أسلوب التطوير الذاتي.. قراءة تحليلية لسيرة الإمام الشيرازي

علي الموسوي

2026-02-15 04:19

ليست السِّيرة الذَّاتية في حياة الشَّخصيات الرِّساليَّة الكبرى سردًا استرجاعيًّا لوقائع انقضت، ولا هي تدوينًا لذكريات شخصيَّة تُستعاد على هامش التَّاريخ؛ إنَّها مدخلٌ منهجي لفهم التكوين الذَّاتي التي تشكَّلت في داخل تلك الشَّخصيَّة، والرَّكائز التي حملت مشروعها حتَّى غدا ممتدًا عبر الأزمنة والأمكنة. فحين تُقرأ السِّيرة قراءة تحليليَّة ناقدة، تتحوَّل إلى حقلٍ كاشف عن شروط التَّكوين، وعن المراحل الدَّقيقة التي انتقل فيها الفرد من طور الاستعداد إلى طور الفاعليَّة، ومن دائرة الإمكان الكامن إلى ساحة التَّأثير.

 انطلاقًا من هذا الأفق، يظهر كتاب (عشت في كربلاء) لآية الله العظمى سماحة السيِّد محمَّد الشيرازي (قدِّس سرُّه) بوصفه نصًّا يتجاوز حدود التَّوثيق الشَّخصي. إنَّه قراءة لكيفية تشكُّل الوعي الرِّسالي في بيئة ذات رمزيَّة مقدَّسة. فكربلاء لا تُفهم على أنَّها حيِّزٌ مكانيٌّ محدود، وإنَّما هي فضاءٌ تتراكم في ذاكرته واقعة عاشوراء باعتبارها حدثًا مؤسِّسًا للوعي، ومصدرًا دائمًا لإعادة إنتاج المعنى. والعيش في مثل هذه البيئة يعني الارتباط والتَّواصل برمزٍ متجدِّد، واستبطان خطابٍ يحوّل الذَّاكرة إلى طاقة دافعة نحو الفعل.

 ومن هنا يبرز السُّؤال الجوهري المتصل بآليات التَّحول: كيف تشكَّل ذلك الانتقال من شابٍّ طالب علمٍ في أزقة مدينة محدَّدة إلى صاحب مشروع فكري ومؤسسي عابر للحدود؟

 ما الذي نقل التَّجربة من إطارها المحلي إلى أفقٍ إنساني أوسع؟

 وأيُّ منظومة مكَّنت هذا الامتداد من أن يحافظ على تماسكه عبر التَّحولات السِّياسيَّة والاجتماعيَّة؟

يمكن صياغة الجواب عبر مستويات متداخلة، يتكامل كلُّ واحدٍ منها مع الآخر في تشكيل الصُّورة الكليَّة.

المستوى الأوَّل: يتصل بالوعي المبكر. فالنَّشأة في كربلاء المقدَّسة تُنشئ علاقة بين التَّاريخ والحاضر؛ وتتداخل الذَّاكرة الدِّينيَّة مع تفاصيل الحياة اليوميَّة، فيكبر الفرد وهو يستشعر أنَّ الحدث العاشورائي معيار يُقاس عليه الموقف المعاصر. وهذا الامتزاج بين الرَّمز المقدَّس والواقع يُكوِّن عقلًا يرى في كلِّ واقعة بُعدًا إصلاحيًّا، ويستحضر في قراراته اليوميَّة صدى الموقف الحسيني. وبهذا يتشكَّل إدراك مبكر للرِّسالة بوصفها امتدادًا لا انقطاعًا، ومسارًا يتطلَّب حضورًا واعيًا لا حيادًا سلبيًّا.

المستوى الثَّاني: يتمثَّل في الانضباط المعرفي الذي طبع التَّكوين الحوزوي. فالدِّراسة في الحوزات العلميَّة بناء تدريجي لذات علميَّة قادرة على التَّحليل والاستنباط، وعلى قراءة الواقع في ضوء النَّص. ولقد شكَّلت القراءة الواسعة، والمداومة على الكتابة، والانخراط في قضايا العصر، مسارًا منهجيًا لتحويل المعرفة إلى مشروع فكري متكامل. ومع تراكم هذا الجهد، غدا الدَّرس منطلقًا للتَّأليف والتَّنظير وصياغة رؤى عامَّة تتجاوز حدود الحلقة الدِّراسيَّة إلى فضاء الأمَّة.

