حتى توصل فكرتك الى صديقك بالتي هي أحسن
محمد علي جواد تقي
2026-03-30 03:16
{ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ}
من أهم وأبرز مهمام الأدب، أقامة جسور العلاقة بين القلوب والنفوس بأعذب الكلمات، وأخفها وزناً، وأغناها معنىً ودلالة، فكانت البلاغة من أرقى فنون اللغة العربية كونها تنقل الفكرة بشكل مركز ومختصر، مع مسحة من جمال اللفظ بما يضفي على المعنى جمالاً آخر.
وكلما كانت جسور العلاقة المعنوية مزدانة بالألفاظ الراقية والمهذبة، كانت جسور العلاقة المادية أقوى وأنفع في نطاق الأسرة؛ بين الزوجين، وبينهما وبين الأولاد، وفي نطاق أوسع؛ بين الاصدقاء، ثم الزملاء في محيط العمل، وفي جميع نواحي المجتمع.
واحياناً يتوسع الأمر من العلاقة بين فرد وآخر، الى العلاقة بالجماعة فيكون تحت عنوان "خطاب" من الفرد الى جماعة يستمعون اليه، وهذا ما يشتغل فيه أهل الإعلام، حيث يعتمدون مفردة الخطاب في اسلوب طرح المادة الإعلامية الى الجمهور فنجد ثمة خطاباً ايجابياً يدعو الى الانسجام والأمل والأخلاق والانسانية، بالمقابل نلاحظ خطاباً سلبياً ملؤه التضليل، والإثارة الكاذبة، واليأس وإحياء مشاعر الهزيمة والفشل.
ويحصل أن يختلط الأمر على البعض فهو يريد إيصال فكرة جيدة لكنه يخونه التعبير فيسوء الخطاب "لذا لا يعكس الصورة الواقعية للمعنى، بل في بعض الاحيان يعكس صورة سلبية له، في حين أن بعض الألفاظ الجميلة للقيم القبيحة تغطي على قبحها احياناً، بسبب جمال اللفظ الذي يغطي الى قبح المعنى، لذا نجد في عالم اليوم اهتماماً بالغاً في نقل القيم والثقافات للآخرين عبر أفضل وأجمل الاساليب الخطابية". (محاضرات ثقافية- السيد جعفر الشيرازي).
الخطاب القرآني: نموذج الخطاب الحَسِن
لمن يتصفح السور القرآنية، وتحديداً السور المدنية تجذبه التفاتات أدبية رائعة في الخطاب السماوي لانسان ذلك اليوم، وانسان هذا اليوم، والى يوم القيامة، ولعل هذا المستوى الراقي من الخطاب هو الذي جعل هذا الكتاب يتميز عن دونه من سائر الكتب التي بين يدي البشرية منذ اربعة عشر قرناً لما أضيف الى قدسيته؛ الجانب الأدبي الرفيع في الخطاب، بل إنه دعانا للاقتداء بهذا الاسلوب اللطيف في الخطاب فيما بيننا من خلال الآية الكريمة التي صدرنا بها المقال.
في السور المدنية آيات تطرقت الى حياة المسلمين والى أحداث وقعت في المحيط الاجتماعي إبان تشييد أول دولة اسلامية على يد الرسول الأكرم، بينما نلاحظ السور المكّية تتركز على مسائل العقيدة بالدرجة الاولى، والعِبر من الأقوام السابقة التي كفرت بالتوحيد وحاربت الأنبياء والمرسلين، ويمكن تسليط الضوء على ثلاثة محاور من الخطابات القرآنية في السور المدنية التي عالجت ظواهر وقضايا اجتماعية نجد امتداداتها في واقعنا الاجتماعي اليوم:
المحور الأول: عدم تعميم الحالة السلبية
ورد في كتب السِير والتاريخ أن جماعة من الأعراب قدموا المدينة "وقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا الى هذا الرجل فان يكن نبياً فنحن أسعد الناس باتباعه، وإن يكن ملكاً نعيش في جنابه، فأتوا النبي الأكرم، فجعلوا ينادونه وهو في حجرته: يامحمد! اخرج الينا" فنزلت سورة كاملة باسم "الحُجرات، وفيها الآية الكريمة: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُون}، و من الواضح لكل انسان لبيب أن عدم رجاحة العقل تشمل جميع هؤلاء الذين كانوا في الزقاق وينادون النبي وهو في حجرة نومه، وليس لبعضهم كما يشير ظاهر الآية الكريمة، إنما جاء الخطاب بهذه الاسلوب لترك مجالٍ للانتباه والأوبة الى السلوك الحسن.
ولاشك أن هؤلاء، مع جموع المسلمين في حينها سمعوا بنزول هذه الآية وعرفوا القصة، كما عرفوا أشخاصها، فلو كان الخطاب مثلاً: "جميعهم لا يعقلون"، لكان من الصعب عليهم –المنادين على النبي- العثور على خط رجعة او تصحيح مسارهم لأن القرآن الكريم كان قد أغلق بخطابه الحاد كل الطرق بوجههم ليتحولوا الى افراد منبوذين في المجتمع، وهو ما لا يريده القرآن ولا الإسلام في نظامه الاجتماعي.
