دين مرتفع وخيارات صعبة

صندوق النقد الدولي

2026-04-05 03:53

بقلم: إيرا دابلا نوريس، رودريغو فالديز

تصاعُد الدين العام وأسعار الفائدة يستنزف الموارد ويفرض قرارات صعبة

تنطوي سياسة المالية العامة دائما على مفاضلات. من ستُموّل أولوياته؟ ومن ستُؤجل أعباؤه؟ ورهن أي شروط؟ وحتى وقت قريب، كانت الحكومات قادرة على تأجيل هذه الخيارات من خلال الاقتراض بشروط ميسرة. ولكن في الوقت الحالي، أدت مستويات الدين غير المسبوقة وارتفاع تكاليف الاقتراض إلي زيادة المخاطر. وفي الوقت نفسه، يتزايد الطلب على التمويل العام رغم تضاؤل الموارد. ولا يمكن للمجتمعات التوفيق بنجاح بين الأولويات المتنافسة إلا إذا اعتمدت على أمر غالبا ما يُغفل عنه ويندر وجوده حاليا، ألا وهو ثقة الشعب.

وحتى قبل جائحة كوفيد-19، كان الدين العام في ارتفاع مطرد. ففي الكثير من الديمقراطيات، فضّلت البرامج السياسية زيادة الإنفاق والعجوزات بينما أرجأت الإصلاحات الهيكلية (دراسة Cao, Dabla-Norris, and Di Grigorio 2024). وزاد الوضع سوءا بسبب النمو الاقتصادي المحدود، والإنفاق على رعاية كبار السن المتزايدة أعدادهم، والتردد في رفع الضرائب. لذلك أُرجئت الخيارات الصعبة وتراكمت الديون، بدعم من التراجع غير المعتاد لأسعار الفائدة على مدى العقدين الماضيين.

ثم في عام 2020، واجهت الحكومات أسوأ انهيار اقتصادي منذ الكساد الكبير، فبدأت في الاقتراض بكثافة. وقفز دين الاقتصادات المتقدمة بعشرات النقاط المئوية من إجمالي الناتج المحلي؛ وفي بعض البلدان، تجاوز الدين نسبة 120% (انظر الرسم البياني 1). ورغم القيود الأكبر التي تخضع لها بلدان الأسواق الصاعدة والبلدان منخفضة الدخل، فقد لجأت إلى الاقتراض بكثافة أيضا. وحالت هذه الاستجابة دون وقوع كارثة أعمق. ورغم أن مستويات الدين استقرت منذ ذلك الحين في كثير من الحالات، فإن البلدان تواجه الآن عالما لم يعد فيه الاقتراض رخيصا.

واليوم، يواجه صناع السياسات أزمة في المالية العامة مماثلة لأزمة كوفيد طويلة الأمد - ارتفاع أسعار الفائدة وتزايد تكاليف الديون. فقد ارتفع الدين العام العالمي إلى 93,9% من إجمالي الناتج المحلي في عام 2025 وهو في سبيل الوصول إلى أكثر من 100% بحلول عام 2028 –وتلك مستويات غير مسبوقة في وقت السلم– مما يمثل نقطة تحول للسياسة الاقتصادية والسياسة. وفي الوقت ذاته، نجد أن القوى الهيكلية طويلة الأمد – مثل شيخوخة السكان وتغير المناخ وزيادة المطالب الاجتماعية، وكذلك تراجع تدفقات المعونة والارتفاع المستمر في تكاليف الاقتراض في حالة البلدان منخفضة الدخل – مستمرة في استنزاف الميزانيات بينما تمارس التوترات الجغرافية-السياسية الناشئة ضغوطا على الإنفاق على الدفاع والسياسة الصناعية.

 {img_1}

أعباء الدين

انتهت حقبة أسعار الفائدة شديدة الانخفاض، ولكن اتجاهات النمو الاقتصادي لم تشهد تغيرا يُذكر. وفي غضون فترة قصيرة، تضاعفت تكاليف الاقتراض أو زادت بمقدار ثلاثة أضعاف. وفي الوقت الحالي، تستحوذ فواتير الفائدة على حصة أكبر من الميزانيات العامة، حتى أنها تزاحم الأولويات الأخرى. ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، ارتفع صافي مدفوعات فائدة الديون من حوالي 2% من إجمالي الناتج المحلي قبل الجائحة إلى 4,2% في عام 2025 –متجاوزا الانفاق على الدفاع- ومن المتوقع أن يواصل ارتفاعه. وفي البلدان منخفضة الدخل، تستهلك مدفوعات الفائدة 21% من الإيرادات الضريبية في المتوسط.

