رشفة حارقة… الشاي الساخن جدًا يضاعف خطر سرطان المريء

أوس ستار الغانمي

2026-05-02 03:15

مع بدايات الصيف وارتفاع درجات الحرارة، تميل الأنماط اليومية نحو الخفة والانتعاش، وتتصدر المشروبات الباردة واجهة الاختيارات. وسط هذا التحول، يحتفظ الشاي بموقعه الراسخ داخل تفاصيل الحياة، ويستمر حضوره في البيوت والمقاهي وعلى طاولات اللقاءات الاجتماعية. أكواب صغيرة تتصاعد منها الأبخرة، تقدم تباعًا، وتحتسى بإيقاع مألوف يعكس عمق ارتباط هذا المشروب بثقافة الناس.

تتكرر لحظة الإمساك بالكوب الساخن في مشهد يكاد يتطابق يوميًا؛ حرارة تلامس الشفاه، ورشفة أولى تؤخذ بسرعة، يليها شعور بالدفء يتسلل تدريجيًا. هذه التجربة الحسية أصبحت جزءًا من تعريف الشاي لدى كثيرين، حيث ترتبط جودته بدرجة حرارته، وينظر إلى سخونته بوصفها عنصرًا أساسيًا في متعته.

داخل هذه التفاصيل اليومية، تظهر زاوية أخرى تستحق التوقف. حرارة المشروب، وتكرار التعرض لها، بدأتا تثيران اهتمام الباحثين، مع تزايد الإشارات العلمية التي تربط بين المشروبات الساخنة جدًا ومخاطر صحية تتطور ببطء داخل الجسم، وفي مقدمتها سرطان المريء.

الحرارة العالية 

يحمل الشاي مكانة خاصة بوصفه المشروب الأكثر انتشارًا عالميًا، ويتجاوز حضوره حدود التوقيت، حيث يُشرب في مختلف ساعات اليوم، قبل الطعام وبعده وأثناءه. في مناطق واسعة من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إضافة إلى إيران وتركيا، ترتبط هذه العادة بدرجات حرارة مرتفعة تصل إلى مستويات عالية.

تشير تقارير نقلها DW إلى تحذيرات صادرة عن دراسات علمية تناولت هذه الظاهرة، مع تركيز واضح على أثر الحرارة المرتفعة. ووفقًا لما أورده موقع SWR، أظهرت دراسة إيرانية أن استهلاك أكثر من 0.7 لتر من الشاي يوميًا بدرجات حرارة تتجاوز 60 درجة مئوية يرتبط بارتفاع احتمالات الإصابة بسرطان المريء إلى قرابة الضعف.

اعتمدت الدراسة على متابعة نحو 50 ألف مشارك في منطقة غلستان شمال شرق إيران، واستمرت لأكثر من عشر سنوات، ما أتاح رصد العلاقة بين العادة اليومية والتطورات الصحية على مدى طويل. وركزت النتائج على سرطان الخلايا الحرشفية، أحد أبرز أنواع سرطان المريء.

نموذج يكشف العلاقة

تُعد منطقة غلستان من البيئات التي تجمع بين كثافة استهلاك الشاي الساخن ومعدلات مرتفعة من سرطان المريء. هذا التداخل دفع الباحثين إلى تحليل العادات اليومية لسكان المنطقة، مع التركيز على درجة حرارة المشروبات.

تشير البيانات إلى أن التعرض المتكرر للسوائل الساخنة يؤدي إلى تهيج مستمر في بطانة المريء، ما يفتح المجال لتغيرات خلوية تتراكم مع الزمن. هذا النمط من التأثير يسلط الضوء على أهمية التفاصيل الصغيرة في تشكيل مسارات صحية طويلة الأمد.

الأرقام تتحدث بوضوح

في سياق أوسع، كشفت دراسة بريطانية حديثة نُشرت في فبراير 2025، ونقلتها مجلة FITBOOK، عن نتائج تدعم الاتجاه ذاته.

شملت الدراسة تحليل بيانات 454,796 شخصًا من البنك الحيوي البريطاني، مع متابعة استمرت 11.6 عامًا. وأظهرت النتائج أن استهلاك ثمانية أكواب أو أكثر من المشروبات الساخنة جدًا يوميًا يرتبط بزيادة خطر الإصابة بسرطان المريء بمقدار 5.6 مرات. كما سجلت البيانات ارتفاعًا يقارب مرتين ونصف عند استهلاك أربعة أكواب يوميًا.

تعكس هذه الأرقام حضور عامل الحرارة بوصفه عنصرًا مؤثرًا، يتفاعل مع عدد مرات التعرض، ويشكل مع الوقت نمطًا قابلًا للقياس العلمي.

حضور خفي في الكوب

يتوسع النقاش حول الشاي ليشمل جانبًا آخر يتعلق بالجسيمات البلاستيكية الدقيقة، التي أصبحت محور اهتمام عالمي متزايد. هذه الجسيمات، التي تنتشر في الهواء والماء والغذاء، وجدت طريقها أيضًا إلى المشروبات اليومية.

