الأمعاء المتحدثة: كيف تتحكم البكتيريا بصحتنا ومستقبلنا؟
أوس ستار الغانمي
2026-01-13 02:28
تخيل أن هناك عالماً كامناً بداخلك، عالم لا ترى تفاصيله بالعين المجردة، لكنه يتحكم في صحتك، مزاجك، مقاومة جسدك للأمراض، وحتى اختياراتك الغذائية. هذا العالم هو ميكروبيوم الأمعاء: مجموعة معقدة من البكتيريا والكائنات الدقيقة الأخرى، تشكل بصمة فريدة لكل فرد. ما يفعله هذا المجتمع المجهري لا يقتصر على مجرد مساعدة الجهاز الهضمي، بل يتخطى ذلك ليؤثر على جهاز المناعة، وظائف الكبد، الدماغ، والمستقبل النفسي للأطفال.
ما يجعل هذا الموضوع أكثر إثارة هو أنه علمياً لم يعد مجرد فضول، بل أصبح مجالاً واعداً للتدخل العلاجي: من تحفيز البكتيريا النافعة بالألياف الغذائية والأطعمة المخمرة، إلى الصيام، أو حتى الأدوية الحديثة التي تستهدف مسارات أيضية معينة لإبطاء الشيخوخة أو مكافحة الأمراض المزمنة مثل السكري والكبد الدهني.
بكتيريا الأمعاء ليست مجرد رفقاء غير مرئيين، بل هم مهندسون صامتون لصحتك. وفي المقابل، بكتيريا ضارة مثل الإشريكية القولونية قد تسبب طفرات جينية تؤدي إلى سرطان القولون، مما يؤكد أن هذا العالم يحتاج إلى فهم دقيق، لاكتشاف فرص علاجية وتحسين نوعية الحياة.
ما هي بكتيريا الأمعاء؟
تعيش في أمعائك ما بين 300 إلى 500 نوع مختلف من البكتيريا تحتوي على ما يقرب من مليوني جين. وعندما تتحد مع كائنات دقيقة أخرى مثل الفيروسات والفطريات، فإنها تشكل ما يُعرف بالميكروبيوم.
تمامًا كبصمة الإصبع، فإن الميكروبات المعوية لكل شخص فريدة من نوعها: فمزيج البكتيريا في جسمك يختلف عن مزيج البكتيريا لدى أي شخص آخر. ويتحدد هذا المزيج جزئيًا من خلال الميكروبات المعوية لوالدتك - أي البيئة التي تتعرض لها عند الولادة - وجزئيًا من خلال نظامك الغذائي ونمط حياتك.
تعيش البكتيريا في جميع أنحاء جسمك، لكن تلك الموجودة في أمعائك قد يكون لها التأثير الأكبر على صحتك. فهي تبطن جهازك الهضمي بأكمله، ومعظمها يعيش في الأمعاء والقولون. وتؤثر على كل شيء بدءًا من عملية التمثيل الغذائي. يؤثر على مزاجك وعلى جهازك المناعي. وفقًا لموقع (WebMD).
يقول عالم الكيمياء الحيوية الألماني توبياس جوريس إن الأمعاء تعيش بها حوالي 100 تريليون من الكائنات الحية الدقيقة، التي تشكل ما يعرف باسم "الميكروبيوم المعوي"، الذي يتمتع بتأثير كبير على الصحة، سواء بالإيجاب أو السلب.
وأضاف جوريس أن بكتيريا الأمعاء تنقسم إلى بكتيريا نافعة وبكتيريا ضارة، موضحا أن البكتيريا النافعة ذات أهمية كبيرة للصحة، إذ إنها تعمل على تقوية جهاز المناعة وتمتاز بتأثير إيجابي على عملية الأيض (التمثيل الغذائي)، كما أنها تتمتع بتأثير مثبط للالتهابات.
الألياف الغذائية
ومن جانبه، أوضح طبيب الأمراض الباطنة الألماني البروفيسور أندرياس شتالماخ أنه يمكن تحفيز بكتيريا الأمعاء النافعة من خلال تناول أطعمة غنية بالألياف الغذائية مثل الخضروات والفواكه ومنتجات الحبوب الكاملة والمكسرات والبقوليات.