ويعني ارتفاع الدين أن هناك حيزا أضيق للاستجابة للصدمات، ويؤثر على الاقتصاد الأوسع نطاقا من خلال زيادة تكلفة رأس المال، كما يُعقّد صنع السياسة النقدية بينما يحفز الكبح المالي. ومن شأن ارتفاع الدين أيضا أن يهدد الاستقرار المالي، لا سيما في الأسواق الصاعدة، إذا ارتفع عائد الدين نتيجة لتشكك المستثمرين في قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها. ومع زيادة ضيق الأوضاع المالية، يمكن أن تزداد حدة إجراءات التصحيح وتتم بصورة أشد مباغتة – وهو ما يذكرنا برؤية الاقتصادي الألماني رودي دورنبوش الذي عاش في القرن العشرين، حيث قال "يستغرق وقوع الأزمات وقتا أطول بكثير مما تتصور، ثم تقع بصورة أسرع بكثير مما كنت تتصور". والدين المرتفع يحَوّل الدخل القومي إلى الدائنين على حساب الاحتياجات الأخرى.

وفي عالم يتسم بانخفاض الدين وأسعار الفائدة، يمكن للحكومات اجتناب الخيارات الصعبة من خلال المزيد من الاقتراض على أمل أن يُولّد النمو الاقتصادي إيرادات ضريبية إضافية كافية لخدمة الدين وسداده في النهاية. غير أن حقبة الخيارات السهلة انتهت الآن. فكل دولار تقترضه الحكومة دون أن يقابله إيراد مساوٍ يعنى ضمنا زيادة الضرائب أو خفض الإنفاق في المستقبل، على الأقل لتغطية الفائدة الإضافية التي يُولدها الدين الجديد. وبعد نقطة معينة، يفضي المزيد من الاقتراض إلى فرض قرارات مؤلمة – من خلال التقشف أو التضخم أو القمع المالي أو حتى التعثر في السداد. وبالتالي، يصبح السؤال الذي لا مفر منه هو: في ظل الحيز المالي المحدود، ما هي المفاضلات المتاحة، ومن سيتحمل التكلفة؟

 {img_2}

المأزق المالي

إحدى المفاضلات المستمرة تتمحور حول حجم الحكومة. ففي ظل ارتفاع مستويات المعيشة، أصبح المواطنون يتوقعون شبكات أمان اجتماعي موثوق بها، وتعليم ورعاية صحية ميسوري التكلفة، واستثمارا عاما قويا، وحماية من مجموعة متزايدة من المخاطر، بما في ذلك الأحوال الجوية القاسية والجوائح. وقد توسعت الاقتصادات المتقدمة توسعا كبيرا في إرساء دولة الرعاية في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وكثير منها فعل ذلك مرة أخرى في أعقاب الأزمة المالية العالمية في عام 2008 وإثر جائحة كوفيد–19. 

وتواجه اقتصادات الأسواق الصاعدة ضغوطا قوية لتعزيز ما لديها من شبكات أمان أكثر تواضعا حيث يطالب المواطنون بنمو يراعي اعتبارات العدالة. وتكمن المشكلة في أن الرغبة في الحصول على المزايا تطغى في العادة على استعداد المجتمعات لتعبئة الإيرادات. فقرارات خفض الضرائب لا يعقبها ضبط الإنفاق في كل الأحوال. وليس بوسع الحكومات توفير مزايا مثلما تقدمه بلدان الشمال الأوروبي دون أن تفرض ضرائب في المستوى الذي تفرضه تلك البلدان، وحتى مع فرض هذه الضرائب، فإن الشيخوخة والضغوط الأخرى تفرض تحديا أمام هذه العملية الحسابية.

ويمثل تحقيق التوازن بين المصداقية والمرونة معضلة أخرى. فالحكومات تحتاج حيزا للاستجابة للصدمات، غير أنه يتعين عليها أيضا طمأنة الأسواق والمواطنين بأن الدين سيظل قيد السيطرة. وقد يزداد الركود عمقا بسبب قواعد المالية العامة الصارمة – مثل سقف الدين المفرط في الإلزام – أو خفض الإنفاق وزيادة الضرائب بسرعة مفرطة. كذلك يمكن أن يؤدي تجاهل العجوزات إلى إثارة رد فعل مناهض قوي من الأسواق، على غرار ما حدث أثناء أزمة الدين في منطقة اليورو. ويكمن التحدي في الالتزام القوي بالاستدامة دون تقييد السياسات. ويتطلب هذا ركائز موثوقة متوسطة الأجل للمالية العامة مع شروط للانسحاب في حالات الصدمات النادرة، إلى جانب خطط تتسم بالشفافية وتحدد أولويات الاستثمار مع حماية الفئات الضعيفة، وأطر مؤسسية تبني الثقة دون تقويض قدرة الحكومة على الاستجابة لحالات الهبوط الاقتصادي الحاد. وتحقيق هذا التوازن الصحيح لم يكن قط أكثر أهمية - أو صعوبة - مما هو عليه الآن.

