عوامل العودة إلى مدارج الحضارة الإنسانية

رؤى من أفكار الإمام الشيرازي

شبكة النبأ

2026-02-09 03:39

(ليس المقصود بالكفاءة إطلاق الشعارات الخالية من المضمون) الإمام الشيرازي

تثبت الوقائع العالمية الجارية اليوم، بأن الدول التي ينقصها الإصلاح تبقى تسير في ركب التخلف، وتهبط إلى الحضيض يوما بعد آخر، وهذا ما يلزم النخب والكفاءات أن تتصدى لمهمة الإصلاح حتى تنقذ الدولة والمجتمع من المصير السيّئ الذي ينتظرها، فلا فائدة من دولة ينخرها الفساد وتسودها الفوضى، ويظلم فيها القوي الضعيف، وتغيب عنها العدالة والإنصاف، وتنتشر فيها آفة الاستحواذ على حساب الأكثرية.

فما هي المقومات المهمة التي يجب توفيرها حتى ترتقي الأمة، الشعب، الدولة، وحتى الفرد؟، إن أهم مقوّم يجب أن يتوفر للبدء بعمليات الإصلاح الواسعة، هو أن تكون هناك كفاءة عالية عند النخب المعنية، وتتولد لديها قدرات بمستوى حجم الإصلاح المطلوب، فالقضاء على الفساد يتطلب قدرات وكفاءات فاعلة، تخطط بشكل قويم وسليم ومن ثم تشرع في عملية الإصلاح بلا توقّف، وضمن خطط علمية عملية مدروسة بدقة وتخصص وذكاء.

الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، يقول في المجلد الضخم الذي يضم مجموعة من الأجزاء تجتمع فيها سلسلة من المقالات والمحاضرات القيِّمة ويحمل عنوان (القطوف الدانية الجزء الأول):

إنَّ (الكفاءة والقدرة هي من مقومات الإصلاح الاجتماعي، ومن أسباب ما نراه اليوم من كثرة للمشاكل في بلاد المسلمين، هو عدم القدرة والكفاءة القيادية).

ويتم التركيز هنا على أن الكفاءة يجب أن تكون متطابقة مع المعنى الدقيق لهذه الكلمة، لأن الكفاءة ليست ادّعاء أو كلمات فارغة من التنفيذ أو شعارات تتلاشى في الهواء، ولا يتم تنفيذها مطلقا، لذا يجب التنبّه من قبل الداعين للإصلاح لأن تأخذ الكفاءة دورها الصحيح، ولا يتم الاكتفاء بالتصريحات وإطلاق الوعود لأغراض مصلحية كما يجري في الانتخابات عادة، بل يجب أن تتواجد الكفاءة فعليا وعمليا وتطبيقيا عند من يدعو للإصلاح.

حيث يقول الإمام الشيرازي: 

(ليس المقصود بالكفاءة مجرد الادعاء بالكفاءة والأهلية، أو إطلاق الشعارات الخالية من المضمون، بل هي الحالة الواقعية للكفاءة التي يلزم أن نوجّهها وننمّيها على مستوى الأفراد وعلى مستوى الجماعة، بل على مستوى الأمة).

الكفاءة والقدرة ودورهما في الإصلاح

أما التساؤل الذي يدور حول الجهة التي يجب أن تتوافر لديها الكفاءة، ففي هذه الحالة تكون الأمة كلها والمجتمع كله معني بالكفاءة، فالجميع (أمةً) وجماعات، وأفرادا، يجب أن يكونوا على درجة عالية من الكفاءة حتى يمكنها أن ترتقي بالأمة والفرد إلى درجات الرقيّ العالية كما يحصل دائما في المجتمعات والدول المتقدمة.

وهذا يعني أيضا أهمية تنمية هذه الكفاءة، فالأفراد، والجماعات والمنظمات والمؤسسات الرسمية والمدنية عليها أن تتصدى لمهمة تطوير وتنمية الكفاءة عند الجميع، لأن السير في مدارج الحضارة، يتطلب أناسا يمتلكون الكفاءة العالية، وهو شرط مهم جدا من شروط تقدم الدول المجتمعات والأفراد بشكل مضطّرد.

فالإمام الشيرازي يرى أن: (لا فرق في الحاجة إلى كفاءة الفرد وكفاءة المجتمع، حيث يعتبر أحدهما مكملاً للآخر، ولذا يلزم السعي الجاد والمتواصل من أجل تنمية الكفاءات للحصول على ثمراتها بالشكل الأفضل والمطلوب).

أما كيف يمكن التَّأكُد من امتلاك الفرد والمجتمع لتلك الكفاءة والقدرات، فهذا سوف يتضح عندما يصبح الإنسان الفرد والمجتمع وجها لوجه أمام تحقيق الإصلاح، وفي حال الفشل، فسوف تتضح الأمور تماما، وسوف يعرف الجميع بأن من كان يدّعي القيام بالإصلاح كُشٍفَ أمره، لأن حال المجتمع ظل على مستواه المتدني من الحضارة والارتقاء.

وحينئذ سوف يمكننا تأشير التدّني والتذبذب أو التراجع في الإصلاح، عندما تبقى الأمة تراوح في مكانها بينما نرى الأمم الأخرى تتقدم في قيقة تمرّ عليها، وهذا يمكن أن نؤشره عند بعض الدول والمجتمعات الإسلامية التي تقول بالإصلاح ولا تمضي به قُدُمًا، وهنا سوف يتضح الادّعاء الفارغ والخالي من التنفيذ عمّن يقول بالإصلاح ويعمل به.

