كظم الغيظ في زمن الفتن: قراءة أخلاقية روائية في ضوء التحديات المعاصرة

السيد هاشم أمير الهاشمي

2026-04-09 06:00

المقدمة

تعيش المجتمعات الإنسانية في هذا العصر حالة متسارعة من التوترات النفسية والاجتماعية، نتيجة ضغوط الحياة وتعقيدات العلاقات وتزايد أسباب الاحتكاك بين الأفراد. وفي ظل هذه الظروف، تبرز إشكالية أخلاقية عميقة تتمثل في كيفية تعامل الإنسان مع انفعالاته، وعلى رأسها الغضب، هل ينساق وراءه فيفقد توازنه، أم يضبطه وفق منهج قيمي راسخ؟ وتكمن أهمية هذا البحث في بيان أن ضبط الغضب ليس مجرد سلوك فردي محدود، بل هو أساس في بناء الشخصية المؤمنة المتزنة، التي تساهم في حفظ تماسك المجتمع. وعليه، فإن أطروحة هذه المقالة تقوم على أن كظم الغيظ، كما قررته النصوص الشريفة لأهل البيت عليهم السلام، يمثل منهجًا متكاملًا لضبط النفس، يتوافق مع ما توصل إليه علم النفس الحديث في فهم الانفعالات وتنظيمها.

العرض التحليلي

جاء التأصيل الأعلى لهذا الخلق في القرآن الكريم، حيث قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (سورة آل عمران: ١٣٤). وهذا النص يربط بين كظم الغيظ وبين مرتبة الإحسان، مما يدل على أن ضبط الغضب ليس مجرد امتناع، بل هو ارتقاء أخلاقي يتجاوز رد الفعل إلى الفعل الإيجابي.

وفي الروايات الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام، يظهر هذا المعنى بوضوح. فقد ورد: «ثَلاثُ خِصَالٍ مَنْ كُنَّ فِيهِ اسْتَكْمَلَ خِصَالَ الْإِيمَانِ: الَّذِي إِذَا رَضِيَ لَمْ يُدْخِلْهُ رِضَاهُ فِي بَاطِلٍ، وَإِذَا غَضِبَ لَمْ يُخْرِجْهُ غَضَبُهُ مِنَ الْحَقِّ، وَإِذَا قَدَرَ لَمْ يَتَعَاطَ مَا لَيْسَ لَهُ» (١، ٢). كما ورد أيضًا: «مَنْ كَفَّ غَضَبَهُ عَنِ النَّاسِ كَفَّ اللَّهُ عَنْهُ عَذَابَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (٣). وهذه النصوص تؤكد أن الغضب بحد ذاته ليس مذمومًا مطلقًا، وإنما المذموم هو خروجه عن حدود الحق.

ومن زاوية لغوية، نجد أن مفهوم "الغيظ" يشير إلى حالة انفعالية عميقة تتجاوز الغضب الظاهر، إذ ذكر ابن منظور أن الغيظ هو أشد الغضب وأخفته، بينما أشار الزبيدي إلى أنه الغضب الكامن في النفس (٤، ٥). وهذا التحليل اللغوي يكشف أن التعامل مع الغيظ يتطلب وعيًا داخليًا، لا مجرد ضبط ظاهري للسلوك.

وتعزز الروايات هذا المعنى حين تصف الغضب بأنه مفتاح للشرور، فقد ورد: «الْغَضَبُ مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ» (٦). وهذه العبارة تختصر مسارًا نفسيًا معقدًا، يبدأ بانفعال بسيط، ثم يتطور إلى سلسلة من السلوكيات السلبية، إذا لم يتم ضبطه في بدايته.

ومن هنا يأتي التقاطع مع علم النفس الحديث، الذي يعرّف الغضب بوصفه استجابة انفعالية طبيعية، لكنه يؤكد ضرورة تنظيمه من خلال ما يسمى "تنظيم الانفعال"، أي قدرة الفرد على إدراك مشاعره وتوجيهها بشكل واعٍ. وقد أشارت الدراسات إلى أن هذه القدرة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالصحة النفسية والتكيف الاجتماعي (٧).

