الحرب على إيران تفرض التحول القسري نحو الطاقة المتجددة والشمسية
شبكة النبأ
2026-04-09 05:48
أعادت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ملف أمن الطاقة إلى صدارة النقاش الدولي، بعدما تسببت في اضطراب واسع في أسواق النفط والغاز، ورفعت الأسعار إلى مستويات مرتفعة، وأثارت مخاوف متجددة بشأن استقرار الإمدادات العالمية، ولا سيما في الدول التي تعتمد على الشحنات العابرة عبر مضيق هرمز. وفي موازاة التداعيات الفورية للأزمة، برز اتجاه متنامٍ بين المسؤولين والخبراء والمستثمرين يعتبر أن هذه الحرب لا تشكل فقط صدمة جيوسياسية لأسواق الوقود الأحفوري، بل قد تتحول أيضاً إلى عامل مسرّع للاستثمار في الطاقة المتجددة والطاقة النووية وتقنيات تخزين الكهرباء، ليس بدافع المناخ وحده، بل بدافع أمن الإمدادات وتقليل الانكشاف على التقلبات الخارجية.
وتوضح المعطيات الواردة في التقارير الخبرية أن الأزمة الحالية تعد ثاني أكبر اضطراب في أسواق الطاقة خلال أربع سنوات بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022، وأن أثرها امتد من أوروبا إلى آسيا، ومن أسواق المال إلى سياسات الطاقة الوطنية، ومن سلوك المستهلكين إلى قرارات الحكومات المتعلقة بمزيج الطاقة، والتوليد الكهربائي، والوقود المستخدم في النقل والصناعة والمنازل.
أولاً: الاضطراب في أسواق النفط والغاز وتبدل أولويات الطاقة
خلال مؤتمر أسبوع سيرا للطاقة الذي عُقد في هيوستن في 26 مارس/آذار، أشار مسؤولون تنفيذيون إلى أن المخاوف المرتبطة بأمن الطاقة، والتي كانت في مراحل سابقة عاملاً يحد من الاستثمار في الطاقة المتجددة، قد أصبحت في الظروف الراهنة عاملاً يدفع باتجاه تسريع تطويرها، وربما بدرجة تتجاوز أثر المخاوف المناخية نفسها. وجاء ذلك في وقت أدت فيه الحرب إلى تعقيد إمدادات النفط والغاز، وتعطيل ضخ ملايين البراميل يومياً إلى السوق العالمية، وإثارة موجة جديدة من الضبابية في تجارة الطاقة الدولية.
وقد انعكس هذا التعطيل مباشرة على الأسعار وعلى أوضاع الدول المعتمدة على تدفقات النفط والغاز عبر مضيق هرمز، حيث تسبب النقص في شح الوقود في عدد من البلدان. ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة بالنظر إلى أن نحو خُمس الطاقة العالمية يمر عبر ذلك المضيق، ما يجعل أي اضطراب فيه ذا أثر عالمي سريع ومباشر. فالهجمات الإيرانية استهدفت مصافي تكرير ومحطات غاز ومنشآت تصدير في السعودية والكويت وقطر والإمارات والبحرين، وهو ما عمّق من حدة اختناقات الإمداد.
وفي هذا السياق، برزت فكرة أساسية مفادها أن مصادر الطاقة المتجددة، مثل الرياح والشمس، تمتلك ميزة استراتيجية تتجاوز بعدها البيئي، لأنها قابلة للإنتاج من مصادر محلية وإقليمية، بخلاف النفط والغاز اللذين يظلان أكثر عرضة لتقلبات الأسواق العالمية والتجارة الدولية والممرات البحرية الحساسة.
ثانياً: أمن الطاقة كمحرك جديد لتسريع التحول الطاقي
في النقاشات التي رافقت الأزمة، بدا واضحاً أن الخطاب المتعلق بالطاقة المتجددة يشهد تحولاً في مبرراته. فبدلاً من تقديمها بوصفها استجابة مناخية بالدرجة الأولى، باتت تُطرح بصورة متزايدة على أنها أداة لتقليل المخاطر الاقتصادية والجيوسياسية. وفي هذا الإطار، قال جيفري بيات، مساعد وزير الخارجية الأمريكي السابق لشؤون موارد الطاقة، إن التجربة خلال السنوات القليلة الماضية أظهرت أن السعر عامل حاسم، وإن طاقة الرياح والطاقة الشمسية والبطاريات أصبحت عروضاً اقتصادية أكثر جاذبية، وإن الدول تسعى إليها لا باعتبارها فقط هدفاً مناخياً، بل أيضاً بوصفها مدخلاً إلى طاقة أكثر أمناً من الناحية الاقتصادية والاستراتيجية.