أمَّا المستوى الثَّالث: فيتجلَّى في الحس المؤسسي الذي ميَّز التَّجربة. فالفكرة في ذاتها، مهما بلغت قوَّتها النَّظرية، تبقى عرضة للتَّلاشي ما لم تجد إطارًا يحفظها وينظم حركتها. ومن هنا اتَّجه الفكر إلى التَّشكل في مؤسَّسات ومراكز وحركات اجتماعيَّة، تعكس وعيًا بأنَّ الرِّسالة تحتاج إلى مقوِّمات تنظيميَّة تضمن استمراريتها وتوسِّع أثرها. وهذا الانتقال من المفهوم إلى المؤسسة يكشف عن بُعدٍ عمليٍّ في الشَّخصيَّة، حيث يلتقي العمق العلمي بإرادة الحركة، ويتكامل التَّنظير مع التَّخطيط والتَّنفيذ.

 وبهذا المنظور، يصبح كتاب (عشت في كربلاء) نصًّا يكشف عن معادلة دقيقة في صناعة الشَّخصية الرِّساليِّة: بيئة مشبعة بالقيم، ووعي تاريخي يستبطن الرَّمز ويستحضره في الحاضر، وتحصيل علمي رصين يُنتج رؤية متماسكة، وإرادة تنظيميَّة تنقل الفكرة من حيِّز التَّأمل إلى فضاء الواقع. ومن خلال هذا التَّفاعل المركَّب يمكن فهم كيف تحوَّل طالب علمٍ نشأ في أزقة مدينة مقدَّسة إلى مشروع فكري ومؤسسي واسع الامتداد، استطاع أن يتجاوز الإطار المحلي من دون أن يفقد جذوره الأولى.

أوَّلًا: إعادة تعريف المفاهيم.

 عندما يفتتح الإمام الشيرازي (قدِّس سرُّه) حديثه عن كربلاء المقدَّسة بقوله: "لم أرَ فيها إلَّا الخير والسَّعادة والتَّقدُّم" (1)، في مرحلة لم تكن خالية من التَّضييق والمضايقات، فإننا نكون أمام موقف معرفي يعكس منظومة ذهنيَّة مختلفة في قراءة الواقع. فالعبارة لا تصف الظُّروف بقدر ما تكشف عن طريقة فهمها؛ فهي تعلن انتقالًا من المعايير الشَّائعة في تقييم الأحداث إلى معيار رسالي يعيد ترتيب الأولويات من جذورها.

 وضمن هذا المنظور، لا يُختزل الخير في الرَّفاه أو في انسيابيَّة الطَّريق، ولا يُقاس بمدى انسجام الظُّروف مع رغبات الإنسان وتوقعاته؛ إنَّما يُفهم بوصفه كلَّ ظرف يفتح أفقًا لأداء التَّكليف، ويهيّئ مساحة لخدمة الغاية العليا. ومن هنا يكتسب استحضاره للدعاء: "اللَّهُمَّ أَدْخِلْنِي فِي كُلِّ خَيْرٍ أَدْخَلْتَ فِيه مُحَمَّداً" (2). دلالة منهجيَّة؛ إذ يُفهم الخير على أنَّه مسار الاقتداء، ولو اقترن بالتَّحدي أو الامتحان. وبهذا التَّحويل المفاهيمي، يُقرأ الابتلاء بوصفه جزءًا من مسار التَّزكية ما دام متصلًا بالثَّبات على المبدأ.

 وهذا التَّحول في تعريف المفهوم يمثِّل قاعدة تأسيسيَّة في بناء الشَّخصيَّة. فإعادة ضبط المصطلحات تعني إعادة توجيه الإرادة. والإنسان الذي يحصر معنى الخير في الرَّاحة سيجد نفسه في صراع دائم مع الواقع كلَّما تعثَّر الطَّريق، وسينظر إلى كلِّ مشقَّة بوصفها خسارة. أمَّا من يوسِّع الدَّائرة لتشمل ما يربي النَّفس ويقوّي العزم ويعمِّق الوعي، فإنَّه يتعامل مع الصُّعوبات باعتبارها لحظات اختبار تُنمِّي القدرة النَّفسيَّة وتكشف مكامن القوَّة. وعند هذه النقطة يتحوَّل من متلقٍ للظروف إلى فاعلٍ يعيد تشكيلها وفق رؤيته.

 إنَّ تحرير المفاهيم من القراءة الانفعاليَّة يمنح صاحبه توازنًا لافتًا؛ فالألم لا يتحوَّل إلى سبب للانهيار، والمعارضة لا تنقلب إلى عائق نفسي دائم. وحين يُعاد تعريف (الخير) على أساس الرِّسالة، تصبح التَّجربة -مهما ضاقت- ساحةً لإعادة إنتاج الذَّات. وبهذا الوعي أمكن تحويل المرحلة الكربلائيَّة، بما حملته من تحديات، إلى فضاءٍ للتَّزايد العلمي والحركي؛ لأنَّ التَّحصين المفاهيمي سبق التَّحرك الخارجي.

