فلسفة السلم والسلام عند المجدد الشيرازي
د. علاء إبراهيم محمود الحسيني
2026-03-23 02:19
في اليوم الثاني من شوال تمر الذكرى السنوية لرحيل المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (1347-1422هـ/ 1928-2001م)
السلم والسلام كلمتان طالما تداولهما الألسن تارة بصدق الحديث حين تصدق النية وتتطابق مع العمل وتارة أخرى كانتا مجرد شعار لمزيد من الظلم والطغيان والتدخل السافر في شؤون الآخرين وتبرير العدوان، فالحياة صارت اليوم ضيقة إلى أبعد الحدود بعد الثورة التقنية الهائلة التي نعيش اليوم واحداً من أجلى صورها متمثلاً في التقنيات المتطورة التي من شأنها التأثير المباشر في حياة الفرد والأسرة والمجتمع والدولة.
لذا يغدو واضحاً أن المجتمعات تحتاج إلى ان تسودها ثقافة السلم والسلام لتتمكن من التعايش فيما بينها أولاً، ثم تتعايش مع التطور التقني الذي يقودها في كل يوم إلى قيم ثقافية جديدة متباينة مع ما توارثته عبر الأجيال السابقة، وإلى هذا المعنى أشار المجدد الشيرازي بقوله ان لهذين المصطلحين معنى واسع متشعب من أمثلته الحقة اللاعنف في مختلف الميادين السياسية منها والإعلامية، الاقتصادية والاجتماعية، العائلية والعسكرية، مصداقاً لقوله تعالى ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ)).
فالإنسان بطبعه مجبول على حب الخير ويرنو دائماً إلى العيش بسلم وأمن لكون ما تقدم يتفق مع الفطرة السليمة التي فطر الله تعالى الناس عليها قبل ان تخالطهم وساوس الشيطان أو تتغلب عليهم مأرب النفس الآمرة بالسوء، فالحروب والعدوان بكل صورهما أمر خطير إذ يهددان الأمن والسلم الدوليين على المستوى العالمي وعلى الصعيد الوطني، وأنهما يعرضان النسيج الاجتماعي والأمن الشخصي والاجتماعي لخطر محدق لاسيما وأن هذا السلوك يجافي الحقوق ويعتدي على الحريات ويهدد سيادة الدول وسلامتها الإقليمية، والحروب بكل صورها وأنواعها سواءً أكانت دولية أم وطنية مباشرة أم غير مباشرة كحروب الوكالة سلوك مرفوض وخطير لاسيما إن كان الدافع إليها أهداف غير مشروعة تغذيها مطامع شخصية أو دوافع دينية أو طموحات توسعية.
والسلام هو كل ما تحتاجه البشرية للبقاء والنماء، وليكون بمقدورها ان تبلغ حالة التعايش السلمي والحضاري لتصل إلى السعادة وتحقيق غاية الخلافة في الأرض التي أرادها الله تبارك وتعالى حين أشار في محكم كتابه العزيز إلى "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ"، فمن ظاهر الآية المباركة يبدو واضحاً أن الملائكة تنبأت ان الإنسان سيسعى إلى الخراب ليشبع رغباته الشخصية ويحقق ملذاته غير المشروعة، إلا أن إرادة الله كانت منصرفة إلى الإنسان المثال ممن يسعى إلى الخير والصلاح وقد أنجبت البشرية العشرات من الأمثلة المشرقة من أفراد ضربوا أروع الأمثلة على التفاني في سبيل الخير كالأنبياء والرسل والمصلحين وعباد الله الصالحين الذين لا تكاد الأرض تخلو منهم في كل زمان.
ومن نافلة القول ان الإحتراب من المشاكل الأزلية التي واجهت الإنسان من فجر الإنسانية الأول على سطح الكرة الأرضية، وهو بالعادة يأخذ صوراً وأشكالاً عدة في إطار ونطاق متباين، فلم تسلم منه حتى المجتمعات الصغيرة كالأسرة والعشيرة أو القبيلة سببه الأبرز الحقد والحسد والأمراض الدفينة التي تغذيها المطامع، فهنالك دائماً وأبداً تصارع بين الإرادات، وإلى هذا المعنى أشار الإمام الراحل آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي في كتابه القيم الموسوم بـ(فقه السلم والسلام) فهو يشخص السبب الرئيس لما تقدم بأنه ناتج ((في إطار تناقض المصالح، فتنشأ الحروب، والثورات، والإضرابات، والمظاهرات، وكل ما تقدم من أسباب اللجوء إلى العنف))، فالبشرية بأمس الحاجة إلى تطبيق قانون عادل يصاغ في ضوء المصالح المعتبرة التي تلتقي عندها كل الحضارات والثقافات بوصفها القواعد المعيارية أو النموذجية لإرساء ثقافة السلام والعيش المشترك، وحينها فقط يمكننا القول إننا كمجتمعات مسلمة ما أحوجنا ان نكون مثال في إتباع القيم السماوية التي تضمنتها الشريعة المحمدية الغراء وما أراد منا الله لنعمر الأرض ولينتشر حينها الأمن والسلام مصداقاً لقوله تعالى ((وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ))، وقوله تعالى ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ)).