ومن زاوية الطلب، أشار كريم فواز، مدير أسواق التكرير والمنتجات العالمية في ستاندرد اند بورز جلوبال إنرجي، إلى أن استمرار ارتفاع أسعار النفط قد يؤدي إلى تغيرات في السلوك الاستهلاكي، مثل الاتجاه إلى شراء السيارات الكهربائية أو اعتماد العمل من المنزل على نطاق أوسع. ويعني ذلك أن الأزمة لا تؤثر فقط في جانب العرض أو في السياسات الحكومية، بل تمتد إلى إعادة تشكيل أنماط الاستهلاك اليومي للطاقة.
أما جيف كوري، كبير مسؤولي الاستراتيجية في إنرجي باثوايز التابعة لكارلايل، فقد اعتبر أن ما يحدث حالياً قد يفضي إلى تسريع عملية التحول في مجال الطاقة، لافتاً إلى أن الدول التي خفّضت بصمتها الكربونية لم تفعل ذلك دائماً بدافع “إنقاذ الكوكب” فقط، بل بدافع تحصين نفسها من أزمات الإمداد والتقلبات الخارجية.
ثالثاً: أوروبا بين الطوارئ قصيرة الأجل والتحول البنيوي طويل الأجل
في بروكسل، قال الأمين التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، سيمون ستيل، في 16 مارس/آذار، إن اضطراب أسواق الطاقة الناجم عن الحرب الإيرانية يمثل درساً واضحاً في مخاطر الاعتماد على الوقود الأحفوري، وإنه ينبغي أن يدفع الحكومات إلى تسريع تقليص اعتماد اقتصاداتها على النفط والغاز. ولفت إلى أن الارتفاعات الحادة في الأسعار أظهرت كيف يمكن للاعتماد الكبير على الواردات أن يهدد الأمن القومي ويزيد أعباء تكاليف المعيشة، مؤكداً أن هذه المخاطر باتت واضحة للجميع.
ويكتسب هذا التحذير بعداً خاصاً في الحالة الأوروبية، إذ يستورد الاتحاد الأوروبي أكثر من 90 في المئة من احتياجاته النفطية و80 في المئة من احتياجاته من الغاز. ولهذا، دخل قادة الاتحاد الأوروبي في سباق لإعداد تدابير طوارئ تهدف إلى حماية المستهلكين من ارتفاع الأسعار وتفادي تكرار أزمة الطاقة التي شهدتها أوروبا في عام 2022، حين خفّضت روسيا إمدادات الغاز، ما أدى إلى ارتفاعات قياسية في الأسعار.
وفي الوقت نفسه، تتمسك المفوضية الأوروبية بأن استراتيجيتها المناخية التي تقوم على إحلال الطاقة المتجددة والطاقة النووية المنتجة محلياً محل الوقود الأحفوري، تمثل المسار الأكثر قدرة على تحقيق أمن الطاقة وتحييد أثر تقلبات الأسعار العالمية. غير أن هذا التوجه يواجه ضغوطاً من بعض الحكومات الأعضاء، ومنها إيطاليا والمجر، التي تدعو إلى تخفيف السياسات المناخية لتقليل الأعباء قصيرة الأجل على الصناعات. وفي المقابل، يرى ستيل أن مثل هذا التراجع لن يكون سوى حل وهمي، وأن التحول إلى الطاقة الشمسية والرياح يَعِد بطاقة أقل تكلفة، وفرص عمل في قطاعات التكنولوجيا النظيفة، وإمدادات أكثر أمناً.
وفي ألمانيا، قالت وزيرة شؤون الاقتصاد والطاقة كاثرينا رايشه إن نقصاً في الطاقة قد يحدث في أواخر أبريل/نيسان أو مايو/أيار إذا لم تنته الحرب، ووصفت التخلي التدريجي عن الطاقة النووية بأنه كان خطأ فادحاً. ويعكس هذا التصريح حجم الضغط الذي فرضته الأزمة على المقاربات الأوروبية السابقة المتعلقة بمزيج الطاقة.
