ماذا يعني عودة العراق للقائمة الرمادية؟
د. سلام عيدان مرزوك الخيكاني
2026-07-18 05:05
أعادت مجموعة العمل المالي الدولية FATF إدراج العراق ضمن القائمة الرمادية، وهو قرار قد يبدو للوهلة الأولى شأناً فنياً يخص المصارف والجهات الرقابية، إلا أن تداعياته تمتد إلى الاستثمار والتجارة وثقة العالم بالاقتصاد العراقي. وبوصفي باحثاً في الشأن المصرفي والمالي، أرى أن أهمية هذا القرار لا تكمن في التصنيف نفسه، بل في كونه يكشف مجدداً عن تحدٍ أعمق يتمثل في قدرة الدولة على تحويل الإصلاحات المالية من استجابات مؤقتة إلى سياسات مؤسسية مستدامة. فالقضية لا تتعلق بمجرد إدراج اسم دولة في قائمة دولية، وإنما بمستوى الثقة الذي يمنحه المجتمع المالي العالمي لهذه الدولة. والثقة في عالم المال أصبحت أحد أهم الأصول الاقتصادية، لأنها تؤثر في الاستثمار والتجارة والعلاقات المصرفية وتكلفة المعاملات المالية.
لماذا عاد العراق؟
مجموعة العمل المالي الدولية هي الهيئة العالمية المسؤولة عن وضع المعايير الخاصة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار أسلحة الدمار الشامل. ورغم أنها لا تمتلك سلطة فرض عقوبات مباشرة، فإن توصياتها وتصنيفاتها تحظى باهتمام كبير من قبل البنوك والمؤسسات المالية والمستثمرين حول العالم. والعراق سبق أن واجه هذا التحدي وتمكن من الخروج من دائرة المراقبة عام 2018 بعد جهود شاركت فيها مؤسسات مالية وقضائية وأمنية متعددة. وكان ذلك الإنجاز مؤشراً إيجابياً على تحسن البيئة الرقابية والمالية في البلاد، كما منح المصارف العراقية مساحة أوسع للتعامل مع النظام المالي العالمي.
لكن العودة إلى القائمة الرمادية بعد أقل من عقد من الزمن تطرح سؤالاً مهماً: إذا كانت الإصلاحات السابقة قد نجحت في تحقيق المطلوب، فلماذا لم تمنع تكرار المشكلة؟ من خلال متابعتي للقطاع المصرفي العراقي خلال السنوات الماضية، أرى أن المشكلة لا تكمن في نقص التشريعات أو غياب التعليمات التنظيمية، بل في ضعف استدامة الإصلاحات. فغالباً ما تنشط برامج الإصلاح المالي تحت تأثير الضغوط الدولية أو المتمتطلبات الخارجية، لكنها تفقد جزءاً من زخمها بمجرد انتهاء مرحلة المتابعة المكثفة. لذلك فإن التحدي الحقيقي ليس في إصدار القوانين، بل في تحويلها إلى ممارسات مؤسسية راسخة تستمر بغض النظر عن وجود الرقابة الدولية من عدمها.
الاقتصاد النقدي أصل المشكلة
أحد أبرز التحديات التي تواجه العراق يتمثل في استمرار الاعتماد الواسع على النقد في التعاملات الاقتصادية. فعلى الرغم من التقدم الذي تحقق في مجال الدفع الإلكتروني وانتشار البطاقات المصرفية خلال السنوات الأخيرة، ما تزال نسبة كبيرة من الأنشطة التجارية والمالية تتم خارج النظام المصرفي الرسمي. هذا الواقع يجعل عملية تتبع الأموال والتحقق من مصادرها أكثر صعوبة، ويحد من قدرة الجهات الرقابية على كشف الأنشطة المشبوهة أو التعامل معها بكفاءة. كما أنه يخلق فجوة بين النشاط الاقتصادي الحقيقي والبيانات المتاحة للمؤسسات الرقابية والمالية.
وفي تقديري، فإن الاقتصاد النقدي لا يمثل مجرد مشكلة مصرفية، بل يعكس تحدياً تنموياً أوسع. فكلما ارتفعت نسبة التعاملات خارج القطاع المصرفي، انخفضت قدرة الدولة على تعزيز الشفافية المالية وتحسين كفاءة السياسة النقدية وتوسيع قاعدة الشمول المالي. كما أن وجود قطاع غير رسمي واسع يفاقم من هذه المشكلة، إذ تجري العديد من الأنشطة الاقتصادية بعيداً عن القنوات الرسمية، وهو ما يزيد من صعوبة مراقبة التدفقات المالية ويجعل الاقتصاد أكثر عرضة للمخاطر التي تثير قلق المؤسسات الدولية.
ماذا يخسر العراق؟
قد يعتقد البعض أن آثار الإدراج في القائمة الرمادية ستقتصر على المصارف والجهات المالية، إلا أن الواقع يشير إلى أن التأثيرات قد تمتد إلى قطاعات اقتصادية متعددة. فأول هذه التأثيرات يتمثل في زيادة مستوى التدقيق على التحويلات المالية الدولية. وعندما ترتفع متطلبات الفحص والامتثال، تزداد كلفة المعاملات المالية ويطول الوقت اللازم لإنجازها. وهذا الأمر ينعكس مباشرة على التجار والمستوردين الذين يعتمدون على التحويلات الخارجية في نشاطهم التجاري. وفي نهاية المطاف، تنتقل هذه التكاليف الإضافية إلى أسعار السلع والخدمات التي يتحملها المستهلك. لذلك فإن التأثير النهائي لا يقتصر على المؤسسات المالية، بل يصل بصورة غير مباشرة إلى المواطن العادي.