وأضاف شتالماخ أن الأطعمة المخمرة، مثل مخلل الملفوف، تعمل أيضا على تحفيز بكتيريا الأمعاء النافعة بفضل "العصيات اللبنية" التي تنشأ في أثناء التخمير، وكذلك بفضل محتواها العالي من الألياف الغذائية.
ويؤكد شتالماخ أن هناك أطعمة أخرى لها تأثير سلبي على بكتيريا الأمعاء النافعة، على رأسها اللحوم الحمراء والنقانق. لذا ينبغي ألا يزيد استهلاك اللحوم الحمراء أسبوعيا على 300 إلى 500 غرام.
ومن الأطعمة الضارة أيضا الوجبات السريعة. كما أن تناول المضادات الحيوية بشكل عشوائي يؤثر بالسلب على بكتيريا الأمعاء النافعة.
ومن جانبه، أوضح طبيب الأمراض الباطنة الألماني البروفيسور أندرياس شتالماخ أنه يمكن تحفيز بكتيريا الأمعاء النافعة من خلال تناول أطعمة غنية بالألياف الغذائية مثل الخضروات والفواكه ومنتجات الحبوب الكاملة والمكسرات والبقوليات.
وأضاف شتالماخ أن الأطعمة المخمرة، مثل مخلل الملفوف، تعمل أيضا على تحفيز بكتيريا الأمعاء النافعة بفضل "العصيات اللبنية" التي تنشأ في أثناء التخمير، وكذلك بفضل محتواها العالي من الألياف الغذائية.
ويؤكد شتالماخ أن هناك أطعمة أخرى لها تأثير سلبي على بكتيريا الأمعاء النافعة، على رأسها اللحوم الحمراء والنقانق. لذا ينبغي ألا يزيد استهلاك اللحوم الحمراء أسبوعيا على 300 إلى 500 غرام.
ومن الأطعمة الضارة أيضا الوجبات السريعة. كما أن تناول المضادات الحيوية بشكل عشوائي يؤثر بالسلب على بكتيريا الأمعاء النافعة. وفقًا لموقع (الجزيرة نت).
الصيام
وبدورها، أشارت صوفيا فورسلوند من مركز ماكس ديلبروك للطب الجزيئي إلى أن الصيام يمتاز بتأثير إيجابي على بكتيريا الأمعاء النافعة، فهو يؤدي إلى تكاثرها.
ويمكن تحقيق هذا التأثير من خلال الصيام 5 أيام، وذلك وفقا لنتائج توصلت إليها دراسة عملية حديثة.
مستوى السكر في الدم
اكتشف فريق من العلماء الكنديين طريقة جديدة ومفاجئة لتحسين مستويات السكر في الدم وتقليل تلف الكبد، وذلك عن طريق احتجاز الوقود الذي تنتجه بكتيريا الأمعاء قبل أن يلحق الضرر بالجسم.
وقد تفتح هذه النتائج الباب أمام علاجات جديدة لأمراض التمثيل الغذائي مثل داء السكري من النوع الثاني ومرض الكبد الدهني.
وأجرى الدراسة باحثون في جامعة ماكماستر وجامعة لافال وجامعة أوتاوا في كندا، ونشرت نتائجها في مجلة سيل ميتابولزم (Cell Metabolism) في 29 يوليو/تموز الماضي، وكتب عنها موقع يوريك أليرت.
وأظهر الباحثون أن جزيئا تنتجه ميكروبات الأمعاء يمكن أن يتسلل إلى مجرى الدم ويغذي الكبد لإنتاج المزيد من الغلوكوز (سكر الدم) والدهون.
ولاحظ الباحثون تحسنا كبيرا في التحكم بمستوى السكر في الدم ومرض الكبد الدهني لدى الفئران المصابة بالسمنة عندما طوّروا طريقة لاحتجاز هذا الجزيء في الأمعاء قبل دخوله الجسم.