أما المعضلة الثالثة فهي ما إذا كان ينبغي الاستثمار في الوقت الحالي أم الاحتفاظ بالموارد لوقت لاحق. فالاحتياجات الملحة – مثل الأمن القومي والقدرة على الصمود في مواجهة الصدمات والتحول المناخي والشمول الاجتماعي والتنمية – تتطلب توفير الموارد. ولكن كل دولار يُنفق اليوم يُقلص من هوامش الأمان لمواجهة الأزمة التالية. وفي عالم يشهد صدمات متكررة، تكون المفاضلة قاسية. فالبلدان التي تستنزف طاقة الاقتراض في أوقات الرخاء ستجد نفسها معرضة للمخاطر عند وقوع الركود القادم أو الكارثة القادمة. ولا يتعلق الأمر بالتخطيط على أساس أفضل السيناريوهات، بل بتصميم استراتيجيات للمالية العامة تكون قابلة للتطبيق حين تطرأ أحداث مفاجئة: فمن المفيد الاحتفاظ ببعض الموارد عندما يكون من المحتمل أن الأزمة القادمة وشيكة الحدوث.

ولكل قرار من قرارات الميزانية أطراف رابحة وخاسرة واضحة وتوقيت جلي – وقد زاد تعقّد اعتبارات الاقتصاد السياسي التي تنطوي عليها تلك الخيارات. فمَن الذي –أو ما الذي- يحظى بالأولوية؟ وأي ضرائب ستُموله، وأي برامج يجب أن تتراجع؟ تلك أسئلة لم يعد بالإمكان حجبها بديون جديدة، بل يجب الإجابة عنها بوضوح، وذلك ما ثبُت أنه تحد هائل.

تحديات بين الأجيال

ارتفاع الدين العام ليس مجرد شاغل اقتصادي كلي، بل هو مسألة تتعلق بالإنصاف عبر الأجيال. وعلى حد تعبير رجل الدولة إدموند بيرك الذي عاش في القرن الثامن عشر، "المجتمع شراكة ... بين الأحياء والأموات وبين الذين لم يولدوا بعد". ويُتيح الدين تمويل المشاريع الداعمة للنمو والتخفيف من حدة الصدمات وتوزيع التكاليف بشكل أكثر تكافؤا عبر الفترات الزمنية. ولكن العجز المستمر يُموّل بالدين الذي يتعين على الجيل القادم من العمالة والممولين الضريبيين تحمّل عبء خدمته. وحين يكون الدين كبيرا وأسعار الفائدة في ارتفاع، يتدفق المزيد من الموارد العامة إلى حملة السندات أكثر مما يذهب إلى السلع العامة. ويستمر هذا التدفق ما دام الدين قائما، بل يتفاقم حال استمرار الاقتراض.

وتتسبب العوامل الديمغرافية في تفاقم التحدي بطريقتين. فمع تقدم الأعمار في المجتمعات، تزداد تكلفة توفير المعاشات التقاعدية والرعاية الصحية بوتيرة أسرع من زيادة الإيرادات الضريبية. وحيثما تنهار معدلات المواليد، يقع عبء هذه التكاليف على القوى العاملة الآخذة في التناقص. وفي الاقتصادات المتقدمة، تبلغ الآن نسبة العاملين إلى المتقاعدين 3 إلى 1، هبوطا من حوالي 4 إلى 1 في عام 2000، ويتجه العدد نحو عاملَين اثنين بحلول عام 2050 (تقرير OECD 2025). وبالإضافة إلى ذلك، لا يزال كثير من الالتزامات الخاصة بالمعاشات التقاعدية والرعاية الصحية خارج الميزانية العمومية للحكومة. ومع تقدم السكان في العمر، تظهر هذه الالتزامات الضمنية في الميزانيات، وغالبا ما يحدث ذلك بقوة مزعزعة للاستقرار. ويطرح هذا خيارات صعبة بين زيادة الضرائب أو تقليص المزايا أو الاستمرار في الاقتراض والركون ببساطة إلى تأجيل الحساب.

