لماذا السلام هو الأصل؟
رؤى من أفكار الإمام الشيرازي
شبكة النبأ
2026-04-27 03:00
(من مبادئ الإسلام المهمة أن يتنعّم الإنسان بالسلم والسلام والأمن والحرية)
الإمام الشيرازي
لكل شيء نقيض ورديف، فنقيض النهار الليل، ونقيض الخير الشر، ونقيض الحرب السلم، وهنالك ما يردف النهار وهو الضوء، وما يردف الخير وهو السلام، إذن تقوم حياتنا على النقائض وعلى المرادفات، والنقيضان لا يتعايشان، كما نلاحظ العلاقة بين الحرب والحياة، فكلاهما نقيض الآخر، أينما تحصل الحرب تموت الحياة أو تنحسر وتتراجع، وكلما ازدهرت الحياة شاع السلم وانهزمت الحرب، وهذا ينطبق على النقائض الأخرى طبعا.
لذلك جاءت الأديان كلها لكي تهذب النفس البشرية، وتخلصها من شوائب الشرّ ومنها الحروب، لكي تنشر فيها السلام وتشيع أجواء السلم والسلام، لكن حياة الناس آخذة في التعقيد حقبةً بعد أخرى، ولعل التصاعد المادي الاستهلاكي أحد أكبر نتائج المادية المستفحلة، حيث أخذ الإنسان يغادر البساطة، ويفرّط بالسلام، بل ويسخر من الطبيعة ويُعيب على الناس ميلهم نحو القيم الإنسانية المشجعة على نشر السلم والسلام والازدهار.
فكثرَ الماديون، وماتت البساطة، وتراجعت أنماط العيش الراضية بما لديها وما فيها، وتصاعدت أطماع البشر، وصارت الحروب أداة مطيعة للمادية المستهترة، كل هذا لأن الإنسان باتت تسيطر عليه نزعة مادية شريرة، حاول الدين ولا يزال ترويض هذه النزعة، وكبح أطماعها، لاسيما في نشر الخصائص التي يجب أن تؤطر الحرب، وتجعل منها تحت سيطرة قوانين أو قواعد لا يجوز ضربها أو تجاوزها، حتى يبقى الإنسان فاعلا منتجا في ظل السلم والازدهار.
الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، يقول في كتابه القيّم الموسوم بـ (فقه السلم والسلام):
(إن الإنسان في ظل الحضارة المادية وحينما تزداد معارفه وتتعدد أهدافه، سوف يسيطر على الحياة ويفسدها بعد أن تزداد أطماعه وتتشعب طموحاته، أما في ظل الإسلام الحقيقي فإن الإنسان يعمل من أجل التطور والاستقرار والازدهار والسلام والتقدم في مجالات الحياة كافة).
لهذا يجب أن يكون كل إنسان آمنا في مسكنه، ومطمئنا في حياته حتى يكون قادرا على إدامة وسائل الحياة الطبيعية أو المصنّعة، أما في حالة حدوث العكس، أي في حالة الحرب وفقدان الأمن، فإن أسباب ووسائل ومنتجات الحياة تتوقف، أو تتراجع، وتغدو قيمة الإنسان الإنتاجية شبه معدومة، بسبب الخوف، لذلك تم وضع خصائص للحروب حتى لا تطغي ولا تعبر الحدود القاتلة للحياة، كونها (الحرب) هي ماكنة الخوف.
ندرة الأمن فقدان للتقدم والازدهار
والخوف يحطم الإنسان، ويستنزف معنوياته، ويحيله إلى (صفر على الشمال)، ليصبح بلا حول ولا قوة ولا دور، عاجزا عن الإنتاج، ومائلا إلى الجمود، تائها في بحر من المخاوف، فاقدا للكرامة وللمعنويات التي تعطي لوجوده سببا ومعنى، لذلك طالب القرآن بالجنوح إلى السلم، ومغادرة منطق الحرب تحت ضغوط أشدّها الطمع، وأخطرها المادية المستأسدة.
حيث يقول الإمام الشيرازي:
(إن الإنسان عندما يكون غير آمن في مسكنه وحياته لا يتمكن من أن يحقق الازدهار والنمو، بل كثيراً ما يتسبب فقدان الأمن ـ الناشئ من الخوف ـ في تحطيم الإنسان بأبعاده المختلفة واستنفاد معنوياته السامية التي تحافظ على كرامته وإنسانيته).
لذا وضع الإسلام خصائص للحرب، وأعطاها التسمية التي تمنحها صفة القبول الحصرية، ألا وهي صفة الحرب الدفاعية، وخصائصها التي ترفض رفضا مطلقا الشروع بالحرب، سواء من حيث الإعلان أو الإطلاق الفعلي لها، ولعل الخصيصة الأهم للحرب الدفاعية، أن لا تبدأها أنت، ومن خصائصها الأهم أن تكون دفاعية (دفاعا عن النفس)، وهذا يحتّم وجود طرف بادئ للحرب والاعتداء، ومهدّد للحياة وفروعها.
