مركز الفرات ناقش.. نظام الحكم في العراق ومفارقة النفط والاقتصاد
النرويج وفنزويلا مثالًا
مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية
2026-08-24 05:20
تحرير: حسين علي حسين
عقد مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية حلقته النقاشية ضمن نشاطه الدوري الشهري، وذلك يوم السبت الموافق 11/7/2026، في ملتقى النبأ الأسبوعي بمقر مؤسسة النبأ للثقافة والإعلام. وتناولت الورقة البحثية التي أعدها وقدمها الأستاذ حامد الجبوري، الباحث في مركز الفرات، موضوع: «نظام الحكم في العراق ومفارقة النفط والاقتصاد: النرويج وفنزويلا مثالًا». وقد حضر الحلقة جمع من الكتّاب والمفكرين ومديري المراكز البحثية، وجاء في الورقة البحثية ما يأتي:
على الرغم من تفوق فنزويلا على النرويج في الثروة النفطية، فإن الأخيرة أفضل أداءً بشكل عام، وعلى مستوى الاقتصاد بشكل خاص. ففي الوقت الذي تمتلك فيه فنزويلا 303 مليارات برميل، بوصفها أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، يبلغ احتياطي النرويج 5.9 مليارات برميل عام 2025، حسب بيانات أوبك، إلا أن النتيجة لم تكن متماثلة اقتصاديًا.
فقد بلغ إجمالي الناتج المحلي النرويجي 530.7 مليار دولار، وهو أكبر من إجمالي الناتج المحلي الفنزويلي الذي بلغ نحو 99.6 مليار دولار عام 2025.
إشكالية السكان
قد يطرح بعضهم أن تعداد السكان في النرويج، البالغ 5.6 ملايين نسمة، أقل بكثير من تعداد السكان في فنزويلا، البالغ 28.5 مليون نسمة عام 2025 حسب بيانات البنك الدولي؛ ولذلك تبدو النتيجة طبيعية في أن يكون النرويجيون أكثر ثراءً من الفنزويليين.
تبدو إشكالية السكان منطقية للوهلة الأولى، إلا أن ثروة الفنزويليين النفطية أكبر من ثروة النرويجيين، بحكم أن نصيب المواطن الفنزويلي من الاحتياطي النفطي يبلغ 10,631 برميلًا، وهو أكبر من نصيب المواطن النرويجي البالغ 1,053 برميلًا، ومع ذلك يبقى النرويجيون أفضل اقتصاديًا.
فقد بلغ نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي في النرويج أكثر من 94 ألف دولار، وهو أكبر بأضعاف من نصيب الفرد من إجمالي الناتج في فنزويلا، الذي بلغ أقل من 4 آلاف دولار عام 2025. وإذا أخذنا العمق التاريخي لنصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي، سنجد أن نصيب الفرد النرويجي أكبر من الفنزويلي أيضًا منذ عام 2000، حين بلغ 37 ألف دولار للفرد النرويجي، و4,776 دولارًا للفرد الفنزويلي. وقد اتسعت الفجوة بينهما سنة بعد أخرى حتى بلغت أكثر من عشرين ضعفًا تقريبًا عام 2025.
الموارد لا تكفي وحدها
تعطي هذه المفارقة دلالة مهمة، وهي أن الموارد لا تكفي وحدها لتحقيق التقدم الاقتصادي، بل لا بد أن تسبقها، أو تترافق معها على أقل تقدير، عوامل عديدة، أهمها طبيعة نظام الحكم: هل هو نظام ديمقراطي ناضج أم نظام ديكتاتوري؟
يمثل النظام الديمقراطي الناضج القاعدة الأساس لانطلاق المؤسسات وتحقيق أهدافها، على عكس النظام الديكتاتوري الذي ينخر المؤسسات من الداخل ويجعلها شكلية لا أكثر. وفي العادة، تعمل المؤسسات المستقلة، في ظل نظام ديمقراطي ناضج، على تجفيف منابع الفساد وترسيخ الشفافية، بخلاف المؤسسات الشكلية في ظل نظام ديكتاتوري، حيث تعمل على تأصيل جذور الفساد خدمةً للديكتاتور، لأن وجودها يرتبط بخدمته.
وقد صنّف مؤشر الديمقراطية العالمي الديمقراطية إلى أربعة أصناف:
1. ديمقراطية كاملة، وتتراوح درجتها بين 8 و10.
2. ديمقراطية بها خلل، وتتراوح درجتها بين 6 و7.9.
3. نظام هجين، وتتراوح درجته بين 4 و5.9.
4. نظام تسلطي، وتتراوح درجته بين 0 و3.9.
النرويج والديمقراطية والنفط
نظرًا لامتلاك النرويج تاريخًا طويلًا من التطور الديمقراطي، نضجت تجربتها الديمقراطية، وصُنفت على أنها ديمقراطية كاملة. فلم تنخفض درجتها عن 9.75 من 10 طوال سنوات صدور مؤشر الديمقراطية العالمي من عام 2006 إلى عام 2025، وتراوحت مرتبتها عالميًا بين الأولى والثانية من بين 167 دولة.
أسهم نضج الديمقراطية في نشوء مؤسسات فعالة جففت منابع الفساد؛ إذ تقع النرويج ضمن أفضل عشر دول في مؤشر مدركات الفساد العالمي منذ عام 1995 وحتى عام 2025، مما يعني ارتفاع مستوى الشفافية التي لا تسمح بتوظيف النفط بشكل سيئ بعيدًا عن الاتجاهات المطلوبة.
وبحكم العلاقة العكسية بين الفساد والاقتصاد، تحسن أداء الاقتصاد النرويجي، كما اتضح أعلاه، حين بلغ إجمالي الناتج المحلي 530.7 مليار دولار، وبلغ نصيب الفرد منه أكثر من 94 ألف دولار، نظرًا لمساهمة الشفافية في منع التوظيف السيئ للنفط، بل وفي توظيفه بما يخدم حماية الاقتصاد وتطويره.
فنزويلا والاستبداد والنفط
في المقابل، نلاحظ أن تاريخ الديمقراطية في فنزويلا كان سيئًا، ومع مرور الزمن أخذ ينحدر نحو الأسوأ حتى دخلت البلاد مرحلة الاستبداد؛ إذ انخفضت درجتها من 5.42 عام 2006، ضمن تصنيف النظام الهجين، إلى 2.25 من 10 عام 2025، ضمن تصنيف النظام التسلطي، حسب مؤشر الديمقراطية العالمي.