أما في فرنسا، فتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية، إلى أن الطاقة النووية تمثل نحو 44 في المئة من مزيج توليد الكهرباء، وهو ما يعده المسؤولون الفرنسيون عامل أمان إضافياً في ما يتعلق بإمدادات الطاقة. وقد استشهد جيف كوري بهذه الحالة ليؤكد أن انخفاض البصمة الكربونية في فرنسا ارتبط أيضاً برغبتها في تجنب الهشاشة التي تبرز حالياً في أسواق الطاقة الدولية.
رابعاً: تقدم الطاقة المتجددة في الاتحاد الأوروبي رغم الاعتراضات السياسية
في سياق موازٍ، أظهرت بيانات نشرها مركز إمبر لأبحاث الطاقة في 22 يناير/كانون الثاني أن الكهرباء المنتجة من طاقة الرياح والطاقة الشمسية تجاوزت في عام 2025 للمرة الأولى الكهرباء المنتجة من الوقود الأحفوري في الاتحاد الأوروبي. وبحسب هذه البيانات، وفرت الرياح والطاقة الشمسية 30 في المئة من كهرباء الاتحاد الأوروبي خلال العام، في مقابل 29 في المئة لمحطات التوليد العاملة بالفحم والغاز، وأحياناً النفط.
وجاء هذا التحول مدفوعاً، في جزء مهم منه، بقفزة بلغت 19 في المئة في إنتاج الطاقة الشمسية، وهو نمو عوّض الانخفاض في إنتاج الطاقة الكهرومائية الناتج عن الجفاف. كما ارتفع إنتاج الكهرباء من الغاز بنسبة 8 في المئة، بما يعكس استمرار الحاجة إلى بعض المصادر التقليدية، وإن كانت حصتها تتراجع تدريجياً في بنية النظام الكهربائي الأوروبي.
وتظهر البيانات كذلك أن الطاقة الشمسية باتت تؤمن أكثر من خُمس الكهرباء في دول مثل المجر وإسبانيا وهولندا، وأن مزيج الكهرباء الأوروبي أصبح في معظمه منخفض الكربون، بعدما وفرت الطاقة المتجددة والطاقة النووية معاً 71 في المئة من الكهرباء في الاتحاد الأوروبي خلال العام الماضي. وفي المقابل، هبطت حصة الفحم إلى مستوى قياسي منخفض بلغ 9.2 في المئة.
ومع ذلك، لا يعني هذا التحول أن الاعتماد على الوقود الأحفوري قد انتهى، إذ لا تزال قطاعات مثل النقل تعتمد عليه بدرجة كبيرة. كما أن التحول يواجه اعتراضات سياسية، بعدما مارست حكومات من بينها ألمانيا وجمهورية التشيك ضغوطاً على بروكسل في العام الماضي لتقليص بعض تدابير خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. لكن الاتجاه العام، كما تعكسه الأرقام، يشير إلى استمرار التقدم نحو مصادر طاقة منخفضة الكربون ومحلية الإنتاج.
خامساً: الصين والاستثمار في الطاقة الخضراء تحت ضغط الأزمة
في آسيا، أظهرت الأسواق المالية اتجاهاً واضحاً نحو دعم أسهم شركات الطاقة المتجددة الصينية، على خلفية رهانات المستثمرين بأن أزمة النفط الناتجة عن الحرب مع إيران ستؤدي إلى زيادة الطلب العالمي على الطاقة الخضراء، وهو القطاع الذي تهيمن عليه الصين بدرجة كبيرة. ووفق التقارير، فإن هذا المسار في المحافظ الاستثمارية الآسيوية يتغذى من عاملين متداخلين: تصاعد القلق بشأن أمن الطاقة، وتزايد عدم الثقة في الاعتماد على الولايات المتحدة، وذلك في مقابل اتجاه أمريكي نحو العودة إلى النفط والغاز.