 ومن هنا يمكن القول: إنَّ المشروع لم يبدأ من تأسيس مؤسَّسة، ولا من إصدار كتاب، وإنَّما بدأ من إعادة ضبط الاتِّجاه في داخل النَّفس. فالمفاهيم هي التي تحدِّد الاتِّجاه، والاتِّجاه هو الذي يصوغ المسار. ومن أحكم تعريفاته امتلك قدرته على الثَّبات، ومن ثبت على اتِّجاهه استطاع أن يصنع أثرًا يتجاوز لحظته التَّاريخيَّة ليغدو ممتدًا في الزَّمان.

ثانيًا: ثلاثية (الحقيقة والصَّبر والرِّفق).

 حين يحدِّد الإمام الشيرازي منطلقاته بقوله: "أمَّا المواقع التي كنت أنطلق منها فهي: تحرِّي الحقيقة، والصَّبر، والرِّفق" (3)، فهو يكشف عن تركيبة جوهريَّة حكمت مساره الفكري والحركي. إنَّها ثلاثيَّة مترابطة تشكِّل نظام توازن يحول دون الانزلاق إلى أحد طرفي الإفراط أو التَّفريط.

 إنَّ تحرِّي الحقيقة يمثِّل البعد المعرفي في شخصيته؛ فهو التزام بالبحث عن الصَّواب بعيدًا عن المجاملة أو الانفعال. ومن دون هذا الرُّكن، يفقد الإنسان بوصلته، ويتحوَّل نشاطه إلى حركة بلا معيار. والمقصود بالحقيقة هنا مرجعيَّة دائمة تُقاس بها المواقف، ويُعاد النَّظر عبرها في الاجتهادات. وهذا الارتكاز يمنح صاحبه ثباتًا مبدئيًا، فلا يتلوَّن تبعًا للضُّغوط أو الحسابات الظَّرفيَّة.

 غير أنَّ التَّمسك بالحقيقة وحده لا يكفي إن لم يُدعَّم بالصَّبر. فالمشاريع الرِّسالية لا تنضج في لحظة، ولا تُثمر في أجواء مثاليَّة. والصَّبر هو الطاقة التي تتيح الاستمرار على الرَّغم من التَّعثر، وهو القدرة على تحمُّل بطء النَّتائج، ومواجهة المعارضة من دون استعجال أو يأس. وبه يتحوَّل الزَّمن من خصمٍ إلى حليف؛ لأنَّ صاحبه يدرك أنَّ البناء العميق يحتاج إلى نفسٍ طويل.

 أمَّا الرِّفق، فهو البعد الإنساني في هذه المعادلة. فالحقيقة إن جُرِّدت من الرِّفق قد تتحوَّل إلى قسوة، والصَّبر إن خلا من اللين قد ينقلب إلى جمود. والرِّفق يفتح المجال لاحتواء المختلف، ويجعل الخطاب أقرب إلى القلوب. فهو وعي بأنَّ الناس ليسوا نسخًا متطابقة، وأنَّ الإصلاح يحتاج إلى مساحة رحبة تتَّسع للتَّباين.

 ويبلغ هذا المنهج ذروته في قاعدته العمليَّة: "ينتظرون منك كلَّ شيءٍ، ولا تنتظر من أحد شيئًا، ويقولون فيك كلَّ سوء ولا تقل في أحد سوءًا" (4). وهنا يتجلَّى التَّحرُّر النَّفسي بأوضح صوره؛ فالتَّوقعات الثَّقيلة هي أحد أكبر مصادر الإحباط، وردّ الإساءة بالإساءة يُبقي الإنسان أسير دائرة ردود الفعل. أمَّا حين يتحرَّر من انتظار المقابل، ويكفّ عن مقابلة الخطأ بمثله، فإنَّه يستعيد سيادته على ذاته.

 إنَّ هذا النَّوع من التَّحكم يمنح الشَّخصيَّة استقلالها؛ فلا تهتز أمام نقد، ولا تتوقف بسبب جفاء، ولا تنجرّ إلى معارك جانبيَّة تستنزف طاقتها. فهي شخصيَّة تتحرك من مركزها، لا من ضغط الخارج. وهكذا تتحوَّل ثلاثية "الحقيقة والصَّبر والرِّفق" من عناوين نظريَّة إلى منهج حياة يصوغ الفكر والسُّلوك، ويهيّئ صاحبه لامتدادٍ يتجاوز حدود اللحظة والظَّرف. 

ثالثًا: التَّكوين العلمي الموسوعي.

