مخرجات العمل المشذَّب من العنف
رؤى من أفكار الإمام الشيرازي
شبكة النبأ
2026-01-12 05:25
(يجب أن يخلو عملنا من العنف، ويمتاز بالتفاهم والخُلُق الرفيع واحترام الرأي الآخر)
الإمام الشيرازي
من المسلَّمات المتَّفَق عليها أن الذي يتصدى لمسؤولية ما، في الغالب يواجه عقبات ومصاعب، وأي عمل لابد وأن يقترن بمشاكل معينة، وطريق الأعمال ليس مفروشا بالورود للعامل، لذلك لابد للعامل والمتصدي للمسؤولية أن يُعدَّ نفسه كي تكون قادرة على التعامل مع تلك العقبات، وهناك سبل عديدة لتحقيق هذا الشرط أهمها أن تكون مدخلات هذا العمل أو ذاك منسجمة ومتناسقة ومدروسة لكي تكون النتائج الجيدة مضمونة.
أما نوع تلك العقبات فهي تأتي في جانبين أو شقَّين، الأول نتائج مادية، والثاني نتائج معنوية، لهذا يجب أن يضع الإنسان المسؤول في حسبانه تلك المخرجات ونوعيتها، حتى يكون مستعدا للتعامل الصحيح معها، كي يحصل على الهدف المخطَّط له، لذا فإن أهم ما يجب أن يستعد له المتصدي للعمل والمسؤولية، هو تهيئة النفس والقدرات والشروط التي تذهب به نحو النجاح، وفي المقدمة من تلك الشروط أن يكون العمل المستهدَف خاليا من العنف.
الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، يقول في كتابه القيِّم الموسوم بـ (القطوف الدانية/ الجزء الرابع):
(إنّ الإنسان الذي يتولى عملاً من الأعمال أو مسؤولية من المسؤوليات، غالباً ما يواجه ببعض العقبات والصعوبات والمعوقات التي تعترض سير عمله، وقد تكون هذه العقبات مادية أو معنوية).
أما من ناحية التعامل مع تلك العقبات، حتى يكون العمل مشذَّبا من العنف، فإن الأمر يعود إلى وعي الإنسان المتصدّي للمسؤولية، ودرجة إيمانه، وأيضا طبيعة شخصيته، ومدى تكامل هذه الشخصية وامتلاكها القدرات اللازمة لإبعاد العنف أثناء التصدي لهذه المسؤولية أو تلك، وهذا يتطلب نضوجا وخبرات وتجريب متواصل وعميق يمنح الإنسان القائم بالعمل نضجا وحكمة في إدارة هذه المسؤولية أو تلك.
إقصاء العنف وتقريب المشاركة الجمعية
المهم في هذا الجانب أن لا يقترن أداء المسؤولية بالإجراءات العنيفة التي غالبا ما يلجأ إليها المسؤولون غير الناضجين، أو قليلي الوعي والإيمان، لأن أداء العمل أو المسؤولية بشكل عنيف يحدث بسبب قلة الحكمة وعدم النضوج، وبالتالي لا يجد أمامه سوى العنف واللجوء إلى القمع وتكميم الأفواه، وعدم مراعاة الصوت أو الرأي الآخر، وهذه كلها مخرجات رديئة تنتج بسبب المدخلات الرديئة حيث تُعطى المسؤولية لمن لا يقدر عليها.
وهكذا يكون الناس متباينين ومختلفين في هذه القضية، فهناك من تتوفر في شخصيته عوامل النجاح، وهناك من لا يمتلك هذه العوامل فيفشل في تصديه للمسؤولية ويلجأ إلى العنف.
لذا يقول الإمام الشيرازي:
(تختلف ردود أفعال الناس تجاه هذه العقبات من شخص لآخر تبعاً لدرجة الوعي والإيمان الذي يمتلكه الفرد، وتبعاً لتكامل شخصية العامل ـ من ناحية الخبرة والنضوج والهمة ـ فقد قال أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: قدر الرجل على قدر همته، وصدقه على قدر مروءته، وشجاعته على قدر أنفته، وعفته على قدر غيرته).
وهكذا يحتاج تحمّل المسؤولية وتشذيبها من العنف إعدادا مسبقا للنفس، وتدريبا متقنا لها، حتى يكون الإنسان متمكنا وعارفا بما يقوم به من أعمال، فهناك من لا يستطيع النجاح في أبسط المهام، ويتراجع أمامها ويفشل فيها، في حين هناك من يكون مستعدا لخوض غمار المسؤولية حتى لو كانت كبيرة وخطيرة، فهذا لا يدفع به إلى التراجع بل إلى الإقدام.