إن سيادة الاستبداد تعني ضعف المؤسسات، وانخفاض الشفافية، وزيادة الفساد. وقد احتلت فنزويلا موقع الصدارة في حجم الفساد، بالمرتبة 180 من أصل 182 دولة، لسنوات طويلة في مؤشر مدركات الفساد العالمي من عام 2012 حتى عام 2025، الأمر الذي يؤثر سلبًا في توظيف النفط وأداء الاقتصاد بشكل عام.
إن وجود الفساد يعني توظيف النفط بشكل سيئ بعيدًا عن الاتجاهات التنموية، وهذا ما يسهم في تدهور البنية التحتية، وضعف بيئة الأعمال، وإعطاء صورة سلبية عن البلد، وانخفاض الاستثمار الأجنبي، والنتيجة هي عدم تطور الاقتصاد الفنزويلي، كما اتضح أعلاه، حين بلغ إجمالي الناتج المحلي 99.6 مليار دولار، وكان نصيب الفرد منه أقل من 4 آلاف دولار.
وباختصار، فإن النفط ينعكس على الاقتصاد بحسب طبيعة نظام الحكم والمؤسسات؛ فينعكس إيجابيًا إذا توافرت ديمقراطية ناضجة ومؤسسات فعالة، كما هو حال النرويج، وينعكس سلبيًا إذا كان نظام الحكم استبداديًا أو ديمقراطيًا شكليًا مع ضعف المؤسسات، كما هو حال فنزويلا.
العراق والنفط ونظام الحكم
يمتلك العراق ثروة نفطية كبيرة، تُقدَّر بأكثر من 140 مليار برميل كاحتياطي نفطي مؤكد عام 2025. والسؤال هنا: هل أسهمت هذه الثروة في حماية الاقتصاد وتطويره؟
كما ذكرنا أعلاه، فإن انعكاس النفط على الاقتصاد مرهون بنظام الحكم والمؤسسات. وبهذا الصدد، مر العراق بنظام الاستبداد قبل عام 2003، مما يعني خطف المؤسسات من أداء دورها بشكل حيادي، والنتيجة كانت عدم توظيف النفط في خدمة الاقتصاد وتقويته.
وبعد عام 2003، انتقل العراق إلى الديمقراطية، لكن هذه الديمقراطية لم تكن ناضجة بما يكفي، بل إنها سائرة من النظام الهجين نحو النظام التسلطي حسب مؤشر الديمقراطية العالمي؛ إذ لم تتجاوز درجة العراق 4.74 من 10 في أحسن أحوالها، وفي السنوات الأخيرة انخفضت وصولًا إلى 3.36 من 10 عام 2025، وهي مرحلة الاستبداد، مما يعني أن الديمقراطية الحالية ديمقراطية شكلية.
وبما أن الديمقراطية شكلية، فإن دور المؤسسات سيكون ضعيفًا، وهذا ما انعكس على حجم الفساد. ورغم التحسن النسبي في مؤشر مدركات الفساد العالمي، فإن العراق لا يزال يحتل مراتب متقدمة، إذ جاء في المرتبة 136 من أصل 182 دولة عام 2025.
إن شكلية الديمقراطية وضعف المؤسسات دفعا إلى عدم توظيف النفط وفق الاتجاهات المطلوبة، واستمرار استشراء الفساد في مفاصل الدولة، وكانت النتيجة عدم متانة الاقتصاد العراقي، بل إنه اقتصاد ضعيف ينهار أمام أي أزمة.
وفق هذا الحال، لا يختلف العراق عن فنزويلا؛ فهو لا يمتلك ديمقراطية ناضجة ولا مؤسسات قوية قادرة على توظيف النفط وفق الاتجاهات المطلوبة. والنتيجة هي انتشار الفساد وضعف الاقتصاد، وربما انهياره في أي لحظة.
ولأجل حماية الاقتصاد وتطويره، يتطلب الأمر العمل على الاستفادة من التجربة النرويجية في كيفية تنضيج الديمقراطية وتقوية المؤسسات، من أجل تعزيز الشفافية، وتجفيف منابع الفساد، وتوظيف النفط وفق الاتجاهات المطلوبة، وبما يخدم الاقتصاد تطويرًا وحمايةً.
ومن أجل إغناء هذه الورقة البحثية ومضامينها، نطرح على المشاركين الكرام في هذه الحلقة النقاشية السؤالين الآتيين لإثراء الموضوع والاستزادة من الآراء المختلفة:
السؤال الأول: إلى أي مدى تُعد المؤسسات ونظام الحكم العامل الحاسم في تحويل النفط إلى اقتصاد قوي مقارنة بالنفط ذاته؟
السؤال الثاني: ما الإصلاحات المؤسسية المطلوبة لضمان تحويل النفط إلى اقتصاد عراقي قوي قادر على مواجهة الأزمات؟
المداخلات
- الأستاذ حسيني الأطرقجي، باحث وكاتب:
إن العراق، باعتباره بلدًا ريعيًا يعيش بصورة كبيرة على ريع النفط، وبما يُقدَّر بـ93%، يحتاج إلى أن يؤسس لما يُعرف بأمن الطاقة. وأمن الطاقة يبدأ بالإنتاج، ثم التصدير إلى الأسواق العالمية عبر الممرات البرية أو البحرية. وعلى مدى أربعة عقود، خسر العراق كثيرًا من العوامل والفوائد الإقليمية بفعل السياسة الخارجية، وبفعل تعثر السياسة الداخلية.
أما بخصوص السؤال الآخر المتعلق بالإصلاحات المؤسسية، فينبغي التحلي بالواقعية السياسية، على اعتبار أن العراق يُعد من دول العالم الثالث، وأن القرار الداخلي يرتبط بمدى وعمق العلاقات الاستراتيجية الإقليمية والدولية. فكلما كانت للعراق علاقات دولية متوازنة تستند إلى رؤى واضحة، وتستهدف مصلحة البلد في الدرجة الأولى، فإن ذلك سينعكس على الداخل العراقي.
لذلك أعتقد أن قدرة المؤسسات في الداخل ترتبط واقعيًا بقدرة العراق على إجراء إصلاحات خارجية تتمثل في بناء علاقات دولية، إقليمية وغير إقليمية، قائمة على المصلحة الوطنية بالدرجة الأساس.