 عند قراءة المسار العلمي للإمام الشيرازي تظهر أمامنا رؤية تربويَّة عميقة لا تختزل التَّحصيل في إطار تخصصي ضيِّق، ولا ترضى بالاقتصار على مسار تقليدي مألوف. "فقد تتلمذ على أكثر من مائة أستاذ، وتنقَّل بين حقول معرفيَّة متنوّعة تبدأ من الفقه والأصول، وتمرّ بعلم المنطق والفلسفة، ولا تنتهي عند حدود الجغرافيا والهندسة واللغات" (5). وهذا الامتداد المعرفي لم يكن تراكمًا عرضيًّا لمعلومات متفرقة، وإنَّما تأسيسٌ واعٍ لأصول فكريَّة واسعة الأفق، قادرة على قراءة الواقع المركَّب، وفهم تشابكاته، ومقاربة إشكالاته الكبرى من زوايا متعدِّدة.

 إنَّ العقل الذي يُدرَّب على التنقُّل بين الحقول المختلفة، يكتسب مرونة تحليليَّة، وقدرة على الرَّبط بين الظَّواهر، واستعدادًا لإعادة تركيب المعطيات ضمن رؤية متكاملة. وهكذا يتكوَّن وعيٌ لا ينغلق في دائرة اصطلاح واحد، ولا يُحاصر داخل مدرسة فكريَّة محددة؛ بل يمتلك أدوات النَّظر المقارن، والقدرة على استحضار الخلفيات التاريخيَّة والمنهجيَّة عند معالجة أيِّ مسألة. وفي ضوء ذلك، يصبح التنوّع المعرفي ضرورة منهجيَّة لإنتاج فكر متوازن، لا يضيق بأبعاد الواقع ولا يختزله في بُعدٍ واحد.

 "وتكشف مرحلة حفظه للمتون العلميَّة الكبرى؛ من الألفية إلى المطوَّل والتَّهذيب" (6)عن وعي مبكر بأهميَّة التَّأسيس العميق للملكة العلميَّة. فالحفظ في التَّجربة الحوزويَّة الرَّصينة يُراد منه ترسيخ الأسلوب اللغوي والمنطقي في الذِّهن، حتَّى تصبح المفاهيم حاضرة عند الاستدعاء، وتتحوَّل القواعد إلى أدوات جاهزة للاستخدام في التَّحليل والاستنباط. ومن هنا تنشأ ملكة اجتهاديَّة تتأسس على أرضيَّة صلبة، فلا يكون الرَّأي العلمي وليد انطباع عابر، وإنَّما ثمرة تراكم منظم واستيعاب راسخ.

 وإذا أردنا توصيف منهجه في بناء الذَّات، أمكن القول إنَّه يقوم على حركتينِ متعاقبتينِ ومتكاملتينِ: مرحلة التشبُّع المعرفي، ومرحلة الإفاضة الإنتاجيَّة. في المرحلة الأولى، ينكبُّ الطَّالب على المصادر، يقرأها قراءة تحليليَّة، ويستوعب مبانيها، ويدخل مناهجها في تفكيره، حتَّى تتكوَّن لديه شبكة مفاهيميَّة متماسكة. وهنا يتقدَّم الفهم على التَّعبير، ويتأخر الكلام إلى أن تنضج الرُّؤية. أمَّا في المرحلة الثَّانية، فإنَّ المعرفة المتراكمة تتحوَّل إلى مشروع، تظهر في مؤلفات، ودروس، ومبادرات مؤسسيَّة، وخطاب موجه إلى المجتمع. وبهذا الانتقال، ينتشر العلم من حيِّز الذَّات إلى الفضاء العام، ويصبح قوَّة فاعلة في تشكيل الوعي الجمعي.

 إنَّ التَّكوين الموسوعي، وفق هذا النموذج يعني بناء أفق معرفي رحب يقوم على أساس متين من التَّخصص الدَّقيق. ومع تراكم الخبرة في التَّأليف والتَّنظيم، تتبلور شخصيَّة علميَّة قادرة على القيادة الفكريَّة والاجتماعيَّة، وتنطلق من مرحلة التَّأسيس المتين إلى مرحلة التَّأثير الواسع؛ حيث يتحوَّل العالِم من متلقٍ للمعرفة إلى صانعٍ للاتِّجاهات، ومن دارسٍ للنُّصوص إلى موجّهٍ للواقع.

رابعًا: ثقافة المجالس وتوسيع الحسِّ الاجتماعي.

 حين يشير الإمام الشيرازي إلى "حضوره ما يقارب ألف مجلس سنويًا" (7)، فإنَّ الرَّقم يُقرأ باعتباره مؤشرًا على خيار منهجي في الاندماج الواعي بالمجتمع. وهذا الحضور الكثيف يكشف عن إدراك عميق لوظيفة المجلس الحسيني، لا بوصفه مناسبة عاطفيَّة موسميَّة، وإنَّما بوصفه حيِّزًا تفاعليًّا تتشكَّل فيه الأفكار، وتُختبر فيه اللغة، وتُبنى عبره العلاقات.