وخلال مؤتمر في هونغ كونغ، قال آرون كوستيلو، رئيس قسم شؤون آسيا في شركة كامبريدج أسوشيتس، إن الدول باتت مضطرة إلى التركيز على أمن الطاقة، وإن هذا يفرض عليها توسيع تطوير مصادر الطاقة المتجددة، وتحديث شبكات الكهرباء، وربما إضافة مزيد من الطاقة النووية، إلى جانب منح اهتمام أكبر لمتطلبات الدفاع. ويعكس هذا الطرح مقاربة أوسع ترى أن سياسة الطاقة لم تعد منفصلة عن اعتبارات الأمن القومي.
ومنذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران في 28 فبراير/شباط، تدفقت الأموال إلى الأسهم الصينية العاملة في مجالات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والسيارات الكهربائية والبطاريات. وقال يوان يو وي، مدير صندوق تحوط في ترينتي سينرجي إنفستمنتس، إنه راهن على الطاقة المتجددة في الصين لأنه يتوقع أن تستفيد من الدعم الحكومي ومن نمو الطلب على الصادرات. وأضاف أن الصين ستعزز بالتأكيد الاستثمار في الطاقة، وأن الحرب قد تدفع المستهلكين إلى إعادة النظر في السيارات التي تعمل بالغاز، بما يعود بالنفع على مصنّعي السيارات الكهربائية والبطاريات الصينيين.
سادساً: باكستان كنموذج على دور الطاقة الشمسية في امتصاص الصدمة
تمثل باكستان إحدى أبرز الحالات التي توضح كيف يمكن للطاقة الشمسية أن تخفف من أثر صدمات الوقود الأحفوري على الاقتصادات المستوردة للطاقة. فبحسب دراسة نُشرت قبل فترة قصيرة، أدى توسع باكستان في استخدام الطاقة الشمسية منذ عام 2018 إلى توفير واردات من النفط والغاز تزيد قيمتها على 12 مليار دولار حتى فبراير/شباط الماضي. كما رجحت الدراسة، الصادرة عن منظمة “رينيوابلز فرست” ومركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف، أن توفر البلاد 6.3 مليارات دولار إضافية بحلول نهاية عام 2026.
وفي لاهور، عبّر التاجر أفتاب أحمد، البالغ من العمر 49 عاماً، أثناء تسوقه لشراء ألواح شمسية لمنزله، عن أثر الأزمة على الأسر العادية، مشيراً إلى أن الوقود أصبح خارج متناول المواطن العادي، وأن كلفة الوقود للدراجات النارية والسيارات، وكذلك انعكاس أسعار الوقود على فواتير الكهرباء، تدفع الناس إلى البحث عن بدائل مثل الطاقة الشمسية لتحقيق قدر من التوفير.
وقد فاقمت السياسات السعرية الضغط على المستهلكين، إذ أعلنت الحكومة الباكستانية زيادة بنسبة 42.7 في المئة في سعر البنزين و54.9 في المئة في سعر الديزل، وهو ما أدى إلى احتجاجات وطوابير أمام محطات الوقود، قبل أن تعلن لاحقاً إتاحة النقل العام مجاناً لمدة شهر في المرافق الحكومية. وفي الوقت نفسه، واصلت الألواح الشمسية الانتشار فوق أسطح المنازل في أنحاء البلاد، بما أسهم في توفير الكهرباء من دون انقطاع والتقليل من أثر الانقطاعات الطويلة في الشبكة، خصوصاً في فترات ارتفاع درجات الحرارة.
وترى نابية عمران، محللة الطاقة في “رينيوابلز فرست”، أن الطاقة الشمسية ساعدت كذلك في تخفيف العبء الناتج عن اضطرابات الشحن في الخليج. وهي تشير إلى أنه لو لم تعتمد باكستان هذا القدر من الطاقة الشمسية منذ البداية، لكانت الآثار على قطاع الكهرباء أشد بكثير.
ومع ذلك، لا يعني هذا أن باكستان أصبحت بمنأى عن الأزمة. ففي الشهر الماضي، فرضت الحكومة إجراءات تقشفية شملت خفض أسبوع العمل لموظفي القطاع العام إلى أربعة أيام، وإغلاق المدارس، وتقليص عدد ملاعب بطولة الدوري الباكستاني للكريكيت من ستة إلى اثنين، مع منع حضور الجماهير، وذلك بهدف توفير الوقود. غير أن انتشار الطاقة الشمسية جعل العمل من المنزل أكثر قابلية للتطبيق وأقل تكلفة، لأنه يقلل من الاعتماد على الشبكة الكهربائية والغاز المستورد.
