فضاء هذا التمدد تنتقل مفاتيح السلطة تدريجيًا إلى أيدي أقلية تحتكر المعرفة والخوارزميات والبنية التحتية لهذا الذكاء من عمالقة التكنولوجيا، فتتركز القوة خارج الإنسان، ويغدو مصيره معلقًا بإرادة مَن يمتلك أدوات التسلط الرقمي. 

في أفق الذكاء الاصطناعي التوليدي يلوح احتمال أشد خطورة، حين يتراجع الحضور الإنساني لصالح خوارزميات قادرة على إدارة العالم، فيتحول السؤال من ماذا يصنع الإنسان بالتكنولوجيا إلى ماذا يتبقى من الإنسان حين تفلت السلطة من يده وتستحوذ عليها الخوارزميات.

تتمدد الخوارزميات والروبوتات اليوم بأشكالها المتنوعة، لتغدو شريكًا في إدارة كل شيء تقريبًا، وفي إنجاز أعمال كانت حكرًا على الإنسان. يذهب خبراء هذا الحقل إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يفتح الطريق أمام استئثار هذه الأنظمة بمعظم مهمات الإنسان في الحياة، فتفرض حضورها وسلطتها على مجالات وجوده المختلفة. 

في هذا المسار يواجه الإنسان خطر فقدان تفوقه في ميادين طالما عدها امتدادًا طبيعيًا لقدراته، ويتعرض لتهديد أعمق يمس مكانته ومعناه وحقوقه وحرياته، حين ينزاح من مركز الفعل والقرار، ويغدو كائنًا هامشيًا في عالم تتسيّد فيه الخوارزميات، وتعيد تعريف الوجود والعمل والقيمة بمعايير لا تنبع من الخبرة الإنسانية ولا تصون حقوق الإنسان وحرياته، وتصادر وظيفته في التفكير والابداع والبناء.

تغترب الهوية في عصر الخوارزميات حين تنتقل من كونها خبرة وجودية تتشكل في الوعي والذاكرة والتجربة واللغة والثقافة والمسؤولية، إلى معطى رقمي يدار من خارج الإنسان، ويعاد إنتاجه عبر البيانات والتنبؤات وأنماط السلوك الجاهزة. في هذا السياق لا يصوغ الإنسان هويته عبر اللغة والسرد والاختيار الحر، وإنما تصاغ له هوية محسوبة سلفًا، تغذي الأذواق والرغبات وتعيد ترتيب الانتماءات داخل فقاعات تتشابه كأنها نسخ مكررة تتطابق، لتعزل الفرد عن الاختلاف الذي يوقظ وعيه ويحفز مواهبه وطاقاته المختبئة. 

مع هذا التحول تفقد الهوية عمقها الوجودي والزمني والروحي، وتنقطع عن الذاكرة واللغة والثقافة والعلاقة الحية بالآخر، فيتكرّس اغتراب يجعل الإنسان حاضرًا رقميًا وغائبًا وجوديًا، ممتلئًا بالصور والبيانات، مفرغًا من المعنى. هكذا تختزل الهوية إلى وظيفة أو استهلاك، ويصادر السؤال الوجودي عن الذات، ولا يكون الخلاص برفض التكنولوجيا، وإنما يكون في استعادة مركزية الإنسان بوصفه كائنًا حرًا وأخلاقيًا وروحيًا وجماليًا، وبإحياء الهوية كخبرة حيّة تبنى في الذاكرة واللغة الوعي والمعنى والمسؤولية، لا كمنتج خوارزمي يدار من خارج ذات الإنسان.

يعمل الذكاء الاصطناعي التوليدي على تآكل الدولة ويزعزع الأسس داخل بنيتها، حين يسهم في تفتيت سلطاتها وتجريدها من مركزية القرار، عبر إحلال أنظمة ذكية وخوارزميات محل وظائفها التقليدية، أنظمة لا تنتمي إلى كيان وطني، ولا تحتكم إلى إطار قانوني أو أخلاقي أو اجتماعي ينتمي للإنسان بمعناه القيمي والحقوقي. مع هذا التحول تضمحل السيادة، وتتبدد المسؤولية، وتتراجع قدرة الدولة على حماية المجال العام، وصون العدالة وتنظيم المصالح. 

في الوقت نفسه يقوض هذا الذكاء أواصر التماسك الاجتماعي، إذ يضغط على العائلة ويدفعها نحو الهشاشة، ويفكك وشائجها، ويضعف سلطتها التربوية والعاطفية ودورها في بناء الإنسان. هكذا تتراجع العلاقات الإنسانية العميقة، وتخفت قيم الرعاية والعواطف والمحبة، ويغيب الحضور الحي الذي يمنح الإنسان دفء الانتماء وسكينة الروح، في عالم يتسارع فيه الإيقاع التقني على حساب المعنى، وتتسع فيه الفجوة بين التقدم الأداتي وحاجات الإنسان الوجودية.