 فالمجلس في هذا التَّصور يتحوَّل إلى مساحة رصد اجتماعي بامتياز. وعن طريقه يمكن ملامسة تحولات المزاج العام، والتَّعرُّف على أسئلة النَّاس الفعليَّة، واستيعاب تنوّع اتجاهاتهم وتطلعاتهم. 

وبعبارة أخرى: إنَّه فضاء تتقاطع فيه طبقات المجتمع، وتتجاور فيه الخلفيات الثَّقافيَّة، ما يتيح لمن يحسن الإصغاء أن يبني صورة مركَّبة عن الواقع، بعيدة عن التَّجريد النَّظري المنعزل. وبهذا المعنى، كانت المشاركة ممارسة واعية لصياغة خطابٍ يتفاعل مع الجمهور ويتأثَّر به في آنٍ واحد.

 لقد عمَّق هذا التَّواصل المستمر مع النَّاس لديه حسًّا اجتماعيًا متينًا. فالفهم لا يتكوَّن من خلال القراءة فقط، وإنَّما من خلال المعايشة. وحين تتكرر اللقاءات وتتعدَّد السِّياقات، تتبلور قدرة على تمييز الأولويات، وعلى قراءة ما وراء الكلمات، وعلى إدراك الفوارق الدَّقيقة بين فئةٍ وأخرى. وهذه الخبرة التَّراكميَّة انعكست لاحقًا في قدرته على إدارة مؤسَّسات متعدِّدة، وفي صياغة خطاب يجمع بين وضوح الفكرة ومراعاة الواقع، وبين المبدأ ومتطلبات المرحلة.

 من هنا يتضح أنَّ مشروع تطوير الذَّات لديه لم يكن قائمًا على الانكفاء داخل دائرة البحث والدِّراسة وحدها. فقد اقترن العمق العلمي بانفتاح اجتماعي واسع، وارتبط التَّكوين المعرفي بتجربة ميدانيَّة مباشرة. وهذا التَّوازن أتاح له أن يجمع بين النَّظريَّة والتَّطبيق، وأن يبني جسورًا بين الفكرة والنَّاس، بحيث لا تبقى الرُّؤية حبيسة الصَّفحات، ولا ينفصل العمل المؤسسي عن حاجات المجتمع الفعليَّة.

خامسًا: من الفرد إلى المؤسَّسة.

 من الملامح اللافتة في تجربة الإمام الشيرازي أنَّه لم يطل الوقوف عند حدود الفعل الفردي، على الرَّغم ممَّا يمتلكه من طاقة علميَّة وتأليفيَّة واسعة. "فقد بادر في وقت مبكر إلى تأسيس كيانات علميَّة على أرض الواقع: مدرسة الإمام الصَّادق (عليه السلام)، والمكتبة الجعفريَّة، ومجلة "أجوبة المسائل الدِّينيَّة"، والجمعيَّة الخيريَّة الإسلاميَّة، وغيرها" (8). وكانت هذه المبادرات تمثِّل مؤشرات على وعي يتَّجه نحو البناء المنظَّم. ومع اتِّساع الرُّؤية، تطوَّر هذا المسار إلى مؤسَّسات كبرى امتدت بفروعها، وتجاوز إنتاجها حدود الآلاف إلى مئات الآلاف، وربما الملايين من النسخ المتداولة.

 إنَّ هذا التَّحول يعكس إعادة تعريف لمفهوم تطوير الذَّات. فالمعرفة التي تبقى حبيسة الذِّهن، مهما بلغت قيمتها، تظل محدودة الأثر. أمَّا حين تتحوَّل الذَّات إلى نقطة انطلاق قادرة على إعادة إنتاج المعرفة وتوزيعها، فإنَّ الأثر يتضاعف ويتجاوز حدود العمر الفردي. لذلك عمل (قدِّس سرُّه) على إنشاء منظومة نشر تضمن وصول الفكرة إلى أوسع شريحة ممكنة. ولم يتوقف عند التَّدريس المباشر، وأسَّس مدارس وهيئات شبابيَّة تفتح المجال أمام أجيال جديدة لتتكوَّن وتتحمل دورها.

 لقد أدرك الإمام الشيرازي أنَّ العمل الجماعي المنظم يملك قدرة لا يحقِّقها الجهد الفردي مهما بلغ. والمؤسَّسة هنا آلية لحفظ الرِّسالة من التَّشتت، وضمان استمرارها عبر الزَّمن؛ لأنَّها تنقل الفكرة من طور المبادرة الشَّخصيَّة إلى مستوى المشروع القابل للتَّوسع، وتحوّل الطَّاقة الفرديَّة إلى قوَّة اجتماعيَّة متجدِّدة.