ويَعتبر جوناثان شيرتزر المؤلف المشارك في الدراسة والأستاذ في قسم الكيمياء الحيوية والعلوم الطبية الحيوية بجامعة ماكماستر أن "هذا تطور جديد في المسار الأيضي التقليدي".
ويضيف: "لقد عرفنا منذ ما يقرب من قرن أن العضلات والكبد يتبادلان اللاكتات (جزيء تنتجه العضلات والغلوكوز)، وهي عملية تسمى دورة كوري. ما اكتشفناه هو فرع جديد من تلك الدورة، حيث تشارك بكتيريا الأمعاء أيضا في هذه العملية".
دورة كوري
ومُنح الزوجان كارل فرديناند كوري وجيرتي تيريزا كوري في عام 1947 جائزة نوبل في علم وظائف الأعضاء أو الطب لعملهما الذي يُظهر كيف تُنتج عضلات الجسم اللاكتات الذي يغذي الكبد لإنتاج سكر الدم، والذي يعود بدوره ليغذي العضلات.
ووضع هذا العمل الأساس لشرح كيفية استخدام العضلات لشكل من أشكال اللاكتات يعرف باسم "إل لاكتات" (L-lactate)، وكيف يستخدم الكبد غلوكوز الدم للتواصل وتبادل الطاقة فيما بينهما.
ووجد الفريق الكندي أن الفئران البدينة -وحتى الأشخاص الذين يعانون من السمنة- لديهم مستويات أعلى من جزيء أقل شهرة، وهو "دي لاكتات" (D-lactate) في دمائهم، وبخلاف "إل لاكتات" الأكثر شيوعا فإن معظم "دي لاكتات" يأتي من ميكروبات الأمعاء، وقد ثبت أنه يرفع نسبة السكر في الدم ودهون الكبد بشكل أكثر حدة.
وابتكر الباحثون لمنع ذلك مصيدة معوية، وهي بوليمر آمن وقابل للتحلل الحيوي يرتبط بـ"دي لاكتات" في الأمعاء ويمنع امتصاصه.
وأظهرت الفئران التي تغذت على هذا البوليمر انخفاضا في مستوى الغلوكوز في الدم، ومقاومة أقل للإنسولين، وانخفاضا في التهاب وتليف الكبد، وكل ذلك دون تغيير نظامها الغذائي أو وزن أجسامها.
يقول شيرتزر: "هذه طريقة جديدة تماما للتفكير في علاج أمراض الأيض مثل داء السكري من النوع الثاني ومرض الكبد الدهني، فبدلا من استهداف الهرمونات أو الكبد مباشرة، فإننا نعترض مصدرا للوقود الميكروبي قبل أن يلحق الضرر". وفقًا (يوريك ألرت).
سرطان القولون
اكتشف علماء في الولايات المتحدة كيفية قيام سم تنتجه بكتيريا "الإي كولاي" في الأمعاء بإحداث ضرر مباشر في الحمض النووي عبر ربط سلسلتَيه معًا، وهو ضرر يفسر الطفرات المرتبطة بسرطان القولون
كشف علماء في الولايات المتحدة آلية تأثير مركب كوليباكتين، وهو سم قوي تنتجه بكتيريا الإشريكية القولونية (تعيش في أمعاء الإنسان والحيوانات) وغيرها من البكتيريا، على الحمض النووي البشري.
ويرتبط هذا المركب بطفرات تؤدي إلى سرطان القولون والمستقيم (آخر جزء من الأمعاء الغليظة قبل فتحة الشرج)، في حين أن طبيعته جعلت عزله ودراسته أمرًا صعبًا لسنوات.
تقنيات متقدمة
اعتمد فريق البحث على أدوات علمية متقدمة، مثل قياس الطيف الكتلي (MS) (أداة تكشف مكونات الجزيئات وكتلتها) والتحليل الطيفي بالرنين المغناطيسي النووي (NMR) (تقنية تُستخدم لتحديد البنية التفصيلية للجزيئات)، لدراسة المركب على المستوى الذري.