المحور الثاني: عدم الاستعلاء
وهنا ثمة التفاتة هامة للغاية في أمر المخاطبة الناجحة عندما تكون متبادلة، لا أن تكون من طرف واحد معتدّ برأيه رغم صحته، فالانسان يبقى ذو نزعات نفسية مغروزة لديه يعتزّ بنفسه وإن كان على باطل وخطأ، فالرسول الأكرم، وهو مبعوث من عند الله –تعالى- على يقين بأنه الصادق والمصدّق، ويفترض ان يطيعه الناس ويصدقوه، وهو الشعور الذي لدى أي واحد منّا لو كان أقل بمعشار ما كان لدى النبي الأكرم، ولكن القرآن له رأيٌ آخر ومعالجة جذرية يحول النزعة النفسية ذات الطابع السلبي الى مرقاة للهداية والفلاح من خلال الآية الكريمة في سورة سبأ: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ}.
النبي الأكرم، وبتوصية إلهية مباشرة جعل نفسه، مع المشككين بنبوته في مكة على حدٍ سواء، والسبب في رأي المفسرين "أن الاسلوب يجعل الكافر يشكك في طريقه شكّاً منهجياً، كما يشك –عل الاقل- في صدق الرسالة، مما يجره للبحث والتعرف، وهذا بالطبع سيقوده الى الحق، مرحلة فمرحلة، وانما يبقى في الضلال الذي لايشكك نفسه، بل يعتقد جازماً أن على صواب". (تفسير من هدى القرآن- المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي).
هذا الاسلوب الأدبي الراقي في الخطاب، حوّل العلاقة بين النبي وكفار مكة من الصراع بين الكفر والايمان، ومن حالة التوتر والقلق، الى حالة الشك المنهجي والبحث العلمي لبلوغ الايمان بأحسن الطرق.
وهذا ما يفتقده الكثير من المثقفين والمفكرين، بل وتيارات عديدة مرت على حياة الأمة منذ قرن من الزمن وهي تدّعي الكمال في الفكر والسلامة في الدعوة الى الإسلام، وإنها هي التي تمثل الاسلام الحقيقي الكامل دون غيرها، ومن يعارضها فهو من الكافرين!
المحور الثالث: لا للانتقاص
حصل أن جادل نصارى نجران في المدينة رسول الله في نبوته ورسالته، ولم يقبلوا براهينه وأدلته بأن النبي الخاتم لأهل الأرض، فنزلت الآية الكريمة في سورة آل عمران، بأن {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِين}، والسماء تشهد أن النبي الأكرم هو الصادق في قوله، وأن موقف الطرف المقابل على باطل، مع هذا يأتي الخطاب القرآني الذي قرأه وسمعه النصارى قطعاً، ليصنع للعالم والأمم عبر الاجيال مشهداً رائعاً لمباراة عقدية فاصلة ومتكافئة في الجزاء حول صدقية عقيدة من دونها.
هذا الأدب القرآني الرفيع كان من بين اسباب وعوامل مباشرة في انتشار الاسلام في الآفاق وانسياب أحكامه وسننه وقوانينه في القلوب انسياب مياه الامطار في الأودية والانهار.
إحياء لغة القرآن الكريم
مما كانت تفخر به عرب الجزيرة العربية؛ لغتها العتيدة، فكان الشعراء يعدون انفسهم في مكة؛ العاصمة التجارية والدينية للجزيرة العربية آنذاك، الأمناء على هذه اللغة من خلال ابداعات باهرة جعلوها معلقات تبدو في ذلك الحين كأنها كلمات سحرية لما فيها من دقة التعبير، وعمق المعنى، ورهافة المشاعر، ولكن هذه المعلقات السبع انحنت مع اصحابها أمام القرآن الكريم الذي جاء بما هو أعجب وأبهر، بما يجعلنا أمام استحقاق لغوي مؤكد بأن نأوب الى لغة القرآن الأصيلة في حواراتنا ومحادثاتنا، فهي ليست فقط خير وسيلة تواصل فيما بيننا، بل هي خير بوصلة لثقافتنا عندما نحدد بها المعاني والدلالات مثل مفردة "الرهاب" بمعنى الخوف الواردة في القرآن الكريم في استخدامات عدّة معظمها في الاتجاه الايجابي، فهي وسيلة لأن {ترهبون به عدو الله وعدوكم}، وهي ايضاً، وسيلة لتعزيز العلاقة بين العبد و ربه من خلال: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ}، وايضاً؛ مفردة البصيرة ذات البعد المعنوي الدال على بعد الرؤية و دقتها، فالقرآن يعطي للبصر معنىً أوسع من بصيرة العين لتتجاوزه الى فهم وإدراك الكثير من القضايا في الحياة؛ {هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}.
كل هذه تمثل هدية سماوية من جملة عطايا لا تُعد للبشر لأن يعززوا العلاقات الطيبة فيما بينهم، ولتكون الوسيلة الأسرع لاستيعاب الحقائق وجعلها قاعدة انطلاق نحو حياة أفضل في الاصعدة كافة.