- الشيخ مرتضى معاش:
تتضمن الورقة مفارقة مهمة بين ثلاث دول مختلفة: النرويج، والعراق، وفنزويلا. وهذه الدول ليست متشابهة؛ فالنرويج بلد أوروبي يقع جغرافيًا في أقصى أوروبا، ولذلك فإن تجربته تجربة خاصة. أما فنزويلا فهي بلد أمريكي لاتيني يشبه العراق من ناحية كثرة الفوضى والمشكلات، وعدم وجود استقرار سياسي، ويشترك معه في كثرة الموارد النفطية، لكنه يختلف عنه ثقافيًا ودينيًا.
أما العراق فهو بلد إسلامي عربي محسوب على الشرق، وقد نتفق على دور الاستعمار في تأسيس الفوضى داخل هذه البلدان. وهذا أمر واضح بالنسبة للعراق وفنزويلا، إذ كانا بلدين مستعمَرين، وكان للاستعمار دور كبير في استنزاف الموارد النفطية.
نلاحظ أن أمريكا الجنوبية نفسها تختلف عن أمريكا الشمالية، مع أنهما تقعان في القارة نفسها. فأمريكا الشمالية قارة غنية وفيها تقدم صناعي واقتصادي كبير، أما أمريكا الجنوبية فهي مليئة بالفوضى، وفيها حروب وانقلابات عسكرية وحروب أهلية، وغارقة في مشكلات كثيرة، وتعاني من اقتصاد غير مستقر، كما نلاحظ ذلك في المكسيك والبرازيل وكولومبيا، التي تُعد بلد العصابات، وصولًا إلى فنزويلا التي تُعد من أغنى بلدان هذه القارة وأسوأها في الوقت نفسه.
هذا يمثل دلالة واضحة على وجود صراع كبير جدًا على الموارد، وتكالب الدول الكبرى على هذه الدول. لذلك لا بد أن نضع العامل الجغرافي عاملًا أولًا، وهو مهم جدًا من جهة كثرة المشكلات والأزمات. وهناك عامل ثانٍ، هو العامل الاستعماري الجيوسياسي، الذي يبحث عن الثروات واستغلالها. ومن العوامل الأخرى العامل الثقافي، وهو مهم جدًا في طريقة إنتاج الاقتصادات والأعمال.
فيما يتعلق بالعامل الثقافي، نلاحظ أن هذا العامل الموجود في فنزويلا والعراق يرتبط بالفوضى وعدم الاستقرار، وهي بيئة ثقافية بدائية غير قادرة على إنتاج تصورات اقتصادية متقدمة. فالاقتصاد ينبغي أن يكون قويًا، أما الإنسان العادي والبسيط فيعرف الاقتصاد البدائي الذي يتمثل بالبيع والشراء فقط، ولا يعرف ما هو أعمق من ذلك.
أما الاقتصاد القوي فهو اقتصاد معقد يقوم على العلم، وعلى قوانين العرض والطلب، وعلى فهم التضخم والركود. وهذه الأمور لا نجدها في بلاد لديها تصورات بدائية عن الاقتصاد. فالعراق وفنزويلا، مثلًا، من البلدان التي لم تعش الاستقرار، ولذلك لا تمتلك رؤية أكاديمية علمية متراكمة تؤدي إلى إنشاء اقتصاد قوي. لذلك أرى أن العامل الثقافي مهم.
وهناك أيضًا العامل النفسي، وهو من أهم العوامل. فالاستقرار يعطي الإنسان فرصة للتفكير والتأمل في المستقبل والتخطيط له. أما العامل النفسي في بيئة عدم الاستقرار فيجعل الإنسان لا يفكر في الغد، بل يعيش اللحظة اليومية، ولا يعتقد أن هناك شيئًا اسمه المستقبل أو الغد حتى يفكر فيه. وهذه مشكلة كبيرة، وقد يكون العامل النفسي من أكبر العوامل التي تمنع إنشاء اقتصاد قوي وحقيقي.
والعامل الأخلاقي مهم أيضًا في هذه القضية، فإذا أردنا أن نقيس أثر العامل الأخلاقي، فهو الذي يؤدي إلى إنتاج رأسمالية معتدلة. فالاقتصاد الحقيقي هو اقتصاد رأسمالي، لكن الفرق أن الاقتصاد الرأسمالي الموجود في الغرب هو اقتصاد رأسمالي متوحش، بينما الرأسمالية المعتدلة هي رأسمالية أخلاقية، أي إنها تقوم على الإنسانية والأخلاقية.
لذلك فإن الأخلاق مهمة جدًا في صناعة اقتصاد مستقر وسليم يحقق المساواة بين الناس. ومن هذه الزاوية يمكن أن تكون النرويج، من الناحية الأخلاقية، قريبة من العراق، أو أن يكون العراق قريبًا من النرويج في القضية الأخلاقية.
نلاحظ أن الرأسمالية الموجودة في الدول الإسكندنافية هي رأسمالية معتدلة، وديمقراطية اجتماعية تعتمد على العدالة الاجتماعية، ولذلك نجد فيها تنمية حقيقية. وهذا يمكن أن يكون عاملًا مهمًا جدًا في خلق اقتصاد مستقر، قد يكون أفضل حتى من بريطانيا وأمريكا، اللتين تمثلان رمز الرأسمالية الغربية، لكن فيهما نوعًا من التوحش.
إذن، العامل الأخلاقي مهم، وهو موجود في العراق، ونعني به البنية الأخلاقية للتعامل والقيم الأخلاقية التي تساعد على وجود تعامل اقتصادي أخلاقي وإنساني. لكن نتيجة وجود عوامل أخرى في العراق أكثر تأثيرًا من الجانب الأخلاقي، أرى أن الإصلاحات المؤسسية وحملات مكافحة الفساد لن تكون مؤثرة كثيرًا، ولن تمثل علاجًا أساسيًا، بل ستكون مجرد ترقيعات أو ترميمات مؤقتة.
أما الأصل فهو بناء الاستقرار السياسي والاجتماعي عبر تغيير الأفكار الذهنية لدى النخبة السياسية والثقافية. وطالما لا تُمارَس عملية إعادة إنتاج الأفكار، سيحدث العكس، أي ستستمر عملية إنتاج الفوضى. فهذه النخب لا تفكر في اللحظة القادمة أو في اليوم التالي، بل تفكر في اللحظة الراهنة، وهذا من أكبر الأخطاء التي تؤدي إلى تدوير الأزمة. فما يجري الآن في فنزويلا والعراق هو عملية تدوير مستمر للأزمة، وإعادة إنتاج متواصل لها، والرجوع إلى المربع الأول والعودة إلى نقطة الصفر.