وتمكن الباحثون من تجاوز مشكلة تفكك الكوليباكتين السريع عبر تنمية البكتيريا المنتجة له مباشرة بالقرب من خيوط الحمض النووي داخل المختبر، مما سمح للمركب بالتفاعل مع المادة الوراثية فور إنتاجه.
أظهرت الدراسة أن الكوليباكتين لا يتفاعل مع الحمض النووي بشكل عشوائي، بل يتركز على المناطق الغنية بقاعدتي الأدينين والثايمين (A-T) (زوجان من القواعد الأساسية التي تُشكّل الحمض النووي). ويتمثل تأثيره في تكوين ارتباط متقاطع بين السلسلتين، يُعرف باسم Interstrand Cross-Link (ICL) (جسر يربط سلسلتَي الحمض النووي ويمنعهما من الانفصال)، ما يؤدي إلى التصاق السلسلتين بشكل دائم. ويمنع هذا الضرر الخلية من قراءة حمضها النووي أو نسخه بشكل صحيح، الأمر الذي ينتج عنه طفرات قد تقود إلى الإصابة بالسرطان.
وكشف الباحثون أن هذا الارتباط يحدث دائمًا في الأخدود الصغير (منطقة ضيقة بين شريطَي الحمض النووي يكون فيها التلامس أقرب)، لأن الكوليباكتين يمتلك نواة موجبة غير مستقرة تنجذب إلى هذه المنطقة ذات الشحنة السالبة والغنية بقواعد A-T، مما يجعل التفاعل بينهما أشبه بتطابق "القفل والمفتاح".
انعكاسات بحثية وطبية مهمة
يمثل هذا الاكتشاف خطوة كبيرة في فهم العلاقة المباشرة بين بكتيريا الأمعاء وزيادة خطر الإصابة بالسرطان. كما يفسر سبب ظهور أنماط طفرات مميزة في الحمض النووي لدى مرضى سرطان القولون والمستقيم.
ومع معرفة العلماء الآن لبنية جسر الارتباط المتقاطع وآلية حدوث الضرر، يُتوقع أن يسهم هذا التقدم في تطوير وسائل تشخيصية جديدة لرصد الأشخاص الأكثر عرضة للخطر، إضافة إلى تصميم علاجات تستهدف النواة غير المستقرة للمركب، وربما فتح المجال أمام تدخلات غذائية أو علاجية تقلل عدد البكتيريا المنتجة للكوليباكتين داخل الأمعاء. وفقًا لموقع (Euronews عــربي).
تأثيرها على صحة الأطفال العاطفية مستقبلا
قد يؤثر الميكروبيوم المعوي للطفل في مراحله المبكرة على احتمالية إصابته بالاكتئاب أو القلق أو غيرها من الأعراض النفسية الداخلية في مرحلة الطفولة المتوسطة، وذلك وفقًا لدراسة جديدة أجرتها جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس. ويبدو أن هذا التأثير مرتبط بكيفية ارتباط البكتيريا بالتواصل عبر شبكات الدماغ المسؤولة عن المشاعر.
أظهرت دراسة رصدية نُشرت في مجلة "نيتشر كوميونيكيشنز" أن الأطفال الصغار الذين تحتوي ميكروبات أمعائهم على نسبة أعلى من بكتيريا رتبة الكلوستريدياليس وعائلة اللاكنوسبيراسيا كانوا أكثر عرضة للإصابة بأعراض اضطرابات نفسية داخلية - وهو مصطلح شامل يتضمن أعراض الاكتئاب والقلق - في مرحلة الطفولة المتوسطة. ويبدو أن هذا الارتباط غير مباشر: إذ ارتبط تكوين الميكروبيوم في المراحل المبكرة من العمر باختلافات في الترابط بين شبكات الدماغ المختلفة المرتبطة بالعواطف، وهو ما يرتبط بدوره بالقلق والاكتئاب لاحقًا في مرحلة الطفولة.