سادسًا: اقتصاد الوقت وكثافة الإنتاج.

 حين نطالع حجم النتاج الذي قدَّمه الإمام الشيرازي خلال سنوات إقامته في كربلاء المقدَّسة، "ما يقارب ثلاثمائة كتاب، إلى جانب تدريسه الفقه والأصول، وإدارته للحوزة العلميَّة، وخوضه سجالات فكريَّة وسياسيَّة متعدِّدة" (9) ـ سنجد أنفسنا نقف أمام نمطٍ خاص في التَّعامل مع الزَّمن. فهذا التَّراكم لم يكن نتيجة فراغ أو ظرف استثنائي، وإنَّما حصيلة انضباط صارم، ورؤية واضحة تجعل من كلِّ لحظة عنصرًا فاعلًا في مشروع متكامل.

 إنَّ إدراك قيمة الدَّقيقة الواحدة ينعكس في طريقة توزيع الجهد، وفي القدرة على الانتقال المنظم بين مهام متعدِّدة دون فقدان التَّركيز. ومن هنا تبدو كثافة الإنتاج انعكاسًا لذهنيَّة تعرف أولوياتها، وتربط بين التَّخطيط الطَّويل المدى والعمل اليومي الدؤوب. فكل نشاط -تدريسًا كان أو تأليفًا أو إدارة- يُدرج ضمن رؤية أوسع تسعى إلى بناء أثر ممتد. 

لقد كانت الكتابة عند الإمام الشيرازي ممارسة واعية ضمن ساحة المواجهة الفكريَّة، ووسيلة لصياغة الوعي العام، وأداة لتثبيت المفاهيم، ومنبر لمخاطبة شرائح لا يمكن الوصول إليها بالحضور المباشر. وبهذا المعنى، تحوَّل التَّأليف إلى شكل من أشكال الجهاد المعرفي؛ إذ تُستثمر الكلمة في تحصين المجتمع وتوسيع مداركه. ومن ثمَّ يصبح الإنتاج الغزير نتيجة طبيعيَّة لشعور دائم بأنَّ الرِّسالة تتطلَّب حضورًا مستمرًا في المجال العام.

 وهذا النَّمط من إدارة الوقت يكشف عن إمكانية الجمع بين تعدُّد المسؤوليات من دون الوقوع في التَّشتت. فالتَّوازن يتحقَّق بحسن تنظيمها وربطها بهدف جامع. وحين تتوحد الغاية، تتكامل الجهود بدل أن تتزاحم. من هنا يمكن النَّظر إلى سيرته بوصفها نموذجًا عمليًا لما يمكن تسميته بالاستثمار الرسالي للزَّمن؛ إذ تتراكم الأعمال الصَّغيرة لتصنع أثرًا واسعًا، ويتحوَّل الانضباط الشَّخصي إلى قوَّة تأثير تتجاوز حدود المرحلة والمكان.

سابعًا: عقلانيَّة الموقف السِّياسي.

 على الرَّغم من حضوره الفكري الواضح في الشَّأن السِّياسي، وما كتبه من رؤى تنظيريَّة في هذا المجال، وما خاضه من معارك سياسيَّة، فإنَّ موقف الإمام الشيرازي من مسألة استخدام القوَّة يكشف عن مستوى عالٍ من الاتزان الاستراتيجي. فقد امتنع عن اللجوء إلى السِّلاح مع توفُّر بعض مقوِّماته (10)، إدراكًا لما قد يترتب على ذلك من انزلاق إلى صراع واسع، تتضاعف فيه الخسائر وتضيع فيه الأولويات. وهذا القرار لا يمكن فهمه إلَّا في إطار عقلٍ يقدِّر المآلات قبل أن يستجيب للاندفاعات.

 إنَّ الامتناع عن خيارٍ متاح أحيانًا يتطلَّب شجاعة أكبر من الإقدام عليه؛ لأنَّه يستلزم قدرة على كبح الحماسة، وضبط الانفعال الجمعي، وتحمل تبعات قرار قد يبدو، في لحظته، أقل إرضاءً للعاطفة. وهنا تتجلَّى إحدى خصائص القيادة النَّاضجة: الموازنة الدَّقيقة بين الهدف والوسيلة، وبين المكسب القريب والنَّتيجة البعيدة. فليست كلُّ وسيلة قادرة على تحقيق الغاية صالحة للاعتماد، إذا كانت كلفتها الاجتماعيَّة تتجاوز حدود الاحتمال.

 وهذا الموقف يكشف أنَّ تطوير الذَّات القياديَّة يرتبط بملكة تقدير العواقب. فالقيادة قراءة مركبة لعناصره، واستشراف لاحتمالاته، واختيار المسار الأقل ضررًا والأكثر حفاظًا على وحدة المجتمع. وحين تتقدَّم المصلحة العامَّة على الرَّغبات الآنية، يتبيَّن أنَّ القرار صادر عن وعي رسالي، لا عن حساب شخصي.