وهذا من الأخطار الكبيرة، فإذا لم يحدث لدينا تغيير في الذهنية، فلن نستطيع التخلص من الاقتصاد الريعي، ولا من الفوضى، ولا من الفساد. إن إنتاج ذهنية جديدة وتصور اجتماعي جديد، بالخصوص، يؤدي إلى إنتاج استقرار نفسي واجتماعي، والاستفادة من القيم الأخلاقية في بناء الاقتصاد. وهذا كله يؤدي، في النتيجة، إلى ما نطالب به، وما يطالب به الإسلام، وهو الديمقراطية الاجتماعية والعدالة الاجتماعية.
- الدكتور علاء الكاظمي، أكاديمي وباحث:
إن المؤسسات ونظام الحكم لهما كل الأثر، إن صح التعبير، في تحويل النفط إلى اقتصاد قوي. لكن هذه القضية غير فاعلة في العراق، كما نلاحظ، لأن مؤسساتنا غير فاعلة، وهذا له أسباب عديدة. ومن هذه الأسباب قضية الفساد، وبقاء العراق تحت رحمة الاقتصاد الريعي. وقبل أن تبدأ هذه الجلسة، كنت في حديث مع سماحة الشيخ مرتضى معاش حول العولمة.
العولمة، ونظام الشركات العالمي الحالي، يريدان أن يحكما الجميع، وخصوصًا الدول النامية، وأن يجعلا منها اقتصادًا تابعًا وسوقًا مفتوحة للشركات. لذلك لا أظن أن هذا النظام يسمح للعراق بالتحول إلى نظام اقتصادي جيد، أو بالخلاص من أزمة النفط أو لعنته، بل يريد أن يبقيه تحت وطأة الاقتصاد الريعي. هذه هي النقطة الأولى.
أما بخصوص السؤال الثاني المتعلق بالإصلاحات المؤسسية المطلوبة، فقد كنت أتمنى أن تشير الورقة البحثية إلى نقطة مهمة تتعلق بالنرويج، وهي أن صاحب الفضل على النرويج هو عراقي، هو فاروق القاسمي، المولود في البصرة. وقصته معروفة، فعندما هاجر إلى النرويج واكتشف الحقل الخاص بهم، ساهم في إنشاء الصندوق السيادي الذي تُقدَّر ثروته الآن بتريليون و800 مليار دولار.
وهذا مبلغ كبير جدًا رفع من اقتصاد النرويج، وكان له أثر كبير في هذا المجال. أما في العراق، فالعقول موجودة، وقد أشار سماحة الشيخ مرتضى معاش إلى ذلك عندما قال إننا بحاجة إلى تجديد الأفكار، وخصوصًا في مجال الإصلاحات. نحن بحاجة إلى عقول لها تأثير كبير، ونحتاج إلى فسح المجال لهذه العقول، لا أكثر ولا أقل.
فالشخص العراقي في النرويج وجد بيئة مناسبة شجعته واحتضنته، ومُنح المجال المطلوب، فاستطاع العمل والنجاح. أما في العراق، فإن البيئة السياسية لم تسمح لهذه العقول بأن تتصدى لمهمة الإصلاحات وتطوير الاقتصاد. نسأل الله أن يتيح لنا تغييرًا سياسيًا يفتح المجال للعقول النيّرة.
- علي حسين عبيد، كاتب في شبكة النبأ المعلوماتية:
تتحول المؤسسات في العراق إلى عامل مساعد لبناء اقتصاد قوي من خلال تبني الإصلاح الهيكلي والحوكمة الرشيدة. ويتطلب ذلك تفعيل مبادئ الشفافية والمساءلة، ومكافحة الفساد المالي والإداري لتعزيز ثقة المستثمرين المحليين والأجانب. كما ينبغي أتمتة الخدمات الحكومية وتقليل البيروقراطية لتسهيل بيئة الأعمال ودعم القطاع الخاص، مما يسهم في تنويع مصادر الدخل بعيدًا عن الاعتماد الكلي على النفط.
إضافة إلى ذلك، يتوجب على المؤسسات الاستثمار في رأس المال البشري، وتطوير المهارات الشبابية، وصياغة سياسات استثمارية مرنة تشجع الابتكار والمشاريع الصغيرة والناشئة، وتوجيه الموارد نحو إعمار البنية التحتية والمشاريع الاستراتيجية، بما يخلق بيئة اقتصادية مستدامة ومستقرة تحقق النمو والازدهار الشامل للبلاد مستقبلًا.
أما بخصوص السؤال الثاني، فإن الإيرادات النفطية تشكل العصب الأساسي للاقتصاد العراقي، غير أن هذا الاعتماد الأحادي جعل الدولة رهينة للتقلبات المستمرة في أسواق الطاقة العالمية، وهو ما يستدعي إحداث إصلاحات مؤسسية جذرية تضمن تحويل هذا المورد الطبيعي الفاني إلى محرك لبناء اقتصاد متين وقادر على الصمود أمام الأزمات. وتتطلب هذه العملية إعادة هيكلة شاملة لمؤسسات القطاع العام وإدارة الموارد وفق رؤية استراتيجية مستدامة.
تأتي في مقدمة هذه الإصلاحات تفعيل الصناديق السيادية الاستثمارية، وإدارتها وفق أطر قانونية ومؤسسية صارمة، معزولة عن الضغوط السياسية والإنفاق الاستهلاكي اليومي. كما يجب أن تُوجَّه نسبة ثابتة مقتطعة من عوائد النفط نحو هذا الصندوق لتدويرها في استثمارات منتجة داخلية وخارجية، بما يخلق مصدًّا ماليًا يحمي الموازنة العامة في أوقات انخفاض أسعار النفط، ويحافظ في الوقت نفسه على حقوق الأجيال القادمة.
كما ينبغي التركيز على تنويع القاعدة الاقتصادية من خلال توجيه الاستثمارات الحكومية والمحلية نحو قطاعات حيوية كالزراعة، والصناعة التحويلية، والخدمات اللوجستية، والسياحة. ويتطلب هذا الأمر إصلاح المؤسسات المالية والبنكية لتقديم التسهيلات الائتمانية للقطاع الخاص، الذي يجب أن يؤدي دورًا محوريًا بوصفه شريكًا في التنمية بدل اعتماده شبه الكامل على العقود والمشاريع الحكومية.