تشير النتائج إلى أن بكتيريا الأمعاء في المراحل المبكرة من العمر قد تلعب دورًا في برمجة دوائر الدماغ المرتبطة بالصحة النفسية في مرحلة الطفولة المتأخرة. وقالت الدكتورة بريدجيت كالاغان، كبيرة مؤلفي الدراسة من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، إنه في حال عدم معالجة أعراض الاكتئاب والقلق، فقد تزداد احتمالية استمرار مشاكل الصحة النفسية مع نمو الأطفال إلى مرحلة المراهقة والبلوغ.
"من خلال ربط أنماط الميكروبيوم في المراحل المبكرة من الحياة بترابط الدماغ وأعراض القلق والاكتئاب اللاحقة، تقدم دراستنا دليلاً مبكراً على أن ميكروبات الأمعاء يمكن أن تساعد في تشكيل الصحة العقلية خلال سنوات الدراسة الحرجة"، كما قال كالاغان، الأستاذ المشارك في علم النفس ورئيس كرسي بيرنيس وينزل وويندل جيفري تيرم الموقوف في علم النفس التنموي في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس.
ركزت الأبحاث السابقة حول محور الأمعاء والدماغ لدى الأطفال في الغالب على الرضع والأطفال الصغار بدلاً من الأطفال في سن المدرسة. وقد تناولت هذه الدراسات عادةً كيفية ارتباط التركيب الميكروبي بنمو الدماغ المبكر المرتبط بالحركة واللغة والتعلم، بدلاً من الصحة العقلية.
سعت كالاغان وفريقها إلى تحديد ما إذا كان تكوين الميكروبيوم المعوي لدى الطفل الصغير يمكن أن يكون له تأثير متسلسل على نتائج الصحة العقلية في مرحلة الطفولة المتأخرة، عندما تظهر مشاكل مثل الاكتئاب والقلق لأول مرة.
تستند هذه الدراسة إلى بيانات جُمعت من دراسة "النشأة في سنغافورة نحو نتائج صحية" (GUSTO). جمعت هذه الدراسة الطولية، التي تُعنى بمجموعة من الأطفال منذ الولادة، بيانات صحية متنوعة من أطفال في سنغافورة، شملت عينات براز في عمر سنتين، وصور رنين مغناطيسي للدماغ في حالة الراحة في عمر ست سنوات، وبيانات استبيان من مقدمي الرعاية حول المشكلات السلوكية للأطفال في عمر سبع سنوات ونصف. واستخدمت دراسة UCLA Health بيانات 55 مشاركًا من المشاركين في دراسة GUSTO.
أجرت جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس دراسةً إحصائيةً على البيانات لتحديد أنماط ترابط الدماغ في سن السادسة التي كانت مرتبطةً بقوةٍ بالأعراض النفسية الداخلية التي تم الإبلاغ عنها في سن السابعة والنصف. ثم فحص الباحثون كيفية ارتباط خصائص الميكروبات المعوية المبكرة في سن الثانية بتلك الأنماط الدماغية.
أظهرت العلاقة بين الأعراض النفسية الداخلية وأنواع الميكروبات ضمن مجموعتي Clostridiales و Lachnospiraceae نتائج مماثلة في أبحاث مماثلة حول الميكروبيوم والصحة النفسية لدى البالغين. وأوضح كالاغان أن هاتين المجموعتين من الميكروبات مرتبطتان بالاستجابة للضغط النفسي والاكتئاب لدى البالغين، فضلاً عن آثار الشدائد في مرحلة الطفولة المبكرة. وقد تكون بعض الميكروبات في هاتين المجموعتين أكثر حساسية للضغوط النفسية، مما قد يفسر ارتباطها بظهور الأعراض النفسية الداخلية في مراحل لاحقة من الطفولة.
وقال كالاغان إن الأبحاث التجريبية المستقبلية ستكشف ما إذا كانت هذه الارتباطات سببية وما إذا كان ينبغي اتخاذ إجراء بناءً عليها.