تنتزع الشركات الكبرى العاملة في الذكاء الاصطناعي، على نحو متدرج، السلطة بأشكالها المختلفة من الإنسان، ولا يقتصر هذا الانتزاع على البيئات التي تنشأ فيها هذه الشركات، وإنما يمتد إلى العالم كله. هذه السلطة الجديدة، المنبثقة من الذكاء الاصطناعي التوليدي، لا تقف عند حدود الأدوات، وإنما تعيد تشكيل صورة الإنسان عن ذاته ورؤيته للعالم، فتزيحه عن مركز وجوده، وتضعف قدرته على إدارة حياته والتحكم بعلاقته بالطبيعة وأخيه الإنسان. نشهد اليوم نمطًا مموهًا من نزع الكرامة والحرية والمساواة، يتخفى وراء خطاب التقدم التكنولوجي، ويعيد إنتاج الإنسان بوصفه كائنًا قابلًا للاستبدال، تتحول إنسانيته إلى بيانات، وتُختزل فرادته في خوارزميات. 

كل تحول تكنولوجي لا ينبثق من مركزية الإنسان يفضي إلى هدر الكرامة، بوصفها المبدأ الأعلى في بناء القيم، كما تحدثت عنها في كتاب: "الدين والكرامة الإنسانية"، حيث يغدو التقدم منفصلًا عن المعنى، وتتحول التقنية من أفق لخدمة الإنسان إلى قوة تفرغه من إنسانيته.

إن تغوّل الذكاء الاصطناعي التوليدي، واستحواذه المتسارع على سلطة الإنسان، لا يفتح أفقًا للرفاه وحده، وإنما يولّد شكلًا جديدًا من الاغتراب، يعمق الظمأ للمعنى المتفشي في حياة الإنسان اليوم. يجد الإنسان نفسه اليوم مهددًا بفقدان صلته العميقة بالمعنى، ويتحول إلى كائن غريب داخل منظومة خوارزميات لا تنصت لروحه، ولا تستجيب لحنينه إلى الامتلاء الروحي. 

يتجلى هذا الاغتراب في تفكك صلة الإنسان بذاته، وفي انقطاعه عن منابع المعنى التي تمنحه السلام، كما يظهر في خفوت حضوره الداخلي وضمور إحساسه بالقيمة. حين يغدو الإنسان أسير عالم لا يلبّي شوقه إلى المعنى، ولا يداوي اغترابه الوجودي، تتكرّس حالة فراغ وجودي تزداد معها هشاشته، وتتوارى ذاته في عالم يضمحل فيه المعنى، وتنحسر فيه القيم التي تصون إنسانيته وتمنحه سببًا لجودة الحياة.

من نتائج الحضور المتعجل للذكاء الاصطناعي في التربية والتعليم، والبحث العلمي، والإنتاج الاقتصادي، والعلاقات الاجتماعية والدولية، أن يتعرض العقل البشري لسبات بطيء يضعف قدرته على التفكير العميق. في هذا الواقع تخفت ملكات التأمل والخيال والابتكار، ويضمر الحس النقدي، وتتراجع قدرة الإنسان على توليد المعنى من رحم التجربة والمعاناة. 

بالاعتماد المتزايد على الآلة يضعف حضور العقل، ويغدو التفكير أقرب إلى استهلاك جاهز للمعطيات، لا مغامرة وجودية تبحث عن المعنى. هكذا يتهدد الإنسان بفقدان صلته الحيّة بسؤاله الوجودي، حين تستبدل معاناة التفكير بيسر الإجابة، ويختزل العقل إلى وظيفة أداتية لا تعرف قلقه، ولا تحتمل مشقة السؤال والتفكير التأملي العميق.

حين يناط التفكير بالآلة، ويستبدل اشتغال العقل الحي باستجابات خوارزمية جاهزة، تتعطل الوظيفة الوجودية للإنسان في صياغة ذاته وفهم عالمه، ويتوارى وعيه أمام سيل من الإجابات المصنّعة التي لا تمر بتجربة السؤال، ولا تمحصها مشقة البحث. 

العقل لا يحيا إلا في بيئة تستفزه بالتحديات، وتوقظه بالأسئلة، وتربكه بالمفارقات، وتغذيه بقلق معرفي يدفعه إلى التأمل والابداع. أمّا حين يبتعد الإنسان من عناء التفكير، بسبب غواية سهولة الإجابة، يخبو حضوره الداخلي، ويتراجع حسه النقدي، ويتحول الوعي إلى صدى لما تنتجه الآلة، لا إلى صوت يصنع المعنى من التجربة والاختبار والمعاناة.

حتى التفكير بالأفعال والمواقف المؤذية، كالمكر والخداع والشر والحروب، فهي على ما تخلّفه من مآسٍ وخراب، تغدو محفزًا لإيقاظ التفكير العميق، وامتحانًا لوعي الإنسان، وتنشيطًا لقدراته المعرفية الكامنة. الحياة التي تفلت من الألم والامتحان تفقد جانبًا واسعًا من طاقتها على توليد الأفكار، وتغدو أقرب إلى حركة آلية صمّاء لا تنتج شيئًا ثمينًا. 