ويعد هذا التوسع بأنه من أسرع التحولات في الطاقة بقيادة المستهلكين. وقد ساعد على ذلك أن باكستان، خلافاً لعدد من الاقتصادات الغربية، لم تفرض رسوماً جمركية على التكنولوجيا الشمسية الصينية منذ عام 2013 وحتى العام الماضي. ونتيجة لهذا الانفتاح، قفزت الواردات من 1 غيغاواط في عام 2018 إلى 51 غيغاواط في مطلع هذا العام. كما أن ارتفاع أسعار النفط والغاز بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير/شباط 2022، إلى جانب الزيادات الكبيرة في التعرفة المحلية للطاقة، دفع المستهلكين بقوة إلى البحث عن بدائل.
وبين عامي 2022 و2024، شهدت باكستان انخفاضاً بنسبة 40 في المئة في واردات النفط والغاز، وفقاً للدراسة. وفي المقابل، تظل تحديات البنية التحتية كبيرة، إذ تقدر الوكالة الدولية للطاقة أن أكثر من 40 مليون شخص من سكان باكستان، الذين يزيد عددهم على 240 مليون نسمة، لا يحصلون على الكهرباء. ويرى منظور اشتياق، الذي يبيع الألواح الشمسية ويشرف على تركيبها في لاهور، أن جعل هذه التكنولوجيا في متناول الجميع يمكن أن يساعد على معالجة النقص، داعياً إلى خطة تشجع كل أسرة على اعتماد الطاقة الشمسية.
كما تلفت نابية عمران إلى أن باكستان أنفقت نحو 11 في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي على واردات الوقود الأحفوري خلال السنة المالية 2024، وهو ما تعده عبئاً ضخماً كان يمكن توجيه جزء منه إلى مجالات تنموية أخرى. وتؤكد أن الخطوة الأساسية المقبلة تتمثل في توسيع استخدام أنظمة تخزين الطاقة الشمسية بالبطاريات، لتفادي العودة إلى محطات الكهرباء الحرارية العاملة بالوقود الأحفوري خلال ساعات الذروة. كما تشدد على ضرورة أن يتجه صانعو السياسات إلى قطاع النقل، من أجل خفض تعرضه لصدمات أسعار الوقود العالمية وتقليل الانبعاثات عبر مبادرات مثل المركبات الكهربائية.
سابعاً: الهند واستراتيجية المزج بين الفحم والمتجددة والتخزين
في نيودلهي، أكد مسؤول حكومي هندي رفيع في 21 مارس/آذار أن بلاده لا تتوقع أن تؤثر أزمة الشرق الأوسط على قدرتها على تلبية الطلب المتزايد على الكهرباء خلال الصيف، موضحاً أن الهند أعدت قدرات إنتاجية من الفحم والطاقة المتجددة يمكن أن تعوض أي مشكلات في إمدادات الغاز. وعلى الرغم من أن الغاز لا يمثل سوى نحو 2 في المئة من إجمالي قدرات توليد الكهرباء في الهند، فإن البلاد تستخدم نحو 8 جيغاواط من الطاقة المولدة بالغاز في فترات ذروة الطلب أو أثناء موجات الحر.
وقال وزير الطاقة الهندي بانكاج أجاروال إن الحكومة متفائلة جداً بأن الأزمة لن تعوق تلبية الطلب. لكنه في الوقت نفسه أن الحرب أثرت بالفعل في إمدادات الغاز، وأن بعض الموردين أعلنوا حالة القوة القاهرة، الأمر الذي وضع الهند، وهي ثاني أكبر مستورد لغاز البترول المسال في العالم، في مواجهة ما وُصف بأنه أسوأ أزمة غاز طهي منذ عقود، مع شبه توقف للشحنات عبر مضيق هرمز.
وفي مواجهة ذلك، تراهن الهند على عدة أدوات في آن واحد. فهي تتوقع إعادة تشغيل محطة كهرباء تعمل بالفحم بقدرة 4 جيغاواط في ولاية غوجارات غرب البلاد، كما أن لديها عدداً من مشاريع طاقة الرياح التي باتت على وشك الارتباط بالشبكة. وأضاف أجاروال أن البلاد تمتلك ما يكفي من الطاقة الشمسية لتلبية ذروة الطلب النهارية البالغة 270 جيغاواط، وأن الحكومة تعمل على تسريع إنجاز مشاريع تخزين الكهرباء بالبطاريات لتغطية الطلب المسائي.