إن بناء بيئة استثمارية جاذبة يتطلب تبسيط الإجراءات، والإصلاح الإداري، والحد من البيروقراطية، والتصدي الحازم للفساد المالي والإداري من خلال تعزيز الشفافية، وتفعيل الأجهزة الرقابية المستقلة، ومعايير الحوكمة الرشيدة.
إلى جانب ذلك، تتطلب التنمية المستدامة إصلاح قطاع الطاقة المحلي نفسه، من خلال وقف هدر الغاز المصاحب لعمليات استخراج النفط، واستغلاله في توليد الكهرباء وتشغيل الصناعات المحلية، إضافة إلى الانتقال التدريجي نحو الاستثمار في مشاريع الطاقة المتجددة. إن هذا التحول ينعكس إيجابًا على خفض التكاليف البيئية والاقتصادية، ويوفر موارد إضافية للتنمية.
ختامًا، فإن النجاح في تحويل الثروة النفطية إلى اقتصاد قوي لا يقف عند حدود الإدارة المالية للنفط، بل يرتبط بمدى قدرة المؤسسات الوطنية على إعادة توجيه هذه العوائد لبناء اقتصاد متعدد الموارد، قائم على الإنتاج والمعرفة، وامتلاك المصدات الكافية لمواجهة التقلبات والأزمات الاقتصادية المستقبلية بثبات.
- أحمد جويد، مدير مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات:
في الحقيقة، لست مطلعًا بشكل كبير على القضايا الاقتصادية، لكن ما لفت انتباهي في العنوان هو نظام الحكم. ونظام الحكم يلفت الانتباه في الدول النفطية المنتجة للنفط، لأن النفط هو الذي شكّل أنظمة الحكم في كثير من هذه الدول. وأعتقد أن أغلب الحكومات في الدول النفطية هي صنيعة الشركات التي كانت تنتج النفط.
وفي العراق، بدأت أكثر الويلات منذ عام 1972، مع بداية ما يسمى بتأميم النفط. ومثل هذه القضية حدثت مع مصدّق في إيران، حين حاول في الخمسينات أن يقدم على التأميم، فحدث التغيير لحكومة مصدق والإطاحة به، وكان ذلك بسبب النفط وما قامت به الشركات النفطية الاحتكارية البريطانية آنذاك.
لقد قام العراق بالخطوات نفسها التي قام بها مصدق في إيران، وتحدى شركات النفط البريطانية. ومنذ ذلك الوقت وحتى اليوم، أُريد للعراق ألا يهنأ بنفطه، كما يُقال. وما تزال قضية تشكيل الحكومات في هذه الدول والإطاحة بها تحدث بسبب النفط، وكذلك الحال في ليبيا وغيرها من البلدان.
كل دولة منتجة للنفط تكون الشركات الاحتكارية والدول التي تقف خلفها مؤثرة في صناعة حكوماتها وتشكيل أنظمة الحكم فيها. ولذلك، فإن الشعوب أو الدول التي تريد الاستقرار عليها أولًا أن تحقق الاستقرار السياسي. أي إن نظام الحكم، سواء كان ديمقراطيًا أو غير ذلك، يجب ألا يكون دكتاتوريًا، وألا يكون تابعًا للدول الاحتكارية.
وبالتالي، إذا استقرت السياسة، فسوف تستقر السياسات النفطية أو الاقتصادية، ومن الممكن أن يستفيد البلد من ثرواته. أما إذا كانت أنظمة الحكم تأتي بطريقة الانقلابات وغيرها، فلن يمكن الاستفادة من الثروات النفطية، مهما كان حجمها تحت الأرض.
- حسين شاكر العطار، أكاديمي وباحث:
في الإجابة عن السؤال الأول، إذا قسمنا أنظمة الحكم في الدول النفطية إلى دول ديمقراطية، كالنرويج والسويد وبعض الدول الأخرى ذات النهج الديمقراطي المستقر، ودول تعاني من لعنة النفط كالعراق وفنزويلا وبعض الدول النامية، فإني أختلف مع ما طُرح هنا جزئيًا. فمؤشر الديمقراطية ليس بالضرورة العامل الحاسم وحده، وإنما مؤشر الاستقرار.
فيما يتعلق بالديمقراطية، يمكن أن نضرب مثالًا بالسعودية وبعض الدول الخليجية؛ فهي ليست دولًا ديمقراطية، لكنها في الوقت نفسه تتمتع بالاستقرار. لذلك قد يكون اقتصادها ريعيًا أيضًا، لكنها بدأت تتحرك وتتنوع، وبدأ إنتاجها غير النفطي يزداد خلال العقدين الماضيين، وهذا ما حدث في السعودية بشكل أكبر، وفي قطر أيضًا بما تمتلكه من ثروة الغاز. ورغم عدم وجود مؤشر ديمقراطي، فإن هذه الدول تتمتع بالاستقرار.
أما في العراق، فقد أضعنا الجهتين. ولدينا مسألة أخرى تتعلق بتذبذب النظام السياسي في الدول التي تعاني من الفوضى أو الهشاشة مثل فنزويلا والعراق وكثير من الدول الأخرى. فهذه الدول تمتلك النفط وتعتمد عليه، ولذلك تتذبذب معه. فعندما يكون الإنتاج النفطي جيدًا والسوق جيدة لتسويق النفط، نجد أن النظام السياسي مستقر.
لكن بمجرد أن تتذبذب أسعار النفط صعودًا أو انخفاضًا، تحدث الاضطرابات السياسية؛ ولذلك نلاحظ أن وجودها هش. فوجود نظام الحكم يعتمد على مؤشر النفط. أما النقطة الثالثة المتعلقة بالسؤال الأول، فقد أشار إليها سماحة الشيخ مرتضى معاش، وهي أن ثقافة الشعب في الدول النفطية تختلف عن غيرها.
هناك دول لا تعتمد على النفط في اقتصادها واستقرار نظامها، بل تعتمد على الزراعة وغيرها. وتجد فيها عقلية زراعية، وكذلك عقلية صناعية. أما نحن، فلدينا للأسف ثقافة عقلية الغيب، وكما يقول المثل الشعبي: «اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب». وهذا الأمر موجود، إذ يُنظر إلى النفط على أنه موجود دائمًا، وما دام لدينا نفط فنحن بخير، والصرف مفتوح.
إضافة إلى ذلك، فإن عدد السكان في فنزويلا والعراق كبير، ويصل إلى ثلاثين أو أربعين مليونًا، بينما في الدول المستقرة تحدث الزيادة السكانية ضمن إطار من العقل والتخطيط، أي من دون إفراط. أما لدينا فيوجد إفراط وتفريط وعدم استقرار.