 من هذا المنظور، تغدو العقلانيَّة عنصرًا محوريًّا في أيِّ مشروع إصلاحي مستدام. فالقوَّة قد تُحدث أثرًا سريعًا؛ لكنَّها لا تضمن استقرارًا طويل الأمد إذا لم تُحط بإطار من الحكمة. أمَّا القرار الذي ينبع من رؤية متأنيَّة، فيؤسِّس لشرعيَّة تدعم الثِّقة وتمنح المشروع قدرة على الاستمرار. وهكذا يصبح موقفه السِّياسي مثالًا عمليًّا على أنَّ الرُّشد في التَّدبير، وضبط النَّفس في لحظات التَّوتر، يشكِّلان حجر الأساس في صناعة تأثير إيجابي متوازن، يحفظ المجتمع من الانقسام، ويفتح أمامه أفق الازدهار المتدرِّج.

ثامنًا: الثِّقة المعرفيَّة والانفتاح على أفكار الآخرين.

 تكشف مناظرة الإمام الشيرازي مع أحد المسيحيين (11) عن مستوى متقدِّم من الثِّقة المعرفيَّة المقترنة باتِّزان حواري لافت. فطريقة إدارته للنقاش انطلقت من بناء أرضيَّة استدلاليَّة مشتركة، حين قال: "ثمَّ أنَّه قد جرت بيني وبين جماعة منهم مناقشات جميلة، لا بأس أن أنقل إحدى تلك المناقشات، ليعلم النَّاس كيف يفكِّر هؤلاء. قال لي أحدهم: بأيِّ دليلٍ تقولون بنبوة محمَّد؟

قلت: بنفس الدَّليل الذي تقولون به للاستدلال على نبوَّة المسيح.

قال: دليلنا معاجز المسيح.

قلت: دليلنا أيضًا معاجز محمَّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم).

قال: من أين تثبتون أنَّ لمحمَّدٍ كانت معاجز؟

قلت: أنتم من أين تثبتون أنَّه كانت لعيسى معاجز؟

قال: بالتَّواتر.

قلت: نحن أيضًا نثبته بالتَّواتر" (12). وبهذه الصِّيغة، نقل الحوار من دائرة المواجهة إلى دائرة المقارنة المنهجيَّة، معتمدًا على منطق متماسك بدل الاتِّكاء على خطاب انفعالي.

 وهذا الأسلوب يعكس عقلًا يثق بأدلته فلا يحتاج إلى رفع نبرة الصَّوت، ويدرك أنَّ قوَّة الحجَّة تُغني عن حدَّة العبارة. كما يُظهر وعيًا بأهميَّة احترام طريقة التَّفكير لدى الطَّرف المقابل، من دون أن يساوم على ثوابته. فالحوار هنا سعيٌ لتوضيح الرُّؤية عن طريق أدوات معرفيَّة رصينة.

 ومن هذه التَّجربة يمكن استخلاص مبدأ محوري في بناء الذَّات، وأنَّ الشَّخص الذي يمتلك يقينًا مدروسًا لا يشعر بالتَّهديد أمام الرَّأي المخالف، ويتعامل معه بوصفه مناسبة لاختبار حججه وصقل منطقه. أمَّا من يفتقر إلى الثقة، فإنَّه يميل إلى الانغلاق أو التَّصعيد. 

 ويتجلَّى في هذا النَّهج توازن دقيق بين الصَّلابة والمرونة: صلابة في حفظ الأصول، ومرونة في طريقة العرض والتَّواصل. وبهذا يتحوَّل الحوار من ساحة تنازع إلى مساحة تبادل معرفي، ويُستثمر النِّقاش في تثبيت المفاهيم وتوسيع المدارك. خاصَّة وإنَّه نمط يربط بين العلم والأخلاق، ويجعل من كلِّ مواجهة فكريَّة فرصة لإعادة ترتيب الأفكار وتعميق الفهم.

تاسعًا: البيئة الصَّالحة.

