شبح الريلز واللاوعي الموجه: كيف تُشكّل المنصات الرقمية عقولنا؟
كمال عبيد
2025-08-31 05:22
في زمنٍ أصبحت فيه الشاشات امتداداً لأيادينا، والومضات السريعة هي نافذة عقولنا على العالم، يبرز "الريلز" (Reels) ومثيلاته من الفيديوهات القصيرة كظاهرة طاغية تُعيد تشكيل طبيعة المحتوى الرقمي وتفاعلنا معه.
هذه المقاطع السريعة، التي لا تتجاوز بضع ثوانٍ، تبدو بريئة في ظاهرها، لكنها تخفي خلف بريقها وتنوعها شبحاً صامتاً يندسّ إلى أعماق اللاوعي، موجهاً سلوكياتنا، مُشكّلاً قناعاتنا، ومُعيداً تعريف مفهوم "الوعي الجمعي".
فما هي الآليات التي تمكن هذه المقاطع من اختراق حصون عقولنا، وما هي المخاطر الخفية التي تكمن في ثقافتنا المتنامية تجاه جهلنا بأثرها؟
جاذبية الوميض وسرعة التأثير
الانتشار الهائل لـ"الريلز" ليس وليد الصدفة، بل هو نتيجة لتصميم ذكي يستغل نقاط ضعف في الإدراك البشري ويلبي حاجة عصر السرعة:
اقتصاد الانتباه والجاذبية اللحظية: في عالم يغرق في المعلومات، يُصبح "الريلز" بوابته الرئيسية. تصميمه القصير والمُكثف، المليء بالمؤثرات البصرية والصوتية الجذابة، يهدف إلى خطف الانتباه الفوري. تُعرض عشرات المقاطع في دقائق معدودة، كل منها يسعى جاهداً لإثارة فضول المستخدم خلال أجزاء من الثانية، مما يُقلّل من عتبة الملل ويُبقي العين والعقل في حالة ترقب دائم للمقطع التالي.
خوارزميات التكيّف والتخصيص الفائق: تُعدّ الخوارزميات الذكية خلف هذه المنصات الأداة الأقوى في توجيه اللاوعي. هي لا تُظهر للمستخدمين ما يبحثون عنه فحسب، بل تُقدم لهم ما يُرجح أن يُثير اهتمامهم حتى قبل أن يدركوا ذلك بأنفسهم.
هذه الخوارزميات تتعلم بسرعة فائقة أنماط المشاهدة، التفاعلات، وحتى مدة التوقف على كل مقطع، لتبني نموذجاً دقيقاً لذوق المستخدم، وتُغرقهم بمحتوى يُعزز قناعاتهم الحالية ويُصمم خصيصاً ليُناسب حالتهم النفسية الراهنة. هذا التخصيص يُقوّي صدى الغرف الصوتية (Echo Chambers) ويُعزز من التفكير القطبي.
دمقرطة المحتوى: لم يعد إنتاج المحتوى حِكراً على المحترفين. بفضل أدوات التحرير البسيطة والمرشحات الجذابة المتاحة داخل التطبيقات، يستطيع أي شخص تحويل فكرة بسيطة إلى "ريل" قد يصبح فيروسياً. هذه السهولة تُغرق المنصات بكميات هائلة من المحتوى المتنوع، من الكوميديا إلى المعلومات، مما يُعطي انطباعاً بوجود خيارات لا نهائية، بينما يتم توجيه المشاهد خلسة نحو مسارات محددة.
تأثير الوميض على البنية الإدراكية
إن الأثر الحقيقي لـ"الريلز" لا يكمن في المحتوى الظاهر، بل في كيفية تأثيره على بنية التفكير، آليات الانتباه، وتشكيل اللاوعي الجمعي.
يشير العديد من علماء النفس المعرفي إلى أن التعرض المستمر للمحتوى قصير المدى يُقلّل من قدرة الدماغ على التركيز لفترات طويلة، ويُضعف من مهارات التفكير النقدي والتحليلي. فالدماغ يُدرب على استهلاك "وجبات خفيفة" من المعلومات، مما يجعله يجد صعوبة في هضم "الوجبات الثقيلة" من المحتوى العميق أو المعقد. هذا التحول يؤدي إلى تفضيل السطحية على العمق، وتضاؤل الرغبة في البحث عن المعرفة المتأنية.
تُشير دراسات حديثة (مثل تلك التي تُجرى في مراكز أبحاث حول تأثير التكنولوجيا الرقمية على الدماغ) إلى وجود تغيرات في أنماط النشاط الدماغي لدى المستخدمين المفرطين للمنصات قصيرة المدى، تُظهر ميلاً أكبر للاستجابة للمحفزات السريعة.
الخطر الأكبر يكمن في "اللاوعي الموجه". فالمعلومات، أو الأفكار، أو حتى الأنماط السلوكية التي تُعرض بشكل متكرر ومُكثف عبر هذه المقاطع، تُزرع في اللاوعي دون أن يمر بها الفرد بعملية فلترة واعية. على سبيل المثال، قد تُروج لمفاهيم اجتماعية معينة، أو أنماط استهلاكية، أو حتى قوالب فكرية محددة. التكرار والانتشار الواسع يجعلان هذه الأفكار تبدو "طبيعية" أو "مقبولة" بشكل لا إرادي.