ووفقًا لما نشرته صحيفة الشرق الأوسط، أظهرت اختبارات أجراها باحثون من جامعة برمنغهام على أكثر من 150 مشروبًا أن الشاي المحضر بأكياس يحتوي على نسب مرتفعة من هذه الجسيمات، تصل إلى نحو 60 جسيمًا لكل لتر.

تشير النتائج إلى أن الحرارة المرتفعة تسهم في تسريع تحلل المواد البلاستيكية داخل الأكياس، ما يؤدي إلى انتقال الجسيمات إلى السائل. كما يزداد هذا التأثير عند استخدام الأكواب البلاستيكية، مقارنة بالأكواب الزجاجية.

ترتبط هذه الجسيمات، وفق دراسات متعددة، بتأثيرات صحية محتملة تشمل الالتهابات واضطرابات الهرمونات ومشكلات الجهاز الهضمي، مع استمرار الأبحاث لفهم أبعادها بشكل أعمق.

توازن دقيق بين الفائدة والتأثير

يحتوي الشاي على مركبات التانينات، التي تمنحه طعمه المميز، وتُعرف بخصائصها المضادة للأكسدة. هذه المركبات تلعب دورًا إيجابيًا في دعم الصحة العامة، إلا أن تأثيرها يمتد أيضًا إلى امتصاص بعض العناصر الغذائية.

ترتبط التانينات بقدرتها على الارتباط بالحديد داخل الجهاز الهضمي، ما يؤدي إلى تقليل امتصاصه. ويُعد الحديد عنصرًا أساسيًا في نقل الأكسجين وإنتاج الطاقة، ما يجعل توقيت شرب الشاي عاملًا مهمًا في الحفاظ على التوازن الغذائي.

يوصي خبراء التغذية بترك فاصل زمني يقارب الساعة بين تناول الوجبات وشرب الشاي، خاصة لدى الفئات التي تعاني من نقص الحديد.

يحتوي الشاي، وخاصة الأسود، على كميات من الكافيين تتراوح بين 40 و70 ملغم لكل كوب، بينما يحتوي الشاي الأخضر على نحو 35 ملغم. يسهم الكافيين في تعزيز اليقظة وتحسين التركيز، ويمنح شعورًا بالنشاط.

مع زيادة الاستهلاك، تظهر تأثيرات أخرى تشمل القلق واضطرابات النوم، خصوصًا في فترات المساء. تُقدَّر الكمية اليومية المناسبة بنحو 400 ملغم من الكافيين، أي ما يعادل ستة أكواب تقريبًا، مع مراعاة الفروقات الفردية في الاستجابة.

استجابة تختلف من شخص لآخر

يتفاعل الجهاز الهضمي مع الشاي بطرق متعددة، حيث تشير دراسات إلى ارتباطه بزيادة إفراز الأحماض داخل المعدة، ما ينعكس على حالات مثل الارتجاع الحمضي وحرقة المعدة.

كما يُسجل لدى بعض الأشخاص شعور بالغثيان عند استهلاكه على معدة فارغة، خاصة مع الكميات الكبيرة. دراسة أُجريت عام 2019 أظهرت علاقة بين استهلاك الشاي والقهوة والمشروبات الغازية وزيادة احتمالات الارتجاع، مقابل دور إيجابي للماء في تقليل هذه المشكلة.

الشاي في الصباح 

تناول الشاي في بداية اليوم يحمل مجموعة من التأثيرات التي تعتمد على التوقيت والحالة الغذائية. ووفقًا لما نشره موقع العربية نت، يرتبط شرب الشاي على معدة خاوية بعدد من التأثيرات، من بينها اضطراب توازن الأحماض داخل المعدة، وصعوبة امتصاص بعض العناصر الغذائية، إضافة إلى تأثيرات مرتبطة بخصائصه المدرّة للبول.

توضح هذه المعطيات أهمية إدماج الشاي ضمن نمط غذائي متوازن يأخذ بعين الاعتبار توقيت تناوله.

يستمر الشاي في أداء دوره بوصفه عنصرًا يوميًا حاضرًا في تفاصيل الحياة، ويحتفظ بمكانته الثقافية والاجتماعية عبر مختلف البيئات. داخل هذا الحضور، تظهر مجموعة من التفاصيل الدقيقة التي ترسم ملامح تأثيره الصحي، بدءًا من درجة الحرارة، مرورًا بطريقة التحضير، وصولًا إلى توقيت الاستهلاك.

في موسم الصيف، تزداد أهمية الانتباه لهذه الجوانب، حيث يسهم خفض درجة حرارة الشاي قبل شربه، وتنظيم عدد الأكواب اليومية، واختيار أوانٍ مناسبة، في تعزيز الاستفادة منه ضمن إطار صحي متوازن.

بين متعة الكوب وتأثيراته الممتدة، تتشكل علاقة دقيقة تستحق وعيًا أكبر، يضمن استمرار هذا الطقس اليومي ضمن حدود آمنة.

ذات صلة

النص القرآني بين القداسة وإمكانية النقدمنهج اليسر: طريقك الأذكى للنجاحالتفاوض التوزيعي والتكامليصوم الصمت في زمن التفاهةصراع الهوية وهوية الصراع