"نحن بحاجة إلى معرفة أي الأنواع داخل هذه المجموعات الأكبر هي التي تقود النتائج. بمجرد حصولنا على هذه المعلومات، ستكون هناك طرق مباشرة نسبياً لتغيير الميكروبيوم، مثل البروبيوتيك أو النظام الغذائي، والتي يمكننا استخدامها لمعالجة المشكلات"، قال كالاغان، وهو أيضاً عضو في مركز غودمان-لوسكين للميكروبيوم في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس.
تتحدث مع الدماغ وتؤثر على الشهية
قد تكون أمعاؤك قادرة على "التحدث" مع دماغك بطرق لم نكن نعرفها من قبل. فقد اكتشف العلماء وجود نظام إنذار سريع: عندما تلتقط خلايا في القولون بعض البروتينات التي تنتجها البكتيريا، ثم ترسل إشارة إلى الدماغ لتقليل الشهية.
اكتشف العلماء نوعًا خاصًا من خلايا الأمعاء تُسمى "النوروبودات"، قادرة على التعرف على بروتين تنتجه البكتيريا، ثم ترسل إشارات فورية إلى المخ لتخبره بأن الجسم تناول كمية كافية من الطعام.
في دراسة حديثة نُشرت على موقع "ScienceDaily"، أوضح العلماء كيفتتواصل الأمعاءمع الدماغ بشكل مباشر، ليس فقط لتنظيم الشهية، بل وأيضًا للتأثير على المزاج والسلوك.
وقاد هذه الدراسة عالما الأعصاب دييغو بوركيز ومايا كايلبيرير من جامعة ديوك، وقد نُشرت نتائجها في مجلة "Nature".
وصف الباحثون هذا النظام الجديد باسم "الحس العصبي الحيوي المعوي"، لأنه يسمح للدماغ بالتفاعل المباشر مع إشارات، بعيدًا عن المسارات المناعية أو الأيضية التقليدية.
ويعتقد العلماء أن هذا "الحس العصبي الحيوي" يمكن أن يساعدنا على فهم كيف تستشعر الأمعاء وجود البكتيريا، وكيف تؤثر هذه البكتيريا على الأكل والمزاج، بل وكيف يؤثر الدماغ على البكتيريا نفسها.
ليس الجوع فقط من يحدد شهيتنا
وقال دييغو بوركيز: "كنا نريد أن نعرف هل الجسم يمكن أن يشعر بوجود البكتيريا فورًا، ليس فقط عن طريق الاستجابة المناعية، بل عبر إشارات عصبية تؤثر على السلوك في اللحظة نفسها".
العنصر الأساسي هو "الفلاجلين"، وهو بروتين موجود في ذيول البكتيريا التي تساعدها على الحركة. عند تناول الطعام، تطلق بعض بكتيريا الأمعاء هذا البروتين. وتلتقط خلايا عصبية خاصة في الأمعاء هذا البروتين عبر مستقبل يُسمى "TLR5"، وترسل إشارة إلى الدماغ عبر العصب المبهم، وهو الخط المباشر بين الأمعاء والدماغ.
يفترض العلماء أن هذه الإشارات العصبية التي تنشأ من الأمعاء تساعد في تقليل الشهية، مما يشير إلى أن البكتيريا قد تؤثر بشكل مباشر على سلوكنا الغذائي. ولاختبار هذه الفرضية، جوّع الباحثون فئرانا طوال الليل، ثم حقنوا بروتين "الفلاجيلين" في قولونها، فلاحظوا أنها تناولت كمية أقل من الطعام مقارنةً بالفئران الأخرى.
ووفقًا لموقع "Nature"، فإن هذه الدراسة توضح أن بروتين "فلاجلين" يحفز خلايا عصبية في قولون الفأر لتطلق مواد تقلل الشهية عن طريق إرسال إشارات إلى الدماغ. الفئران التي لا تمتلك المستقبل المسؤول عن اكتشاف الفلاجيلين تأكل أكثر وتزداد وزنها.
يُسمى هذا النظام الجديد "الحس العصبي الحيوي"، وهو يسمح للأمعاء بالتواصل المباشر مع الدماغ لتنظيم الأكل بناءً على وجود الكائنات الدقيقة في الأمعاء، بغض النظر عن التغيرات المناعية أو الأيضية. نقلا عن موقع (DW).