حين يختزل تفكير الإنسان في خوارزميات مبرمجة، ويقاس وعيه بمدى تكيفه معها، يتلاشى حضور عقله، ويغدو عيشه آليًا، خاليًا من المعنى الذي يولد من المعاناة والأسئلة والمكابدة. العقل طاقة وجودية تتجاوز الحساب والتشغيل، ولا تزدهر إلا في مناخ الحرية والخيال والقلق الخلّاق، وفي بحث لا يكتفي بمعطيات الآلة، ولا ينغلق في منطق الربح والسرعة والكفاءة والجدوى الاقتصادية، وإنما ينفتح على أفق أوسع للمعنى والكرامة والإنسانية. 

لا أعرف على وجه الدقة إلى أين تمضي بوصلة الذكاء الاصطناعي، غير أننا نعيش وكأننا في قلب زلازل متلاحقة، يتغير فيها كل شيء من غير تمهيد وبلا استئذان. بعصفه المتسارع يطيح الذكاء الاصطناعي بما كان عصيًا على التحول، ويقوض ما بدا راسخًا لا تهزه العواصف، فيحول الثابت إلى متغير، والمألوف إلى غريب، والمستقر إلى مهدد. 

هكذا يعاد تشكيل العالم على نحو لم تألفه البشرية من قبل، ويدفع الإنسان إلى مراجعة تصوراته للوجود والعقل والمعرفة والمعنى والمستقبل، في لحظة تاريخية يتقدم فيها السؤال أسرع من الجواب، ويتعاظم فيها القلق الوجودي بقدر ما تتسارع القدرة التقنية.

لم يعد الإنسان مركز العالم ولا المعيار الأعلى للحقيقة، بعدما اقتحمت الآلة أعمق وظائف التفكير، ونازعت العقل في ميادين طالما ظنها امتدادًا طبيعيًا لخصوصيته. نعيش اليوم عصر اللايقين والمفاجآت، عصرًا انقلب فيه المستحيل ممكنًا، وتراجع فيه يقين قديم، وانكسر النسق الواحد للمعنى. 

في هذا الواقع يغدو الإنسان مطالبًا بأن يعيد اكتشاف ذاته كل يوم، وإلا توارى خلف آلة تتقدم عليه، وتعيد تعريف ما يسمى عقلًا وإدراكًا وحقيقة. الذكاء الاصطناعي، بما ينطوي عليه من قفزات تقنية غير مسبوقة، لا يقتصر أثره على إعادة تشكيل أنماط العيش والعمل والتواصل، وإنما ينفذ عميقًا إلى بنية الوعي الإنساني، ويهزّ التصورات المستقرة عن الذات، والعقل، والمعنى. 

إنه يوقظ أسئلة وجودية ظلت زمنًا طويلًا في سبات، ويدفع الإنسان إلى مساءلة موقعه في الكون، ومعنى أن يكون إنسانًا في عالم تتراجع فيه الحدود الفاصلة بين الطبيعي والمصنوع، والبيولوجي والاصطناعي.

 في هذا الواقع تلوح إرهاصات ما يسمى بعصر "ما بعد الإنسان"، حيث لا يعود الإنسان مركز العالم ولا معيار القيمة، وحيث تختزل الكينونة في الكفاءة التقنية، ويقاس الوجود بالوظيفة، ويعاد تعريف العقل بوصفه قدرة حسابية قابلة للاستبدال. 

في هذا السياق يصبح المعنى ذاته موضع امتحان قاس، وتغدو الإنسانية مهددة بالذوبان في منظومات تقنية صمّاء، لا تعرف الرحمة ولا تختبر القلق ولا تحسّ بظمأ الإنسان لمعنى وجوده وحياته الذي يشكّل جوهر التجربة البشرية. 

لذلك تبرز الحاجة الملحّة إلى استعادة الدفاع عن الإنسان لا بوصفه أداة إنتاج أو كمية بيانات، وإنما بوصفه قيمة أخلاقية وروحية وجمالية، بوصفه كائنًا هشًّا، قلقًا، مفتقرًا إلى المعنى، لا تكتمل إنسانيته إلا بالحب، والحرية، والمسؤولية، وبصلة حيّة تتجاوز المنفعة إلى الكرامة والحقوق والحريات، وتتجاوز الذكاء إلى الحكمة. في زمن ما بعد الإنسان، لا يكون الرهان الحقيقي على ما تستطيع الآلة أن تفعله، وإنما على ما ينبغي للإنسان أن يحافظ عليه كي لا يفقد ذاته وإنسانيته.

ذات صلة

الأموال الضريبية في المنظور الإسلاميمخاطر الإخلال بالآداب العامة على الحقوق والحرياتالاستراتيجية الأمريكية النفطية في فنزويلا وتشكيل نظام عالمي جديد للطاقةحصان الحكومة وعربة المحاصصةتراجع موقع أميركا في السلم الحضاري منذ تولّي ترامب الرئاسة إلى اليوم عبر ثلاث علامات كاشفة