يعتبر علماء السلوك والإعلام أن هذا النمط من التعرض هو شكل جديد من أشكال "الغرس" أو "البرمجة" غير المباشرة. فما لا يُدركه المستخدم بوعيه، يتم تخزينه في عقله الباطن، ليُشكل جزءاً من مرجعيته في الحكم على الأمور، وقد يؤثر على قراراته المستقبلية دون أن يعي مصدر هذا التأثير.
ثقافة الجهل بمخاطرها
المأساة الكبرى هي أن وعينا بمخاطر هذه الظاهرة لا يزال محدوداً. كثيرون يتعاملون مع "الريلز" كوسيلة ترفيه بريئة، أو مصدر سريع للمعلومة، دون إدراك للآليات المعقدة التي تعمل بها لبرمجة اللاوعي. هذا الجهل يُعززه سهولة الوصول، والجاذبية اللحظية، والرضا الفوري الذي تُقدمه هذه المنصات، مما يُبقي المستخدم في دوامة الاستهلاك غير الواعي.
نحو مستقبل متيقظ أم مستلب؟
إن ظاهرة "الريلز" واللاوعي الموجه ليست مجرد صيحة عابرة، بل هي تحول جوهري في كيفية تلقي البشر للمعلومات وتشكيل وعيهم.
تُظهر هذه الظاهرة أن المحتوى القصير ليس مجرد وسيلة ترفيه، بل أداة قوية ذات تأثيرات عميقة على التركيز، والتفكير النقدي، وتشكيل القناعات اللاواعية. إنها تُبرز قوة الخوارزميات في توجيه السلوك البشري بما يتجاوز الوعي الظاهر، وتُحوّل المستخدمين إلى مستهلكين سلبيين للمحتوى المبرمج.
هيمنة المحتوى الموجه: من المتوقع أن تزداد هيمنة المحتوى قصير المدة والموجه بواسطة الذكاء الاصطناعي، مما سيجعل من الصعب على الأفراد التمييز بين المعلومات الحقيقية والموجهة، أو بين المحتوى المفيد والمحتوى التضليلي.
تحدي الوعي الذاتي: سيتفاقم تحدي الحفاظ على الوعي الذاتي والتفكير المستقل، حيث يصبح الأفراد أكثر عرضة للتأثيرات اللاواعية التي تُغذّيها الخوارزميات.
صعود "الأمية الرقمية المتقدمة": قد لا تتعلق الأمية المستقبلية بعدم القدرة على استخدام التكنولوجيا، بل بعدم القدرة على فهم آلياتها الخفية ومقاومة تأثيرها اللاواعي.
نحو وعي رقمي مستنير
في مواجهة شبح "الريلز" واللاوعي الموجه، لا يملك الأفراد والمجتمعات سوى خيار واحد: التسلح بالوعي والتحكم الذاتي.
التربية الرقمية النقدية: يجب دمج برامج التربية الرقمية في المناهج التعليمية، ليس فقط لتعليم استخدام الأدوات، بل لفهم آليات عمل الخوارزميات، وتأثير المحتوى، وكيفية حماية العقل من البرمجة اللاواعية.
المشاهدة الواعية والتحكم الذاتي: تدريب الأفراد على ممارسة "الوعي الميتا-إدراكي" أثناء التصفح، أي التفكير في كيفية تفكيرهم، ومصدر المعلومات، والتحقق من مصداقيتها. تحديد أوقات محددة للمشاهدة، وتفعيل خاصية "حدود الوقت" على التطبيقات.
تفضيل المحتوى العميق والمحتوى التفاعلي: تشجيع الأفراد والمؤسسات على البحث عن المحتوى الذي يتطلب تفكيراً أعمق (مقالات طويلة، كتب، أفلام وثائقية)، والمحتوى الذي يُشجع على التفاعل الإيجابي والنقد البناء بدلاً من الاستهلاك السلبي.
مطالبة المنصات بالشفافية والمسؤولية: يجب على الحكومات والمؤسسات المدنية الضغط على شركات التكنولوجيا لتكون أكثر شفافية بشأن كيفية عمل خوارزمياتها، وتأثيراتها النفسية والاجتماعية، وتوفير أدوات للتحكم الذاتي أكثر فاعلية للمستخدمين.
دعم المحتوى البديل والواعي: تشجيع صناع المحتوى الذين يُقدمون محتوى هادفًا، يُثير التفكير النقدي، ويُعزز الوعي الذاتي، وتوفير منصات بديلة تُقدر الجودة على حساب الكمية.
إن معركتنا مع "شبح الريلز واللاوعي الموجه" ليست معركة تقنية فحسب، بل هي معركة ثقافية وفكرية تهدف إلى استعادة سيادة العقل البشري على تدفق المعلومات، وضمان أن تظل شاشاتنا نوافذ للمعرفة والإبداع، لا أدوات صامتة لبرمجة الوعي.