وعند التأمل في التعاليم الروائية، نجد أنها لا تدعو إلى قمع الغضب قمعًا مرضيًا، بل إلى تهذيبه وتوجيهه. وهذا يتوافق مع مفهوم "إعادة التقييم المعرفي"، الذي يعد من أهم استراتيجيات تنظيم الانفعال، حيث يقوم الفرد بإعادة تفسير الموقف بطريقة تقلل من شدة الانفعال (٧). وهذا ما يعيشه المؤمن عمليًا حين يستحضر القيم الدينية عند تعرضه لموقف مثير للغضب، فيتأنى، ويفكر، ويختار رد الفعل المناسب.

وفي الحياة اليومية، تتجلى أهمية هذا الخلق في العلاقات الاجتماعية؛ فكم من نزاع بدأ بكلمة، ثم تطور بسبب الغضب غير المنضبط إلى قطيعة طويلة. وهنا يظهر أثر كظم الغيظ في حفظ الروابط الاجتماعية. وقد ورد في هذا السياق أن من كظم غيظه ملأ الله قلبه أمنًا وإيمانًا، وهو تعبير يدل على الأثر الداخلي العميق لهذا السلوك.

ومن جهة أخرى، فإن ضبط الغضب يعكس حرية الإنسان الحقيقية؛ لأنه يحرره من سيطرة الانفعال. وقد ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: «لَا تَكُنْ عَبْدَ غَيْرِكَ وَقَدْ جَعَلَكَ اللَّهُ حُرًّا» (8)، ويمكن فهم هذا في سياق التحرر من عبودية النفس وانفعالاتها.

ومن خلال هذا التحليل، يتبين أن كظم الغيظ ليس مجرد خلق فردي، بل هو مهارة نفسية وسلوك اجتماعي يسهم في بناء مجتمع متماسك، حيث يقل فيه النزاع، ويزداد فيه التفاهم. كما أنه يعكس عمق التربية التي جاء بها أهل البيت عليهم السلام، والتي تهدف إلى بناء الإنسان من الداخل قبل الخارج.

الخاتمة

يتضح من خلال هذا البحث أن كظم الغيظ يمثل قيمة أخلاقية مركزية في الإسلام، وقد أكدت النصوص الروائية على أهميته في بناء الشخصية المؤمنة المتزنة. كما أن هذا المفهوم يتقاطع مع ما توصل إليه علم النفس الحديث في فهم الانفعالات وتنظيمها. وفي ظل التحديات المعاصرة، يصبح الالتزام بهذا الخلق ضرورة ملحة، لما له من أثر في حفظ التوازن النفسي والاجتماعي. وعليه، فإن استحضار تعاليم أهل البيت عليهم السلام والعمل بها بوعي، يمثل الطريق الأمثل لبناء مجتمع قائم على الأخلاق والاتزان.

المصادر والمراجع

١. الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج٢، ص٣٠٥.

٢. النمازي الشاهرودي، علي، مستدرك سفينة البحار، ج٩، ص١٨٩.

٣. البروجردي، حسين، جامع أحاديث الشيعة، ج١٣، ص٣٩٥.

٤. ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، ج٨، ص٣٣٥.

٥. الزبيدي، محمد مرتضى، تاج العروس، ج٥، ص٥١١.

٦. الريشهري، محمد، ميزان الحكمة، ج٣، ص١٨٥٤.

٧. الجبيلي، محمد بن عبد الله، تنظيم الانفعال وعلاقته بالشعور بالتماسك في المدرسة لدى طلبة المرحلة الثانوية، المجلة العربية للعلوم التربوية والنفسية، ج٥، ع١٩، ص٢١–٥٠.

8 .نهج البلاغة، الرسالة ٣١.

ذات صلة

المسؤولية الكبرى للقائد في توحيد الأمةالحرب على ايران.. تقييم النتائج والتصورات المستقبليةالهدنة الأميركية-الإيرانية الهشة.. خطوة للوراء والابتعاد عن حافة الهاويةالقرآن الكريم وبنية الصراع الكوني: قراءةٌ سرديَّة في قصة سجود الملائكة لآدمإيران قد تثبت صحة وجهة نظر ترامب.. وهنا تكمن المشكلة