وفي الوقت نفسه، أعلنت وزارة الفحم أن الهند أنتجت مليار طن من الفحم للسنة الثانية على التوالي، وهو مستوى يُنظر إليه باعتباره كافياً لدعم تلبية الطلب الكهربائي في فصل الصيف. وكان قد طُلب، في وقت سابق من الشهر نفسه، من شركات الكهرباء المحلية العاملة بالفحم أن تكون مستعدة لتوفير طاقة كهربائية من دون انقطاع إذا توقفت إمدادات الغاز.
ثامناً: عودة مؤقتة إلى الفحم في آسيا تحت ضغط أمن الإمدادات
في موازاة تنامي الحديث عن الطاقة المتجددة، شهدت آسيا عودة واضحة إلى الفحم بوصفه خياراً سريعاً لتأمين الكهرباء وتفادي الانقطاعات في ظل ارتفاع أسعار المحروقات وتعطل بعض الإمدادات. وهذه العودة قد تبدو سلبية من منظور المناخ على المدى القصير، لكنها قد تقود، بصورة غير مباشرة، إلى تسريع الاستثمار في الطاقة المتجددة على المدى الأبعد، لأنها تكشف هشاشة الاعتماد على الوقود المستورد وتدفع الحكومات إلى البحث عن بدائل أكثر استقراراً.
وقالت إيمي كونغ، المحللة لدى “زيرو كاربون أناليتيكس”، إن أزمة النفط والغاز الحالية تبرز أهمية توافر مصادر طاقة داخلية لا تكون معرضة لتقلبات السوق العالمية للمواد الأولية، كما هو حال الفحم. وأشارت إلى أن بلداناً مثل فيتنام، التي زادت بسرعة حصة إنتاج الطاقة الشمسية، أصبحت تمتلك قدرة أفضل على مواجهة ارتفاع أسعار واردات الطاقة.
وتتفاقم حساسية آسيا تجاه الأزمة لأن أكثر من 80 في المئة من إمدادات النفط الخام والغاز الطبيعي المسال العابرة في مضيق هرمز تتجه إلى القارة، بحسب الوكالة الأمريكية للمعلومات حول الطاقة. كما أن باكستان والهند وبنغلادش تعد من كبار مستوردي الغاز الطبيعي المسال من قطر. وقد أعلنت الدوحة، تراجع قدراتها التصديرية بنسبة 17 في المئة بسبب الهجمات الإيرانية على منشآتها، محذرة من احتمال تعذر الوفاء ببعض العقود وتفعيل بند القوة القاهرة لفترة قد تصل إلى خمس سنوات في بعض العقود الآجلة للغاز الطبيعي المسال.
ويزيد من هشاشة الوضع أن معظم البلدان الآسيوية لا تملك منشآت لتخزين الغاز تحت الأرض، بحسب معهد اقتصاديات الطاقة والتحليلات المالية، ما يجعلها أكثر عرضة لصدمات الأسعار وتعطل الإمدادات. وعلى المدى القصير، يعني ذلك زيادة الاعتماد على الفحم، وهو ما ينعكس سلباً على المناخ، نظراً إلى كونه من أكبر مصادر انبعاثات غازات الدفيئة.
ولتجنب انقطاع التيار والحد من ارتفاع الأسعار، كثفت بعض الدول استخدام الفحم اعتماداً على إمدادات محلية أو إقليمية، حتى وإن كانت أسعارها ترتفع بدورها. والفحم لا يحل محل الغاز مباشرة داخل المحطات نفسها، لكنه يسمح بزيادة إنتاج المحطات العاملة به أو إعادة تشغيل الوحدات الخارجة من الخدمة. وقد ظهر هذا التوجه في بلدان غنية ونامية على السواء. فكوريا الجنوبية رفعت السقف المحدد لكمية الكهرباء المنتجة من الفحم، وتستعد تايلاند لإعادة تشغيل محطتي فحم كانتا قد خرجتا من الخدمة في العام الماضي. وفي الهند، حيث الفحم مصدر أساسي لتغذية شبكة الكهرباء، بات يحل أيضاً محل غاز الطهي. أما في الفيليبين، فتعتزم السلطات تعديل سلة الطاقة بما يرفع حصة الفحم الأقل كلفة، والغاز الطبيعي المنتج محلياً، ومصادر الطاقة المتجددة.
