حقنة واحدة تغير قواعد علاج ارتفاع الكوليسترول
أوس ستار الغانمي
2026-02-23 02:45
تخيل أن قلبك قد يجد حلاً لمشاكله دون أن تضطر لتناول حبوب يومية أو حقن شهرية مملة. تخيل أن مجرد حقنة واحدة قد تغيّر قواعد اللعبة تمامًا. اليوم، لم يعد هذا خيالًا علميًا، فقد أظهرت الدراسات التجريبية لعلاج جيني من شركة "كريسبر ثيرابيوتيكس" قدرة مذهلة على خفض الكوليسترول الضار والدهون الثلاثية بمقدار النصف في جسم الإنسان، بعد جرعة واحدة فقط. إنها خطوة قد تعيد تعريف علاجات القلب تمامًا، من نهج الاعتماد اليومي على الأدوية إلى خيار دائم ومباشر يوقف الجين المسؤول عن إنتاج الدهون الضارة.
هذه ليست مجرد أخبار عن أرقام ومستويات، بل هي بداية فصل جديد في تاريخ الطب: فصل حيث يصبح علاج الأمراض الوراثية والمزمنة بمثابة ضغطة زر، حيث تتحدى التكنولوجيا حدود الجسد البشري، وتفتح آفاق الأمل لملايين المرضى حول العالم.
علاج جيني
أظهر حقْن لمرة واحدة بعلاج جيني تجريبي من شركة "كريسبر ثيرابيوتيكس" CRISPR Therapeutics أنه آمن وخفَّض مستويات الكوليسترول الضار والدهون الثلاثية الضارة بمقدار النصف لدى أربعة أشخاص تناولوا أعلى جرعة، ما يزيد الأمل في العلاج بجرعة واحدة.
وقال ستيفن نيسن طبيب أمراض القلب في كليفلاند كلينيك، وهو الباحث الرئيسي في أول دراسة للعلاج في البشر: "لم يكن لدينا أي شيء يخفّض كلاً من الكوليسترول الضار والدهون الثلاثية بنسبة 50% تقريباً".
فيما قال الطبيب لوك لافين من كليفلاند كلينيك، وهو باحث مشارك في الدراسة، إنه على الرغم من أن تطوير العلاج لا يزال في مرحلة مبكرة جداً، فإن التجارب المستقبلية إذا أثبتت أن العلاج "سي تي إكس 310" (CTX-310) آمن وفعّال، فقد يغيّر ذلك الممارسة الطبية.
وأضاف لافين: "بدلاً من تناول حبوب مرة واحدة يومياً أو أخذ حقن شهرية، من المحتمل أن يوفر هذا العلاج حقنة لمرة واحدة آمنة ودائمة للمرضى الذين يعانون من ارتفاع الكوليسترول".
وعُرضت نتائج الدراسة، السبت، في اجتماع جمعية القلب الأميركية في مدينة نيو أورليانز، ونُشرت في دورية نيو إنجلاند الطبية.
وقد يتسبب ارتفاع البروتين الدهني منخفض الكثافة، أو ما يسمى بـ"الكوليسترول الضار"، في تراكم ترسبات في جدران الشرايين، مما يزيد من خطر الإصابة بنوبة قلبية أو سكتة دماغية. وقد يؤدي ارتفاع الدهون الثلاثية، وهي دهون أخرى في الدم، إلى زيادة هذه المخاطر أيضاً.
إيقاف الجين
يعمل CTX-310 عن طريق إيقاف عمل جين يُسمى ANGPTL3 من خلال حقنة واحدة لمدة ساعتين، وهو مستوحى من دراسات تُظهر أن من يولدون بنسخة غير نشطة من جين ANGPTL3 لديهم مخاطر أقل للإصابة بأمراض القلب مدى الحياة دون أي عواقب سلبية واضحة.
ويستهدف دواء "إيفكيزا" Evkeeza من شركة "ريجينيرون" Regeneron، ويعالج اضطراباً وراثياً نادراً، الجين نفسه، لكنه يتطلب حقناً شهرياً.
وشارك في تجربة شركة كريسبر التي أجريت في أستراليا ونيوزيلندا والمملكة المتحدة 15 مريضاً تتراوح أعمارهم بين 31 و68 عاماً، وتم اختبار خمس جرعات مختلفة عليهم. وكان جميع المشاركين يعانون من ارتفاع نسبة الدهون الثلاثية أو ارتفاع نسبة الكوليسترول الضار أو كليهما، وفشلوا في الاستجابة للعلاجات الأخرى.
وبين المرضى الأربعة الذين تلقّوا أعلى جرعة، انخفضت الدهون الثلاثية في المتوسط بنسبة 55%، والكوليسترول الضار بنسبة 50% بعد أسبوعين من العلاج. وظلت المستويات منخفضة لمدة شهرين على الأقل.
وتابع ستيفن نيسن: "سنحاول إثبات سلامة هذه العلاجات التي تم إجراؤها مرة واحدة فقط وفاعليتها؛ لأننا نعتقد أن هذه الخيارات مهمة للمرضى".
بينما أوضح لافين أن 3 مشاركين كانت لديهم ردود فعل مؤقتة على العلاج، بما في ذلك الغثيان وارتفاع إنزيمات الكبد التي اختفت بسرعة.
وستجري مراقبة المشاركين لمدة عام بعد التجربة، مع خيار المتابعة لمدة 15 سنة إضافية. وفقًا لموقع (الشرق للأخبار).