حيث يكون المسؤول مستعدا لخوض هذه المسؤولية أو تلك بغض النظر عن تعقيداتها أو مدى خطورتها، فهو يمتلك الشخصية القادرة على تحمّل المسؤولية ويمتلك النضج الذي يجعله واعيا في تعامله مع الآخرين، ولا يسمح للإجراءات العنيفة أن تقترن بما يقوم به من أعمال كي يكون متصديا فاعلا وناجحا ومقْنعا للناس.
وهكذا سيكون الشرط الأهم هو أن نعدّ أنفسنا بشكل جيد ومتقن للتعاطي مع المشكلات التي قد تظهر أثناء أداء العمل أو المسؤولية، فالإعداد المسبق والتهيئة النفسية أمران لابد أن يقوم بهما المتصدي للمسؤولية ويتدرب عليهما، ويحمي نفسه وعقله وقراراته من الأعمال العنيفة ضد الآخرين حتى لو كانوا مختلفين معه في الرأي.
الإمام الشيرازي يقول:
(قد ينهزم شخص أمام أبسط العقبات؛ لأنه لا يعتقد بإمكانية تجاوزها، وقد يصمد آخر أمام أعتى وأشد الصعوبات. إذن، فالذي يترتب علينا هو أن نهيئ أنفسنا ونعدها إعداداً يمكننا من مجابهة الصعوبات التي تعترض طريق عملنا؛ لنواصل العمل بكل جد ومثابرة).
الشرط الأهم في التصدي للمسؤولية
لذلك فإن أهم المدخلات التي تحتاجها قضية التصدي للمسؤولية وتعطي نتائج ممتازة، أن يضع المسؤول في حساباته بأن عمله هذا يكون من أجل الله تعالى، وينال رضوانه سبحانه، هذا هو الشرط الأهم في تحمل المسؤوليات وإدارتها، وأن يبتعد المسؤول كل البعد عن توظيف التصدي للمسؤولية لمصالحه ومنافعه الخاصة، لأن هذا الإجراء يجعل العمل لغير الله تعالى.
وهنا يجب أن يكون العمل خاليا من العنف، وبعيدا عن الإكراه، ومساويا بين الجميع، وحاميا للرأي الآخر، ومستمعا لمن يناقضه في الأفعال والآراء، بل عليه أن يوظفها لصالحه من خلال دراستها واستنباط ما هو جيد وصالح منها، وفي نفس الوقت لابد أن يتحلى المسؤول بالتقوى والورع والأخلاق التي تحميه من القرارات الجائرة والإجراءات الخاطئة.
الإمام الشيرازي يؤكد قائلا:
(أما كيف يمكن تجاوز الصعوبات حتى يستمر العمل ويعطي نتائجه؟ فإن أهم ما يتطلبه العمل الصحيح الذي يعطي ثماره ويرضاه اللّه سبحانه وتعالى، هو أن يكون مصحوباً باللاعنف وممتزجاً بالتقوى والورع والأخلاق).
فالمهم في من يتصدى للمسؤولية أن تتوفر في إدارته ما يلي:
- الابتعاد عن العنف والإكراه بشكل تام.
- أن يمتاز المسؤول أو القائم بالعمل والمتصدي للمسؤولية بصفة التفاهم والتفهّم لما يحدث من الآخرين.
- وأن يتحلى المسؤول بالخُلق الرفيع الذي يقترن باحترام الرأي الآخر، فهذه الأمور كلها تصبّ في صالح المسؤول نفسه، ومن ثم يستفيد منها الآخرون كونها تصب في صالحهم أيضا.
لذلك إذا اقترنت أفعال وأعمال المسؤول والمتصدي للمسؤولية بالصفات التي سبق ذكرها في النقاط أعلاه، فإنه سيحصل على مخرجات إيجابية في غاية الجودة، وتكون فائدة العمل والتصدي للمسؤولية خالية من أية عثرات أو عواقب سيئة، ويكون المستفيد منها هنا، كل الأطراف، سواء من يقوم بالعمل وإدارة المسؤولية، أو من ينتظر النتائج والمخرجات من تلك المسؤولية وإفرازاتها الجيدة.
الإمام الشيرازي يصل إلى الخلاصة التالية فيقول:
(لذا يجب أن يخلو عملنا من العنف، ويمتاز بالتفاهم والخُلُق الرفيع واحترام الرأي الآخر، ومتى ما اقترنت هذه الصفات مع عمل أي فرد أو جماعة أو أمة فإنها سترتقي به سلم التقدم والسيادة).
بالنتيجة سوف نحصل على مخرجات مهمة عندما يقترن التصدي للمسؤولية باللاعنف، حيث تغيب إجراءات القمع، أو الإقصاء، وتوضع خطوات واضحة تفتح الأبواب للرأي والرأي الآخر، وتمتزج هذه الآراء لتصب في صالح جميع الأطراف، وهذه هي المخرجات التي يفرزها العمل المشَذّب من الفعل أو العمل أو الرأي العنيف.