دراسة للباحثة زهراء الجبوري تكشف التدهور البيئي الحاد في قناة شط البصرة
أوس ستار الغانمي
2026-02-09 03:14
كشفت دراسة علمية حديثة أعدّتها الباحثة زهراء جاسم محمد الجبوري من كلية العلوم – قسم علوم البيئة في جامعة البصرة، عن تحوّل خطير في وظيفة قناة شط البصرة، التي أُنشئت عام 1983 لأغراض تنظيم المناسيب ودرء الفيضانات، لتغدو اليوم مجرىً مفتوحاً لتصريف مياه الصرف الصحي غير المعالجة والبزل الزراعي، مع ما يرافق ذلك من تدهور بيئي مزمن.
وتُظهر نتائج الدراسة أن القناة فقدت كفاءتها الهيدروليكية والبيئية معاً، إذ لم تعد قادرة على أداء دورها الأصلي في تنظيم المياه أو تقليل أخطار الفيضانات، بل تحولت إلى مصدر لنقل التلوث نحو المسطحات المائية الأخرى، ما جعلها تشكل خطراً بيئياً حقيقياً بدلاً من كونها مشروعاً هندسياً فاعلاً.
مياه سوداء وروائح خانقة
وسجّلت القياسات الميدانية تغيّرات واضحة في الخصائص الفيزيائية والكيميائية لمياه القناة، أبرزها تحوّل لون المياه إلى الأسود الداكن وصدور روائح كريهة نفّاذة. ويُعزى هذا التغير، بحسب النتائج، إلى الارتفاع الكبير في تراكيز المواد العضوية العالقة والمغذيات، إضافة إلى ارتفاع الطلبين الحيوي والكيميائي على الأوكسجين.
كما أظهرت التحاليل الكيميائية تسجيل مستويات مرتفعة من الأمونيوم والنترات والفوسفات، ما أدى في بعض الفترات إلى حدوث تحلل لاهوائي، وانبعاث روائح مميزة، وانخفاض حاد في الأوكسجين المذاب، الأمر الذي انعكس سلباً على الخصائص الفيزيائية للمياه وعلى قدرتها على دعم الحياة المائية.
تشخيص متعدد الأدلة والنتيجة واحدة
واعتمدت الدراسة على خمسة أدلة دولية لتقييم الحالة البيئية للقناة( CTSI، TLI، TRIX، OPI، RPI)، في محاولة لتقديم تشخيص متكامل ودقيق. ورغم اختلاف القيم الرقمية بين هذه الأدلة، إلا أنها أجمعت جميعاً على تدهور نوعية المياه بشكل حاد.
وأظهرت أدلة التغذية (CTSI، TLI، TRIX ) وصول القناة إلى مستويات عالية من الغنى الغذائي، فيما عكست أدلة التلوث (OPI، RPI )شدة التلوث العضوي والنهرّي. ولم تسجل النتائج أي تعارض جوهري بين المؤشرات، بل عزز التعدد المؤشري دقة التشخيص البيئي.
تخمة بيئية وغياب الاستقرار الحيوي
وبيّنت النتائج أن القناة وصلت إلى مرحلة مفرطة التغذية، وهي حالة تعكس تخمة بيئية ناتجة عن تراكم المغذيات. وقد سجلت تراكيز الكلوروفيل-أ قيماً مرتفعة، ما يشير إلى ازدهار غير طبيعي للطحالب، يؤدي إلى استهلاك الأوكسجين المذاب، ويقوّض استقرار الأحياء المائية، ويحدّ من إمكانية وجود حياة سمكية مستدامة.
تباين مكاني في شدة التلوث
وأظهرت الدراسة وجود تباين مكاني واضح بين محطات الرصد الثلاث. فقد سجلت المحطتان الأولى والثانية مستويات تلوث شديدة جداً، في حين كانت المحطة الثالثة أقل تلوثاً نسبياً، نتيجة اختلاف موقعها الهيدروليكي وانخفاض تعرضها لمصبات الصرف المباشر، مع وجود نوع من التخفيف أو الخلط المائي، رغم بقائها ضمن حالة تلوث واضحة.
وسجّل دليل التلوث النهري (RPI) قيمة بلغت (8) في المحطتين الأولى والثانية، مقابل (5.5) في المحطة الثالثة، ما يعكس تركّز مصادر التلوث، ولا سيما مصبات الصرف الصحي، عند مدخل القناة.
هيمنة المخلفات البشرية وملوحة بحرية
وبيّنت النتائج أن التدهور البيئي ناتج عن تأثير مزدوج لمياه البزل الزراعي والمخلفات البشرية، إلا أن أدلة التلوث العضوي، ولا سيما قيم OPI وBOD₅، تشير إلى هيمنة واضحة للمخلفات العضوية البشرية غير المعالجة.
كما سجلت ملوحة مياه القناة قيماً تماثل المياه البحرية، ما يدل على تحوّلها إلى نظام مائي عالي الملوحة، انعكس سلباً على الأحياء العذبة، وأدى إلى تراجع التنوع البيولوجي وفقدان الخصائص البيئية الأصلية للقناة.
اختناق بيئي وإجهاد شديد
وسجلت الدراسة انخفاضاً حاداً في الأوكسجين المذاب وصل إلى 2.1 ملغم/لتر، مقابل ارتفاع المتطلب الحيوي للأوكسجين (BOD₅) إلى 10.9 ملغم/لتر، وهي مؤشرات تعكس حالة اختناق بيئي واضحة، تجعل الظروف غير ملائمة للكائنات الهوائية، وتؤكد دخول القناة في مرحلة إجهاد بيئي شديد.
أحد أسوأ مستويات التلوث المسجلة
وبلغت قيم دليل TRIX بين (9.14 – 9.65)، وهي أرقام تصنّف، وفق المعايير الدولية، ضمن حالات التدهور الشديد جداً، وتضع قناة شط البصرة ضمن أسوأ الحالات البيئية المسجلة، على الأقل ضمن نطاق الدراسة الحالية.
الحل يبدأ من إيقاف التلوث
وتخلص الدراسة إلى أن الإجراء العاجل الذي لا يحتمل التأجيل يتمثل في إيقاف تصريف مياه الصرف الصحي غير المعالجة إلى القناة، باعتبارها المصدر الرئيس للتدهور. وتشير النتائج إلى أن عمليات الكري أو التجريف وحدها لا تمثل حلاً جذرياً ما لم تُعالج مصادر التلوث أولاً، لضمان أي استعادة جزئية لوظيفة القناة البيئية.