أما التأثير الثاني فيتعلق بالاستثمار الأجنبي. فالمستثمر لا ينظر فقط إلى حجم السوق أو الموارد الطبيعية، بل يهتم أيضاً بمستوى المخاطر المؤسسية والمالية. وعندما تُدرج دولة ما ضمن القائمة الرمادية، فإن ذلك يضيف عاملاً جديداً إلى حسابات المخاطر، خصوصاً في القطاعات غير النفطية التي يسعى العراق إلى تطويرها من أجل تنويع اقتصاده. كذلك قد ينعكس التصنيف على طبيعة العلاقات المصرفية الدولية، إذ تصبح المصارف العراقية مطالبة بإجراءات امتثال أكثر تعقيداً في تعاملاتها مع البنوك المراسلة والمؤسسات المالية الخارجية. ورغم أن هذا لا يعني انقطاع تلك العلاقات، إلا أنه يزيد من تكلفتها ويجعل إدارتها أكثر صعوبة.
الإصلاح تحت الضغط
في رأيي، فإن الدرس الأهم من عودة العراق إلى القائمة الرمادية يتجاوز الجوانب الفنية المتعلقة بمكافحة غسل الأموال. فالقرار يكشف نمطاً متكرراً في إدارة الإصلاحات الاقتصادية يتمثل في تحقيق تقدم ملحوظ تحت تأثير الضغوط والمتطلبات الدولية، ثم تراجع الزخم بعد الوصول إلى الهدف المباشر. وهذه ليست مشكلة خاصة بهذا الملف وحده، بل تحدٍ مؤسسي يظهر في العديد من ملفات الإصلاح الاقتصادي والإداري في العراق. ولهذا أعتقد أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بالخروج من القائمة الرمادية مرة أخرى فحسب، بل بقدرة الدولة على بناء منظومة قادرة على المحافظة على الإصلاحات بعد انتهاء الرقابة الدولية. فالتأريخ لا يحاكم النوايا بل يحاكم النتائج، والثقة المالية لا تُبنى بقرارات مؤقتة، وإنما بممارسات مستقرة ومتراكمة عبر الزمن.
وقد يكون من المفيد النظر إلى تجربة عام 2018 باعتبارها درساً مؤسسياً أكثر من كونها نجاحاً فنياً. فالعراق تمكن آنذاك من تحقيق المتطلبات اللازمة للخروج من المراقبة الدولية، لكنه لم ينجح بالقدر نفسه في ترسيخ بعض الإصلاحات وجعلها جزءاً دائماً من عمل المؤسسات. وهذا ما يفسر عودة الملف إلى الواجهة مرة أخرى بعد سنوات قليلة.
كيف يمكن الخروج؟
الخروج من القائمة الرمادية لا يحتاج إلى حلول استثنائية بقدر ما يحتاج إلى استمرارية والتزام مؤسسي. فالعراق يمتلك اليوم خبرة سابقة في هذا المجال، كما أن الجهات المالية والرقابية أصبحت أكثر إدراكاً للمتطلبات الدولية مقارنة بما كانت عليه قبل سنوات. ويقتضي ذلك مواصلة العمل على تعزيز الشمول المالي، وتوسيع استخدام المدفوعات الإلكترونية، وتقليل الاعتماد على النقد، فضلاً عن تطوير قدرات الجهات القضائية والرقابية في التحقيق والملاحقة المالية. كما أن تعزيز التنسيق بين البنك المركزي والأجهزة الرقابية والقضائية والأمنية يمثل عنصراً أساسياً في أي استراتيجية ناجحة لمعالجة هذه التحديات. فالمشكلة بطبيعتها عابرة للمؤسسات، ولا يمكن لأي جهة منفردة التعامل معها بصورة فعالة.
الخلاصة
من وجهة نظري، لا ينبغي النظر إلى قرار الإدراج باعتباره انتكاسة مالية بقدر ما ينبغي التعامل معه كفرصة لمراجعة مسار الإصلاح خلال السنوات الماضية. فالعراق يمتلك الإمكانات والمؤسسات القادرة على تجاوز هذا التحدي، لكنه يحتاج إلى ترسيخ ثقافة الاستمرارية في الإصلاح بدلاً من الاكتفاء بالاستجابة المؤقتة للضغوط الخارجية. فالمشكلة الأساسية ليست في قرار الإدراج نفسه، وإنما في تكرار نمط الإصلاح المؤقت الذي يحقق نتائج آنية دون أن يضمن استدامتها. وعندما تصبح الشفافية والامتثال والرقابة جزءاً من الأداء اليومي للمؤسسات، فإن الخروج من القائمة الرمادية سيكون نتيجة طبيعية، لا هدفاً مؤقتاً بحد ذاته. وعندها فقط يمكن الحديث عن بناء ثقة مالية مستقرة ومستدامة، وهي الثقة التي يحتاجها العراق اليوم بقدر حاجته إلى أي إصلاح اقتصادي أو مالي آخر.