إن التعداد السكاني يعطي مؤشرًا مهمًا، فالدولة الناشئة أو الهشة مثل العراق وفنزويلا، إذا أرادت توفير نظام صحي، فإنها تحتاج إلى تخطيط مضاعف. بينما يبلغ عدد سكان النرويج، مثلًا، خمسة ملايين نسمة، ورعاية خمسة ملايين تختلف عن رعاية أربعين مليونًا من البشر، حتى لو كانت الأموال متوفرة. فالمشكلة ليست في وفرة الأموال، وإنما في إدارة الأموال وإدارة السكان. وهذا يؤكد أن إدارة خمسة أو ستة ملايين تختلف عن إدارة أعداد هائلة.
نتحدث هنا عن الدول النفطية، بينما هناك دول كثيرة اعتمدت على أمور أخرى كالزراعة والصناعة. فالصناعة في شرق آسيا في وضع ممتاز، وكذلك الاستثمارات في مجال الإلكترونيات، أما في الدول النفطية فإن إدارة الأموال تختلف عن غيرها.
أما في الإجابة عن السؤال الثاني، المتعلق بالإصلاحات المؤسسية، فنحن نحتاج أولًا إلى نظام سياسي مستقر، كما نحتاج إلى سن قوانين تنظم الثروة النفطية والطاقة والموارد الطبيعية. ويجب أن تكون هذه القوانين موحدة، ضمن منظومة متكاملة تُقر خلال سنتين أو ثلاث سنوات وفق عقلية موحدة.
ما المشكلة الموجودة لدينا؟ إن الاضطرابات السياسية أدت إلى وجود قوانين تعود إلى سبعينات القرن الماضي، حيث كانت العقلية آنذاك مختلفة عن قوانين الثمانينات. ولذلك تجد أن بعض قوانين السبعينات القديمة منظمة بشكل أفضل من قوانين الثمانينات التي جاءت من قبل مجلس قيادة الثورة، وأحدثت رد فعل من خلال الدكتاتورية.
وحين نأتي إلى النظام الديمقراطي، نجد قوانين فوضوية متعارضة مع غيرها من القوانين. فقد قامت قوانيننا كلها على النظام المركزي، أما الآن فنظامنا السياسي ليس مركزيًا، وإنما هو نظام ديمقراطي مختلف. لذلك يفترض أن تتغير القوانين كلها، وهذه مسألة مهمة جدًا، وهي من مظاهر الفوضى للأسف.
أما السياسة الخارجية ودورها في تحجيم الاقتصاد، فنحن نحتاج إلى إصلاحات مؤسسية مهمة جدًا في السياسة الخارجية، وفق نظام مؤسسي وليس وفق اجتهادات شخصية. وهذا الخلل حدث نتيجة الحروب والتقاطعات السياسية.
وأخيرًا، فإن مكافحة الفساد تحتاج أيضًا إلى مؤسسات وإصلاحات حقيقية لا شكلية. وهذه الحملة الحالية، حتى لو استمرت، لا تنتج شيئًا، لأن النظام فاسد، بينما يفترض أن يكون النظام نفسه هو من يكافح الفساد. فمكافحة الفساد لا تقل أهمية عن مكافحة الإرهاب والجريمة، وعن تنظيم الدولة وضبط الحدود.
لكن، للأسف الشديد، فإن عقلية الحكومة وعقلية النظام السياسي تضع قضية مكافحة الفساد في آخر الأهداف، بينما يفترض أن تكون في المقدمة، لأن وجود الفساد هو سبب كل المشكلات التي نعاني منها. وإصلاح أي نظام أو مؤسسة مرهون بتجفيف منابع الفساد، ثم إصلاح النظام الاقتصادي، والنظام الصحي، والنظام التربوي، والنظام الجامعي، وقطاعات الطاقة والكهرباء. فإصلاح هذه القطاعات مرهون أولًا بمكافحة الفساد.
- محمد علاء الصافي، باحث في مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث:
إن موضوع المؤسسات في نظام الحكم يُعد عاملًا حاسمًا، وهذا أمر مؤكد. لكن لدينا في العراق مشكلة تتعلق بالتشريعات والقوانين. فمنذ بداية الحقبة الجمهورية عام 1958، وحتى قبل تاريخ تأميم النفط، كانت القوانين العراقية تحدد الاستثمار الأجنبي، كما حددت الاستثمارات الضخمة في العراق.
العالم اليوم ينظر إلى الدول ووجودها على الخريطة من زاوية ما إذا كانت تمتلك موردًا اقتصاديًا، أو تشغّل شركات، أو تمتلك عناصر مؤثرة، مثل الموانئ المهمة، أو الطرق، أو البضائع المهمة، بشرط أن تكون داخل منظومة الاقتصاد العالمي.
العراق منذ عام 1958 ليس داخلًا في منظومة الاقتصاد العالمي، وعلينا أن نكون واقعيين في ذلك. فعندما اندلعت حرب الخليج الأولى في الثمانينات، ثم الثانية في التسعينات، ثم مرحلة الحصار وما بعد الحصار، كانت للعراق حصة كبيرة في أوبك مثلًا، ثم قلت هذه الحصة ووصلت إلى مرحلة الصفر، لكنها لم تؤثر في الاقتصاد العالمي.
حتى أزمة هرمز الآن، التي لا تخص العراق وحده، أحدثت بعض التغييرات في الاقتصاد العالمي بفعل الدول المحيطة بمضيق هرمز، لكنها ليست تغييرات كبيرة تطيح بالاقتصاد العالمي، أو تجعل من العراق دولة مؤثرة فيه، كما حدث مثلًا عند اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية وما نتج عنها من أزمة القمح والغاز، وكذلك جائحة كورونا وتأثيراتها.
هذه الأحداث أثرت في العالم كله في وقتها، لكن تأثير العراق في الاقتصاد العالمي لا يمكن أن نقول إنه صفر، لكنه تأثير قليل؛ لأنه دولة غير داخلة في المنظومة بسبب القوانين والتشريعات. ومن الأمور المهمة أن تغييرات بدأت تحدث مع عام 2026، وأتوقع أن يحدث ربط للعراق بالشركات العالمية.