لهذا يُقال إن هذه الأمة أو هذا المجتمع يتحلى بالحضارة ويسير بقوة في مدارجها، أو يُقال العكس على المجتمعات والدول التي تهمّش الكفاءات وتحارب القدرات، وهذا كله يحدث بسبب حالة الاستحواذ التي تسود لدى من يدير شؤون الناس في الدولة أو في المجتمع، حيث يكون الفشل هو النتيجة التي يستحقها المدَّعون من دون التزام بما يدعون له من إصلاح.

يقول الإمام الشيرازي:

(من الواضح أن وجود المؤهلات وعدمها في الفرد أو الأمة، يتضح من خلال أداء وإنجاز الأعمال الموكلة للفرد أو للأمة، ودرجة النجاح أو الفشل فيهما، فنقول مثلاً: إن الشخص الفلاني، أو الأمة الفلانية، لديها القدرة والكفاءة على أداء مهمتها، أو نقول العكس من ذلك: بأن ذلك الشخص أو تلك الأمة ليست لها القدرة أو الكفاءة على أداء مهامها في هذا المجتمع أو ذاك. وهذا التقييم موجود في المجتمعات كافة، سواء كانت تلك المجتمعات غربية أو شرقية، أو مجتمعات إسلامية).

العودة مجدّدا إلى مدارج الحضارة

وهكذا فإن المسلمين خرجوا من ساحة الاختبار بين الأمم الأخرى بنتيجة الفشل، لأننا لم نلتزم بشروط الإصلاح ولم نوفر المقومات اللازمة له، وإنما رفعنا الإصلاح كشعارات سرعان ما تتلاشى وتذوب بمجرد أن تتحقق المآرب التي خطط لها من سعى ويسعى لركوب موجة الإصلاح الكاذب، حيث يغيب الإصلاح الحقيقي وتهيمن الفوضى على الواقع.

وهذا ما نلاحظه عند المسلمين بعد التجربة الإصلاحية العظيمة لحكومتيّ الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله، والإمام علي عليه السلام، فمن بعد هاتين التجربتين الخلّاقتين في الإصلاح، فشل المسلمون في مواكبة التطور والتقدم كما هو حال كثير من الأمم التي كانت تنظر إلى تجربة الإسلام بأنها علامة فارقة للتقدم والارتقاء. 

الإمام الشيرازي يشير إلى هذه القضية فيقول:

(نحن المسلمون خاصة في القرن الأخير خرجنا من الامتحان بنتائج غير موفقة، قابلها العالم بردود فعل معاكسة، وكان ذلك بطبيعة الحال مؤشراً واضحاً على عدم أهلية وقدرة المسلمين على أداء الدور الريادي الذي خلفه لهم الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله، وإمام المتقين علي بن أبي طالب عليه السلام في إدارة الأمة، مما جعل أمور المسلمين تصبح تحت تسلط الغربيين والشرقيين).

وهذا الأمر يعيدنا أيضا إلى ما كان عليه المسلمون في عهد الرسول صلى الله عليه وآله، وفي عهد سيد البلغاء أمير المؤمنين عليه السلام، حيث كانت أمة الإسلام تتحلى بالقيم العظيمة التي ارتقت بهم عاليا ليكونوا الأمة الأهم من بين الأمم آنذاك، حيث كانت تعمل في الوقع وفق معادلة بالغة الدقة يقف في طرفيها واجبين أساسيّن هما: المعروف ويقابله المنكر، وكانت الأمة تعمل بهذه المعادلة بشكل دقيق مما جعلها تحتل مكانتها في طليعة الأمم. 

ولكن حين يغيب العمل بالمعروف في الأمة، وينتشر المنكر فيما بينها، فإن هذه الأمة لا يكون لها أي مكان إلا في الحضيض، والسبب واضح ومعروف، حيث يتخلى الجميع عن السير نحو مدارج الحضارة، وينشغل بالمغانم المادية، ويسود الظلم، وينتعش الغش وتفضيل المصالح الشخصية قصيرة النظر، وينسى المسؤولون واجباتهم تجاه الله أولًا وتجاه الرعية.

يقول الإمام الشيرازي:

(لقد كان المسلمون خير أمة كونهم يتحلّون بخصال ترقى بها الأمم وتصل إلى أوج عزّها وهي: {تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ}، فإن المجتمع إذا خلا من هذين الواجبين أخذ يهوي إلى الأسفل، بسبب ما جُبل عليه من فساد وفوضى وشغب، فإذا تحلّى المجتمع بهذين الأمرين أخذ يتقدم نحو الكمال في مدارج الإنسانية والحضارة الحقيقية).

إذن ما هو مطلوب ممن يهمهم الأمر، هو التدقيق جيدا في العوامل التي تدفع بالمسلمين نحو مدارج الحضارة، وتمضي بهم في هذا الاتجاه، وهي معروفة لهم، خصوصا لمن يتصدى لحالة الارتقاء بالأمة، فهؤلاء يعرفون تلك العوامل، ولكن عليهم أن يجعلوا منها حاضرة وفاعلة في عملية الإصلاح، ويجعلوا منها حالة فعلية عملية تطبيقية يحكمها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كي ترتقي الأمة وتسير فعلا في مدارج الحضارة الإسلامية.

ذات صلة

الفيتو الأميركي على الولاية الثالثة لنوري المالكياختراق المانوسفير للمجال العام.. توحش الخوارزمية والعدمية الرقميةالموعظة والمشاورة للنبيّ (ص) بين العصمة المطلقة وتعليم الأمّةرجل السياسة في العراق: أزمة التكوين ومعضلة الدولةالإعلام في عالم يتشكّل