وفي المقابل، تحذر دينيتا سيتياواتي، المحللة المتخصصة في شؤون الطاقة في آسيا لدى مركز “إمبر”، من أن العودة إلى الوقود الأحفوري ستترتب عليها تكاليف كبيرة على البيئة والصحة العامة. وترى تحليلات أخرى أن هشاشة آسيا تعود جزئياً إلى اعتمادها الكبير على الغاز الطبيعي المسال الذي كان يُسوَّق بوصفه “وقوداً انتقالياً” أقل تلويثاً من الفحم إلى حين تعميم الطاقة المتجددة. لكن الأزمة الحالية أعادت فتح النقاش حول مدى استقرار هذا الخيار.
وفي هذا السياق، يشير بوترا أديغونا، مدير معهد “إنرجي شيفت إنستيتوت”، إلى أن المحطات العاملة بالغاز الطبيعي المسال قد تكون أقل تكلفة من حيث الاستثمار الأولي مقارنة بمشاريع الطاقة المتجددة التي تتطلب تحديثات في الشبكة، غير أن الطاقة المتجددة تبقى أقل كلفة على المدى البعيد، وقد سلطت الأزمة الضوء على أهميتها من حيث استقرار الإمدادات. كما أن تحفظ القطاع المصرفي إزاء تمويل مشاريع فحم جديدة قد يدفع صناع القرار إلى إعادة التركيز على مزايا الطاقة المتجددة. ويرى أديغونا أن هذا الاتجاه بات ملموساً إلى حد ما في بلدان جنوب شرق آسيا، حيث يمكن لاعتبارات أمن الإمدادات أن تنسف كثيراً من الاستنتاجات السابقة المتعلقة بجدوى التمويل أو ترتيب الأولويات.
خلاصة
تكشف المعطيات الواردة في التقارير الخبرية أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لم تقتصر آثارها على رفع أسعار الطاقة وإرباك الإمدادات عبر مضيق هرمز، بل أحدثت أيضاً تحولاً أعمق في طريقة فهم الدول لملف الطاقة. فقد بدا أن أمن الإمدادات عاد ليصبح محوراً رئيسياً في قرارات الاستثمار والسياسات العامة، وأن هذا الاعتبار يدفع في اتجاهين متوازيين: الأول قصير الأجل يقوم على استخدام أدوات الطوارئ، بما في ذلك زيادة الاعتماد على الفحم أو إعادة تقييم دور الطاقة النووية، والثاني متوسط وطويل الأجل يقوم على تسريع التوسع في الطاقة المتجددة، وتخزين الكهرباء بالبطاريات، وتحديث الشبكات، والتوسع في المركبات الكهربائية.
وفي أوروبا، عززت الأزمة القناعة بأن تقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد ضرورة استراتيجية، فيما أظهرت البيانات أن الرياح والشمس تجاوزتا الوقود الأحفوري لأول مرة في توليد الكهرباء داخل الاتحاد الأوروبي. وفي الصين، تحولت الأزمة إلى دافع استثماري عزز الثقة بقطاع الطاقة الخضراء. وفي باكستان، برهنت الطاقة الشمسية على قدرتها على تخفيف صدمة الأسعار والواردات، رغم استمرار الهشاشة البنيوية. أما الهند، فاختارت الجمع بين الفحم والطاقة المتجددة والتخزين لمواجهة ذروة الطلب ومشكلات الغاز. وفي بقية آسيا، كشفت العودة المؤقتة إلى الفحم حدود الاعتماد على الواردات، لكنها فتحت أيضاً الباب أمام مراجعة أعمق لأولويات أمن الطاقة والتحول الطاقي.
ان التحول نحو الطاقة المتجددة لم يعد يُطرح فقط كخيار بيئي أو التزام مناخي، بل بات يُنظر إليه على نحو متزايد باعتباره استجابة اقتصادية واستراتيجية لأزمات الإمدادات والتقلبات الجيوسياسية في أسواق الوقود الأحفوري.