الدواء التجريبي VERVE-102
تبشّر نتائج علمية جديدة بإمكانية خفض مستويات الكوليسترول الضار مدى الحياة عبر جرعة واحدة فقط من الدواء التجريبي VERVE-102، في خطوة قد تحوّل طريقة علاج ارتفاع الكوليسترول جذريا.
ويعمل الدواء عبر إيقاف الجين المسؤول عن إنتاج الكوليسترول الضار (LDL) في خلايا الكبد، ما يقلل مستويات LDL في الدم بشكل مستمر.
وكشفت تجربة سريرية أولية شملت 14 مريضا يعانون من مستويات مرتفعة من البروتين الدهني منخفض الكثافة (LDL) رغم تناولهم أدوية خفض الكوليسترول، أن جرعة واحدة من الدواء خفّضت مستويات LDL بنسبة وصلت إلى 53% خلال أربعة أسابيع.
ويرى الخبراء أن هذه النتائج قد تمهد لعلاج طويل الأمد، خاصة للمرضى غير المستجيبين للعلاجات التقليدية أو أولئك الذين يبحثون عن بديل يغنيهم عن تناول الستاتينات يوميا.
ويعد ارتفاع الكوليسترول مشكلة واسعة الانتشار، ويُنصح بأن يكون مستوى الكوليسترول الكلي أقل من 5 ملي مول/لتر، وأن يقل مستوى LDL عن 4 ملي مول/لتر، نظرا لارتباط ارتفاعه بزيادة خطر النوبات القلبية والسكتات الدماغية عبر تراكمه في جدران الشرايين وتصلّبها.
ورغم أن الستاتينات تظل العلاج الأساسي لخفض الكوليسترول، وتظهر الدراسات قدرتها على خفض LDL بنسبة تصل إلى 50%، إلا أن القلق من آثارها الجانبية – مثل آلام العضلات وضعفها – يدفع أكثر من نصف المرضى إلى التوقف عنها خلال عام من بدء العلاج، وفق عدد من الدراسات.
وفي السنوات الأخيرة ظهر خيار علاجي آخر هو مثبطات PCSK9، التي تساعد الجسم على التخلص من الكوليسترول الضار عبر إعادة امتصاصه إلى الكبد. وتستطيع هذه المثبطات خفض LDL بنسبة قد تصل إلى 55%، ويمكن استخدامها مع الستاتينات لتحقيق خفض إجمالي يصل إلى 70%. إلا أن تكلفتها المرتفعة تحدّ من انتشارها.
أما الدواء الجديد VERVE-102 فيستهدف بروتين PCSK9 بآلية مختلفة، إذ يعمل على تعطيل الجين المسؤول عن إنتاجه داخل خلايا الكبد. ويُعطى الدواء عبر حقن بطيء في مجرى الدم لعدة ساعات، ولا يوقف إنتاج الكوليسترول الضار نهائيا لكنه يقلله بدرجات واضحة. فقد سجّلت التجربة انخفاضا بنسبة 21% في أدنى جرعة و53% في أعلى جرعة خلال شهر واحد، مع رصد آثار جانبية خطيرة قليلة للغاية.
ولفهم أهمية هذا البروتين، تجدر الإشارة إلى أن PCSK9 طبيعي وضروري لتنظيم مستويات الكوليسترول في الدم. فهو يتحكم في عدد مستقبلات LDL على سطح خلايا الكبد، وهذه المستقبلات تلتقط الكوليسترول الضار (LDL) لإعادته إلى الكبد وتكسيره. لكن عند زيادة نشاط PCSK9، يتم تدمير المزيد من المستقبلات قبل أن تلتقط الكوليسترول، ما يؤدي إلى ارتفاع مستويات LDL في الدم.
ويؤكد الدكتور ريكاردو بيتراكو، استشاري أمراض القلب في لندن، ضرورة إجراء دراسات أطول وأوسع قبل اعتماد العلاج على نطاق واسع، نظرا للطبيعة طويلة الأمد للتدخل الجيني.
ومن المقرر إطلاق تجربة عالمية أكبر قريبا، قد تشمل جرعات أعلى وتضم مرضى يعانون فرط كوليسترول الدم العائلي، وهو اضطراب وراثي يؤدي إلى ارتفاع شديد في الكوليسترول منذ الطفولة. ويرجّح خبراء أن يستفيد من العلاج مستقبلا عدد أكبر من المرضى، خصوصا أولئك الذين لا يتحملون العلاجات الحالية أو لا يستجيبون لها. وفقًا لموقع (RT).
الخلاصة
العلاجات الجينية مثل CTX-310 وVERVE-102 تفتح فصلاً جديداً في معالجة ارتفاع الكوليسترول، مع وعد بخفض الدهون الضارة عبر حقنة واحدة فقط، وربما لفترة طويلة قد تمتد مدى الحياة. لكنها لا تزال في مراحل التجارب المبكرة، ويجب إثبات السلامة والفعالية على نطاق أوسع وطويل المدى قبل اعتمادها رسمياً.
رغم بريق هذه التقنيات، تظل الوقاية الغذائية والفحوصات المنتظمة أساس الحفاظ على صحة القلب، فالتوازن بين الابتكار العلمي والعادات الصحية هو الطريق الأكثر أماناً وفعالية لمواجهة مخاطر ارتفاع الكوليسترول.
باختصار، نحن أمام مستقبل محتمل حيث يمكن للعلاجات الجينية أن تغيّر قواعد اللعبة، لكن حتى يثبت العلم ذلك، يبقى الغذاء الصحي والمتابعة الطبية سلاحنا الأكثر موثوقية.