دواء جديد يستهدف بكتيريا الأمعاء لإبطاء الشيخوخة
حدد العلماء فئة جديدة من الأدوية المضادة للشيخوخة تعمل من خلال التأثير على عملية رئيسية لبكتيريا الأمعاء، في تقدم قد يقود إلى طرق لإطالة العمر لدى البشر.
أظهرت دراسة حديثة أن دواء جديدا مضادا للشيخوخة يُسمى "رابا لينك-1" يطيل عمر الخميرة من خلال التأثير على مسار أيضي نشط أيضا لدى البشر. ونُشرت النتائج في مجلة Communications Biology، موضحة كيف يمكن للأدوية أن تؤثر على العمر عبر مسار TOR (الهدف من الراباميسين)، وهو مسار حيوي موجود في العديد من الكائنات الحية ويلعب دورا رئيسيا في تنظيم النمو والشيخوخة والأمراض المرتبطة بالعمر مثل السرطان والخرف.
ويعد مسار TOR محور تركيز رئيسي في أبحاث مكافحة الشيخوخة، حيث أظهرت أدوية مثل الراباميسين نتائج واعدة في إطالة العمر الصحي لدى الحيوانات.
اختبرت الدراسة دواء الجيل الجديد "رابا لينك-1"، وهو مركب مبتكر يجمع بين خصائص الراباميسين والراباتور (Rapator)، ويعمل على تثبيط مسار TOR بشكل انتقائي وفعال. ويخضع الدواء حاليا لاختبارات مكثفة لدراسة خصائصه المضادة للسرطان، وقد أظهر نتائج واعدة في استهداف الخلايا السرطانية ومقاومة الأدوية.
وجد الباحثون أن "رابا لينك-1" لم يبطئ نمو خلايا الخميرة فحسب، بل مدد عمرها أيضا عبر مجموعة بروتينات TORC1، وهي جزء من الذراع المحفّز للنمو في مسار TOR. كما أبرزت الدراسة دورا رئيسيا لمجموعة إنزيمات بكتيريا الأمعاء تُعرف بـ "الأغوماتينازات"، التي تكسر المستقلب أغوماتين وتحافظ على نشاط مسار TOR تحت السيطرة.
وأظهرت الدراسات السابقة أنه عند فقدان وظيفة هذه الإنزيمات، تنمو الخلايا أسرع وتشيخ قبل الأوان، بينما يعزز تدعيم المركبات المرتبطة بهذا المسار طول العمر ويفيد الخلايا.
وقال شارالامبوس راليس، أحد مؤلفي الدراسة:"من خلال إظهار أن الأغوماتينازات ضرورية للشيخوخة الصحية، اكتشفنا طبقة جديدة من التحكم الأيضي على مسار TOR، قد تكون محفوظة لدى البشر."
وأضاف:"بما أن الأغوماتين ينتج عن النظام الغذائي وميكروبات الأمعاء، قد يساعد هذا الاكتشاف في تفسير كيف تؤثر التغذية والميكروبيوم على الشيخوخة."
ورغم أن مكملات الأغوماتين متوفرة في الأسواق، يحث العلماء على الحذر بشأن استخدامها لأغراض النمو أو طول العمر، إذ يمكن أن تكون مفيدة فقط عندما تكون مسارات التمثيل الغذائي المرتبطة بالأرجينين سليمة.
وأوضح راليس:"الأغوماتين لا يعزز دائما التأثيرات المفيدة، إذ قد يساهم أحيانا في بعض الأمراض."
مع ذلك، تشير النتائج إلى استراتيجيات جديدة لإطالة العمر تجمع بين الأدوية التي تستهدف مسار TOR والتدخلات الغذائية أو الميكروبية.
ويقول الباحثون: "قد يكون فهم كيفية ضبط نشاط TORC1 مفيدا في الشيخوخة الطبيعية والحالات المرضية، وكذلك في السرطان، حيث يلعب TOR أدوارا مهمة." نقلا عن موقع (RT).