العالم اليوم تقوده الشركات، ولا تقوده الحكومات. فالحكومة مجموعة من الموظفين يتم انتخابهم من قبل الناس، ويتغيرون كل سنتين أو أربع سنوات، أما النظام الاقتصادي العالمي فتقوده الشركات. والولايات المتحدة الأمريكية هي التي تقود الاقتصاد العالمي، ولهذا فإن بعض المعنيين يعرّفون أمريكا بأنها شركة ضخمة.
والعالم اليوم تقوده جهتان: الشركة الكبيرة، التي تمثلها الولايات المتحدة الأمريكية، والمصنع الكبير. وبينهما توافقات قد تنخفض في مجال وترتفع في مجال آخر، لكن من لا ينسق مع المصنع الكبير والشركة الكبيرة لا يدخل في المنظومة العالمية، ولا يكون له أي تأثير.
أما موضوع النفط والموارد الأخرى، فحتى لو اكتشفنا ألف مورد جديد في العراق، سوف يبقى الشعب فقيرًا، وتبقى الدولة فقيرة، ولا سيما أن الدولة تقوم بحملات مكافحة الفساد حتى تتمكن من تأمين الرواتب، أو باتت تواجه أزمة في كيفية تصدير النفط لصرف الرواتب. ولا أحد يقول إننا نصدر النفط لكي ندخل في تأسيس شركات أو تطوير شركات. فأين هي الشركات في بلدنا؟ إن الكلام يتمحور دائمًا حول النفط وتأثيره.
لذلك أعتقد أننا من دون الدخول في المنظومة العالمية والاقتصاد العالمي عن طريق الشركات، لن يكون لدينا أي تأثير، وسنبقى ندور في الدوامة نفسها.
- باسم حسين الزيدي، باحث في مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث:
لاحظت أن المهتمين والمختصين يطرحون على هذه المفارقة مصطلح «المرض الهولندي»، وهو مصطلح معروف. فعندما يطفو أحد قطاعات المواد الطبيعية على السطح ويدر موارد ضخمة للدولة، يؤدي ذلك إلى خلل في القطاعات الأخرى، خصوصًا ما يتعلق بتراجع الصادرات. فهذا القطاع الذي يدر أموالًا ضخمة سيرفع من قيمة العملة، وبالتالي تصبح عملية الإنتاج عبثية، لأن الوارد أقل بأضعاف من الصادر، والمقصود هنا الواردات المصنعة.
هذا، باختصار، هو المرض الذي يعاني منه العراق. فعندما يُطرح موضوع اقتصادي ما، يتبادر إلى الذهن دائمًا أننا إذا كنا نعاني مشكلة في الاقتصاد الريعي ونريد تغييرها، فقد يصدر قرار مفاجئ من الدولة العراقية بالتحول من الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد رأسمالي، وكأن المشكلة ستنتهي ونصبح مثل النرويج.
الحقيقة أن المشكلة في العراق أكبر من تغيير نمط الاقتصاد. فالنرويج تمتلك بنية متكاملة تشمل التشريعات، والنظام الضريبي، والقطاع المالي، والشفافية، والنزاهة، وغير ذلك. وهذه هي البنية التي أدارت الاقتصاد وطوّرته حتى وصل إلى ما وصل إليه. أما نحن في العراق فلدينا أيضًا بنية متكاملة، لكنها بنية من الفساد والصفقات وانعدام الشفافية، حتى إن الأفراد الفاسدين جزء من هذه المنظومة، لأن هذه المنظومة توارثناها، إن صح التعبير، عبر أجيال.
بمعنى أن هذه المنظومة انتقلت من جيل إلى جيل. ولذلك، حتى لو قمنا في العراق بتغيير كل الموجودين في الساحة، فإن هذه البنية نفسها ستبقى متحكمة في اقتصاد العراق ومؤسساته. وهذا هو السبب الأساس في رأيي. لذلك، كما ذكر سماحة الشيخ مرتضى معاش، فإن التغيير الذي يأتي من الأتمتة أو تحسين القطاع المالي والمصرفي، لن يكون وحده قادرًا على حل المشكلة.
لذا نحتاج إلى تغيير شامل في عملية إدارة الاقتصاد، من التشريعات إلى النظام الضريبي وغيرهما، حتى يكون ممكنًا تغيير الواقع الاقتصادي الذي يعاني منه العراق.
الخاتمة: تعقيبات الباحث حامد الجبوري
أشير إلى بعض المداخلات. بخصوص وجود دولة معينة تصدّر مادة معينة، كما يقوم العراق بتصدير النفط، فإن هذا يولد عملة صعبة، ويخلق طلبًا على العملة المحلية، الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع قيمتها أو سعرها. وعندما يرتفع سعرها، تكون قيمتها عالية أمام المستثمر الأجنبي، مما يؤدي إلى قلة الطلب عليها، وبالنتيجة تضعف كل القطاعات أمام هذا القطاع، فيتكوّن اقتصاد ذو قطاع إنتاجي واحد. وهذا يتعلق بمصطلح «المرض الهولندي».
أما ما طرحه الأستاذ محمد الصافي بخصوص الشركات العالمية، فنحن لا نريد أن نذهب إلى منافسة الشركات العالمية في أفق الاقتصاد العالمي. المطلوب منا فقط هو استثمار الإيرادات النفطية في بناء اقتصاد محلي. ولا أقصد أن تستثمر الدولة مباشرة في قطاع الزراعة أو الصناعة أو غير ذلك؛ لأننا تحولنا إلى اقتصاد السوق نظريًا، أي في القول فقط، أما عمليًا فلم نتحول بعد. لذلك يجب أن نقلل الكلف حتى نشجع القطاع الخاص على بناء هذه المشاريع في الزراعة أو الصناعة أو التجارة.
المطلوب هو توفير البنى التحتية والقضاء على الفساد. وفي هذه الحالة سنقلل الكلف بحيث يستطيع القطاع الخاص أن يبني نفسه بنفسه ويواكب التطورات، خصوصًا أن القطاع الخاص يمتلك القدرة على البحث عن المواد الأولية وضغط التكاليف بما يحقق له الأرباح.
أما الاستثمار في البنى التحتية، إضافة إلى الصحة والتعليم، فيمثل عوامل جوهرية في بناء الاقتصاد المحلي، ولا نريد أن ننافس في الاقتصاد العالمي. أما بخصوص النفط كمورد، فهذا أمر معروف ومتفق عليه؛ فهو مورد اقتصادي، لكنه هنا يمثل موردًا أساسيًا وقائدًا للاقتصاد، ويؤثر فيه بحكم امتلاكه الصدارة، فيستحوذ على الاقتصاد. وهنا أصبح دوره أكبر، حتى صار هو المتحكم بالاقتصاد كله.