فمن ثمار السلم أن يأمن الإنسان على نفسه وماله ودينه، ولعله من متطلبات الحياة الحرة الكريمة التي تتميز بالاستقرار، بيد ان ما تقدم غاية تبدو بعيدة المنال في ضوء الصراعات التي نراها اليوم بأم العين بين الدول والمحاور التي تتشكل والصراع الأيدلوجي الذي ما أن يخفت في زاوية حتى يستعر في زوايا مختلفة وما أن يمر يوم إلا وتسمع الوقائع المؤلمة التي تدمي القلب بسبب الحروب والصراعات، فالموارد التي أوجدها الله تعالى على الأرض وفي باطنها تكفي لإضعاف بني البشر المتواجدين حالياً على الكوكب بيد إن الاستئثار والاستبداد ما لبث ان يقول كلمته الفصل في تأجيج الحروب وترويع الآمنين بالاستيلاء على ثرواتهم ونهب خيراتهم ولنا فيما يحصل في القارة الأفريقية الدليل الأبلغ لما تقدم.
وحين نقف عند مقاصد التنظيم الدولي الذي أعقب الحرب العالمية الثانية نتذكر أن الدول قد أدركت أن الاستبداد والدكتاتورية والمطامع الذاتية والأمراض الشخصية التي تطال بعض الحكام وذوي النفوذ من المسببات الرئيسة للفظائع، لذا ورد في مقدمة ميثاق الأمم المتحدة أنه ((نحن شعوب الأمم المتحدة وقد آلينا على أنفسنا أن ننقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب التي في خلال جيل واحد جلبت على الإنسانية مرتين أحزاناً يعجز عنها الوصف، وأن نؤكد من جديد إيماننا بالحقوق الأساسية للإنسان وبكرامة الفرد وقدره وبما للرجال والنساء والأمم كبيرها وصغيرها من حقوق متساوية، وأن نبيّن الأحوال التي يمكن في ظلها تحقيق العدالة واحترام الالتزامات الناشئة عن المعاهدات وغيرها من مصادر القانون الدولي)).
لكن هل فعلا تحول الشعار السابق إلى واقع عملي ملموس؟ لا تصعب الإجابة عن السؤال المتقدم فالدول الكبرى (الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وانكلترا والصين وفرنسا) ممن تعاقدا في سان فرانسيسكو في مؤتمر الأمم المتحدة العام 1945، وأوجدوا منظمة الأمم المتحدة لحفظ الأمن والسلم الدوليين، هم أكثر الدول انتهاكاً لحقوق الدول والشعوب الضعيفة والمغلوبة على أمرها بل هذه الدول مسؤولة عن (90%) من الفظائع التي نراها كل يوم بأم العين، ويشير المرحوم الشيرازي إلى هذا المفهوم في الكتاب المنوه عنه أعلاه ((إن الحياة صارت ضيقة إلى أبعد الحدود، فصار الكل يريد الخير لنفسه ويريد إبعاد كل الشر عنها، فتصادمت المصالح في إرادة الاستحواذ)).
ومن البديهي عند الحديث عن السلم والسلام والتساؤل عنه أهو حق أصيل أم مشتق من غيره؟ وهل ينهض مستقلاً أم يقوم بغيره؟ والجواب عندنا أنه حق أصيل لما له من دور في حياة الدول والمجتمعات الإنسانية والأفراد في مختلف أصقاع العالم، فالنمو والازدهار رهن بتحقق السلام والعيش الكريم والاستقرار والرفاه وغيرها من العناوين الفرعية المتعلقة بالسلام ولا يمكن بحال من الأحوال ان تتحقق بدون ان يعم ويعلو صوت العقل والمنطق على صوت التشدد والظلام والحروب والتدمير والهدم، وحينها ندرك الفلسفة التي يتبناها ويؤكد عليها السيد الشيرازي في تراثه العلمي ويرى ان ثقافة اللاعنف هي الأصل بوصفها العلاج الحقيقي للأمراض التي انتابت البشرية وأفضت إلى شقائها، فحين يؤمن الجميع بأن الوسيلة الوحيدة للحكم والوصول إلى سدة السلطة عبر الوسائل الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، والشعور بحتمية المساواة في الحقوق والحريات بين الناس جميعاً، وضرورة توفير الحريات المدنية والسياسية الحقيقية وليست الجوفاء أو الظاهرية فحسب، فكل ما تقدم من المتطلبات يعد أساسياً وليس ترفاً فكرياً بل هي جميعاً ضرورة حتمية لقيام مجتمع متماسك، ولفت المرجع الشيرازي رحمه الله في كتابه إلى أهم العوامل التي مكنت الدين الإسلامي من صنع مجتمع متماسك ينعم بالأمن والأمان وأهمها:
أولاً: التأكيد على ثقافة التسامح وقبول الأخر يقول تعالى ((فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)).
ثانياً: صيانة حقوق وحريات الأقليات الدينية يقول تعالى ((لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْـمُقْسِطِينَ)).
ثالثاً: حرية الدين والعقيدة والعمل والتجارة يقول تعالى ((لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)).
رابعاً: الأصل في الدعوة الإسلامية هي تقديم النموذج الصالح للفرد ولنظام الحكم ليكون صرحاً حقيقاً وتطبيقاً فعلياً للإسلام بالعمل وليس القول فحسب يقول سبحانه ((إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ)).
خامساً: الوفاء بالعهد والميثاق يقول جل شأنه ((وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا)).
فالهدف الأساسي في الدين الإسلامي هو تهذيب الإنسان بالتركيز على المقومات المعنوية والروحية التي من شأنها ان تجعل الفرد قادر على التعايش السلمي مع الآخرين في جميع الظروف العادية منها أو الاستثنائية والعلة الواضحة ان الإنسان كلما تقدم في مراتب الحضارة المادية كلما زاد توحشاً وسال لعابه لما عند الآخرين وسعى للهيمنة عليهم لضمان تفوقه المادي والحضاري والعلمي فإن لم يكن هنالك وازع ذاتي يصده عن ذلك تحول إلى ذئب ينهش أخوه الإنسان.