فهناك نفوس تميل إلى العنف وإلى العدوان، وهذه النفوس قد تعود لأناس يتقلدون مناصب كبرى وحساسة، وتكون الكلمة الفصل بأيديهم، وهذا ما قرأنا في سجل الحروب البشرية، قديما ووسطا وحاضرا، فبسبب هتلر قُتِل الملايين، وشرِّد أكثر، وتضرر مليارات البشر، لذا فإن الحرب الدفاعية تُعدّ لمثل هؤلاء، ولكن ضمن خصائصها التي تتحدد بإيقاف العدوان وأصحابه.
الإمام الشيرازي يقول حول هذه النقطة:
(لم يعرَف عن الإسلام أنه أعلن الحرب في العالم وهو في ذروة دعوته وانتشاره في أزهى عصور سيادته، إلا ما شرعه دفاعاً، لدرء الخطر والذود عن النفس والعرض والمال والوطن عند الاعتداء على أحدها، من قبل المولعين بالعدوان).
ولأن الحروب قائمة على مرّ التاريخ قبل الإسلام وبعده، وقبل الأديان وبعدها، فإن ما دوّنته سجلات الحروب تؤكد لنا بأن صفة (الحرب الدفاعية) تشكل توأما للإسلام، فلا توجد في تاريخه كله حرب (هجومية) أو عدوانية، وإنما جميع حروب الإسلام كانت (دفاعا عن النفس، الأرض، العرض، الحقو)، ولا توجد حرب إسلامية واحدة ضربت خصائص الحرب الدفاعية عرض الحائط، وأعظم هذه الخصائص عدم إعلانها وعدم البدء بها.
لماذا حبَّذ الإسلام السلم؟
وهذا ما أكّده مؤرخون غربيون توخوا معرفة الحقيقة والوصول لها، فأكدوا في كتاباتهم بأن حروب الإسلام ذات صفة دفاعية بحتة، ملتزمة بالخصائص التي تؤكد طبيعتها وأسلوبها غير الهجومي، وإنما هي نوع من حماية النفس، ودرء الخطر، فهناك حروب تُفرَض وهي تهدد الأنفس والأرض والعرض والممتلكات والدين، وهذا ما لا يمكن التخلص من أضراره القاتلة إلا بالمواجهة الدفاعية الملتزمة بالضوابط والقيم الإنسانية.
لذلك يقول الإمام الشيرازي:
(لم ير العالم قبل الإسلام ولا في العصر الحالي ولا في مختلف الحضارات حروباً أطهر وأرفع من الحروب الإسلامية، وذلك ما صرّح به حتى بعض علماء الغرب الذين يتحرّون الحقيقة ويقولونها، فإن الحرب قد لا يكون منها مناص، في مواجهة المعتدي والتصدي له، أو الدفاع عن النفس من أسباب مسوّغة للحرب، ولذا فإن القاعدة في الإسلام هو السلام، والحرب استثناء).
أما حين يُطرح التساؤل التالي، لماذا حبّذ الإسلام السلم والسلام، ولماذا أطّر الحرب بالصفة الدفاعية وأركانها وخصائصها، فهذا يعود إلى حتمية وأهمية أن ترفل الإنسانية كلها بالسلم من وجهة نظر الإسلام وأدبياته وتعاليمه، وأن يردع الإنسان نفسه من إكراه الآخر على رأي لا يتوافق معه، أو على فكر لا يحبّذه أو على طريقة حياة لا ترقى إلى قناعته.
لا يتوقف الأمر عند هذا الحد بل لا يجوز فرض الدين على الآخر، ولا يجوز الإكراه عليه، وهذا مثبت في كتاب الله الحكيم، في الآية القرآنية الذائعة (لا إكراه في الدين) سورة البقرة، الآية 256، مما يؤكّد بإن الإسلام يرفض القسر، ويحذر من الإجبار، ويشجع على الفهم والاطلاع والاقناع، وكل هذه القضايا تأتي في دائرة الحفاظ على السلم والسلام، والالتزام بخصائص الحرب الدفاعية التي تطفئ حرائق الحروب وتنشر السلام في ربوع الأرض.
حيث يقول الإمام الشيرازي:
(من مبادئ الإسلام المهمة أن يتنعّم الإنسان بالسلم والسلام، والأمن والحرية، وأن لا يُكرِه إنسان على رأي خاص أو نظرية خاصة، سواء ترتبط بالكون أو بالطبيعة أو بالإنسان، وحتى في قضايا الدين لا يجوز القسر والإجبار، فالمقرّر عدم الإكراه في الدين).
في النهاية قد يتساءل أحدهم فيقول، لماذا عالمنا اليوم موبوء بالحروب، وهو صادق في تساؤله هذا، والجواب لا يحتاج إلى كثير من العناء أو الذكاء، ففي بداية هذا المقال قلنا أن السطوة المادية بلغت أعلى دراتها، وأن الأطماع جاوزت حدّها، وأن الماديون الطامعون لا يعجبهم السلم ولا السلام، ولا يعبأون بخصائص الحروب الدفاعية، لهذا السبب الرئيس، نجد الحروب تنتشر في مناطق كثيرة من العالم، ومعظمها إن لم نقل كلّها حروب هجومية، لهذا أما أن تستعيد البشرية كلها رشدها وتأخذ زمام الأمور بيدها، أو تترك لأصحاب النفوس المادية تقودها نحو الهلاك.