وأتفق هنا مع الأستاذ محمد الصافي في أن مشكلتنا بدأت منذ عام 1958، حين أصبح الاقتصاد حكوميًا، وخاضعًا لتخطيط مركزي تحت هيمنة الحكومة، فتحول الاقتصاد إلى وزارات، وأصبحت الوزارات كلها بيد القائد العام للقوات المسلحة. وبالنتيجة، إذا قال القائد العام للقوات المسلحة قال الاقتصاد. فمنذ عام 1958 أُلغي مجلس الإعمار، الذي تأسس بين عامي 1950 و1952.
وقد ذُكر تأثير الاستعمار في الاقتصاد، وكذلك تأثير العولمة كما أشار أحد المشاركين. وبصراحة، أختلف مع هذه النقطة، وفق المقولة التي تنص على أن «المستعمرين ما استعمروا أرضك إلا بعد أن وجدوك قابلًا للاستعمار». ويقال أيضًا: «لم يخرج الاستعمار من أرضنا ما لم نخرجه من رؤوسنا». وهنا أتفق مع سماحة الشيخ بخصوص العوامل النفسية والاجتماعية والثقافية.
نحن دائمًا نشخص الفساد على أنه سبب، بينما هو نتيجة لسوء التحول. أما الاستعمار، فهو نتيجة، ثم أصبح لاحقًا سببًا في تفشي الفساد.
استنتاجات وتوصيات
1. الثروة النفطية وحدها لا تكفي لبناء اقتصاد قوي، بدليل أن فنزويلا تمتلك احتياطيًا نفطيًا أكبر بكثير من النرويج، لكنها أضعف اقتصاديًا.
التوصية: ينبغي التعامل مع النفط بوصفه أداة لبناء اقتصاد منتج، لا بوصفه ضمانة تلقائية للثراء، وذلك عبر تحويل العوائد النفطية إلى استثمارات تنموية طويلة الأمد.
2. العامل الحاسم في تحويل النفط إلى قوة اقتصادية هو نظام الحكم وطبيعة المؤسسات، لا حجم النفط ذاته؛ فالمؤسسات الديمقراطية الناضجة تمنع سوء توظيف الثروة.
التوصية: يجب إصلاح نظام الحكم باتجاه ديمقراطية أكثر نضجًا، تقوم على مؤسسات مستقلة وفعالة، قادرة على إدارة الموارد بعيدًا عن الفردية والمحاصصة والهيمنة السياسية.
3. نجحت النرويج لأنها امتلكت ديمقراطية كاملة ومؤسسات شفافة، مما جعل النفط عامل حماية وتطوير للاقتصاد بدل أن يكون مصدر فساد.
التوصية: الاستفادة من التجربة النرويجية لا تكون بنقل شكلها الخارجي، بل بتبني جوهرها المؤسسي: الشفافية، الرقابة، استقلال المؤسسات، وتوظيف العوائد النفطية لخدمة الاقتصاد والمجتمع.
4. فشلت فنزويلا في تحويل ثروتها النفطية إلى اقتصاد قوي بسبب تراجع الديمقراطية، وسيادة الاستبداد، وضعف المؤسسات، وارتفاع مستويات الفساد.
التوصية: على العراق تجنب المسار الفنزويلي عبر منع تحوّل الديمقراطية إلى شكل فارغ، ومواجهة الفساد بوصفه تهديدًا بنيويًا للاقتصاد والدولة لا مجرد خلل إداري.
5. العراق يقترب من النموذج الفنزويلي أكثر من النموذج النرويجي؛ لأنه لا يمتلك ديمقراطية ناضجة ولا مؤسسات قوية قادرة على توظيف النفط في الاتجاهات المطلوبة.
التوصية: يحتاج العراق إلى مشروع إصلاح مؤسسي شامل يعيد بناء علاقة النفط بالدولة، ويحوّل العوائد من أداة إنفاق ريعي إلى رافعة للاستقرار الاقتصادي والتنمية المستدامة.
6. مكافحة الفساد لا يمكن أن تكون حملة مؤقتة أو إجراءً شكليًا، لأن الفساد مرتبط ببنية النظام وضعف المؤسسات، وهو سبب رئيس في تعطل الاقتصاد والخدمات.
التوصية: يجب جعل مكافحة الفساد أولوية وطنية تضاهي مكافحة الإرهاب والجريمة، عبر مؤسسات رقابية مستقلة، وقضاء فاعل، وشفافية في العقود والإنفاق العام.
7. الاعتماد الريعي على النفط يجعل الاقتصاد والسياسة في العراق هشّين أمام تقلبات أسعار الطاقة، ويمنع قيام قطاع خاص منتج ومستقل.
التوصية: ينبغي تنويع القاعدة الاقتصادية بتوجيه الاستثمارات نحو الزراعة، والصناعة التحويلية، والخدمات اللوجستية، والسياحة، وتحرير القطاع الخاص من التبعية للعقود الحكومية.
8. الصندوق السيادي يمثل أداة مهمة لتحويل العوائد النفطية إلى ثروة مستدامة تحفظ حقوق الأجيال وتخفف أثر تقلبات أسعار النفط.
التوصية: إنشاء صندوق سيادي عراقي بإدارة مهنية مستقلة، تُودع فيه نسبة ثابتة من عوائد النفط، ويُمنع استخدامه في الإنفاق الاستهلاكي أو الخضوع للضغوط السياسية.
9. الإصلاح الاقتصادي لا يتحقق بالأتمتة أو الإجراءات المالية وحدها، لأن المشكلة أعمق وترتبط ببنية فساد وتشريعات وثقافة إدارية متوارثة.
التوصية: يجب إطلاق إصلاح شامل في التشريعات، والنظام الضريبي، والقطاع المالي، والحوكمة، بحيث لا تبقى الحلول التقنية مجرد تحسينات سطحية داخل منظومة مختلة.
10. الاستقرار السياسي والاجتماعي والثقافي شرط أساسي لبناء اقتصاد قوي؛ فالفوضى تعيد إنتاج الأزمة وتمنع التفكير بالمستقبل والتخطيط له.
التوصية: لا بد من بناء استقرار سياسي واجتماعي يقوم على تجديد الذهنية السياسية والثقافية، واستثمار القيم الأخلاقية في الاقتصاد، وتعزيز العدالة الاجتماعية والديمقراطية الاجتماعية.