 يؤكِّد الإمام الشيرازي في أكثر من مناسبة أنَّ إنجازاته ما كانت لتتحقق لولا بركة الإمام الحسين (عليه السلام)، "وهمَّة أهالي كربلاء" (13). وهذه الإشارة تتجاوز كونها مجرَّد تقدير شكلي، لتكشف عن إدراك دقيق لدور البيئة في إطلاق إمكانات الفرد وصقل طاقاته. فالنَّجاح الشَّخصي، مهما بلغت درجات الانضباط أو غزارة الموهبة، يظل محدود الأثر إذا لم يصاحبه وسط محفِّز يمد صاحبه بالدَّعم الرُّوحي والاجتماعي والفكري، ويحفِّزه على الاستمرار والإبداع. فالوسط الذي يحيط بالفرد -سواء أكان علميًّا، اجتماعيًّا، أم روحانيًّا- عامل فاعل في تشكيل الرُّؤية والقيم والسلوك. والتَّفاعل المستمر مع مجتمع حي بالعلم والدِّين يمنح الشَّخص مرونة في التَّفكير، وعمقًا في الفهم، ومقدرة على نقل المعرفة، فضلًا عن دفعه للمبادرة في الأعمال الصَّالحة؛ فحضور الفرد في مثل هذا الوسط يدعم إحساسه بأداء التَّكاليف، ويحفزه على أن يكون جزءًا من مشروع أكبر، تتكامل فيه الطَّاقات الفرديَّة مع الجهود الجماعيَّة.

 من هذا المنطلق، تتحوَّل البيئة من مجرَّد إطار عابر إلى حاضنة أساسيَّة للتَّطور الشَّخصي، ومصدر مستمر للتَّحفيز والإلهام. والوعي بهذه الحقيقة يجعل الاستثمار في الوسط الصَّالح والانخراط في مجتمعات إيجابيَّة جزءًا لا يتجزأ من مسار بناء الذَّات. 

 وبعد هذه الرِّحلة المثمرة نخلص إلى حقيقة مفادها: إنَّ دراسة سيرة الإمام الشيرازي من زاوية "أسلوب التَّطوير الذَّاتي" تكشف عن مشروع متكامل تتقاطع فيه عناصر البناء النَّفسي مع امتداد التَّأثير الخارجي. فمسيرته قامت على تحرير المفاهيم من القراءات السَّطحيَّة وإعادة صياغتها ضمن رؤية رساليَّة، وبناء قاعدة علميَّة موسوعيَّة، والانفتاح على النَّاس عبر المجالس والحوارات، والتَّحول من العمل الفردي إلى مؤسَّسات قادرة على الانتشار، مع ضبط صارم للوقت، وعقلانيَّة في اتِّخاذ المواقف السياسيَّة، وثقة معرفيَّة تمكِّنه من إدارة الحوار البنَّاء.

 إنَّه نموذج للعالم الرِّسالي الذي لا يكتفي بتطوير ذاته؛ ولكن يحوّلها إلى قوَّة مؤثِّرة في نفوس الآخرين، فتتجاوز آثاره حدود الزَّمن الفردي لتصبح امتدادًا ملموسًا في المجتمع والأجيال القادمة. ومن هذا المنطلق، تصبح قراءة سيرته أكثر من استعراض للتَّاريخ؛ إنَّها قراءة تحليليَّة ذات أبعاد تطبيقيَّة، ودراسة عمليَّة لمنهج صناعة الشَّخصيَّة الحوزويَّة المعاصرة. شخصيَّة تجمع بين العمق العلمي، والعمل المؤسسي، والحكمة، والانفتاح الاجتماعي، ما يمكِّن الفرد من أن يكون فاعلًا في الزَّمن والمجتمع، محافظًا في الوقت ذاته على ثبات رسالته وهويته الفكريَّة، وقادرًا على ترك أثر مستدام وراسخ.

* مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–Ⓒ2026

http://shrsc.com

..........................................

الهوامش:

1. عشت في كربلاء، سماحة المرجع الدِّيني السيِّد محمَّد الحسيني الشيرازي (ت: 1422ه)، النَّاشر: مكتبة هيئة الأمين (صلَّى الله عليه وآله)، الكويت، الطبعة: الثَّالثة، 1427هـ- 2006م: ص10.

2. الكافي (دار الحديث)، ثقة الإسلام محمَّد بن يعقوب الكليني (ت: 329هـ)، النَّاشر: دار الحديث للطباعة والنشر– قم، الطبعة: الأولى: ج٤، ص436.

3. عشت في كربلاء: ص12.

4. المصدر نفسه: ص12.

5. المصدر نفسه: ص17.

6. المصدر نفسه: ص16.

7. المصدر نفسه: ص19.

8. المصدر نفسه: ص31.

9. المصدر نفسه: ص45.

10. المصدر نفسه: ص52.

11. المصدر نفسه: ص50.

12. المصدر نفسه: ص51.

13. المصدر نفسه: ص63.

ذات صلة

ما هي البلوتوقراطية؟الغرض من الكشف عن وثائق ابستينثبات الراعي وأمان الرعية: حماية الأبناء من القلقانهيار صحيفة واشنطن بوست أصبح مشكلة عالميةلماذا سمح ترمب بزوال سُبُل الحد من التسلح النووي