وكلما طال تأجيل القرارات الصعبة، كان التصحيح أكثر فجائية ومشقة عندما يصبح التحرك إجباريا في نهاية المطاف تحت ضغط الدائنين أو الواقع المالي. والأسوأ من ذلك أن دفع الثمن يصبح مسؤولية عدد قليل من الأفراد. وفي غضون ذلك، يمكن أن تؤدي التحويلات وغيرها من النفقات الجارية وأعباء خدمة الدين إلى مزاحمة الاستثمار في التعليم والتكنولوجيا والبنية التحتية، مما يؤدي إلى تآكل رخاء الجيل القادم. ويؤدي الاقتصاد السياسي إلى تضخيم التحدي. فالناخبون الحاليون يقاومون أي تخفيضات في المزايا المكتسبة أو الموعود بها، والناخبون الأكبر سنا يمكن أن يشكلوا تكتلا انتخابيا قويا بالغ القوة.

وينحو الساسة إلى مراكمة الدين تجنبا لاتخاذ تدابير غير مقبولة شعبيا، مثل رفع سن التقاعد أو خفض المزايا أو توسيع القاعدة الضريبية. وهذا التحيز للوقت الحاضر يثير قضايا مهمة تتعلق بالإنصاف. فالشباب يرون تصاعد الديون الحكومية وتساورهم الشكوك بأنهم من سيتحمل هذا العبء من خلال ضرائب أعلى وخدمات عامة أضعف عند التقاعد. وبالتالي تتآكل الثقة ويبلى العقد الاجتماعي بين الأجيال. ولا يفوت ذلك على الأسواق المالية أيضا، فتطالب بزيادة علاوات المخاطر أو تتراجع حين تلحظ أن ضبط أوضاع المالية العامة يجري إرجاؤه إلى أجل غير مسمى.

ولكن الاقتراض ليس سيئا في حد ذاته للشباب. فالدَين من شأنه أن يساهم في بناء مستقبل أفضل إذا عزز النمو أو ساعد في تجنب حدوث ركود حاد. والاستثمارات الممولة بالدَين في البنية التحتية والتعليم والصمود في مواجهة تغير المناخ تعود بالنفع على المواطنين في المستقبل. غير أن ما يثير القلق هو أن نسبة مفرطة من الديون المقترضة مؤخرا استُخدمت في تمويل الاستهلاك الجاري أو تجنب الخيارات الصعبة، مما يعني عمليا تحويل المزيد من العبء إلى الممولين الضريبيين في المستقبل بدلا من تحميله للأطراف المستفيدة اليوم. والسؤال الأساسي هو ما إذا كنا سنترك للجيل القادم عالما أفضل وأكثر رخاءً - أم أننا سنترك له الفاتورة فقط. 

وإذا كان جوهر سياسة المالية العامة هو توزيع التكاليف عبر الفترات الزمنية وعلى فئات المجتمع، فإن الثقة هي العملة التي تجعل هذا التوزيع ممكنا سياسيا. ففي غياب الثقة، لن تنجو من التعثر حتى أكثر الإصلاحات منطقية ودقة في التصميم إذا تشكك المواطنون في الدوافع وراءها والنتائج المتوقعة منها. أما في وجود الثقة، تكون المجتمعات أكثر استعدادا لقبول الخيارات الصعبة والاستمرار في تحملها.

مخاوف المواطنين

الثقة هي الاعتقاد بأن شيئا ما آمن وموثوق، أو أن شخصا ما صالح وصادق. ولكل عنصر من هذه العناصر نظيره المالي: فالاتفاقات يجب أن تكون مفهومة ومنصفة وشفافة وذات كفاءة، وإلا فلن تكون جديرة بالثقة.

وتعاني مجتمعات كثيرة من عجز في الثقة (انظر الرسم البياني 2). وفي بحث نُشر مؤخرا يقوم على مسح أجري في عام 2024 لعينة من 27 ألف شخص ينتمون إلى 13 بلدا، يُلقي الباحثون الضوء على ما يغذي عدم الثقة من فجوات بين التصورات والواقع (Bianchi, Dabla-Norris, and Khalid 2025). ويشير البحث إلى أن الكثيرين – في كل من الاقتصادات المتقدمة واقتصادات الأسواق الصاعدة – لا يفهمون قضايا المالية العامة الأساسية. فعلى سبيل المثال، تَبين أن حوالي 42% فقط من المجيبين على المسح يفهمون أن زيادة الضرائب أو خفض النفقات يؤديان إلى خفض عجز الحكومة. وتَبين أيضا أن أكثر من 60% من المجيبين يقَدرون مستوى الدين إلى إجمالي الناتج المحلي في بلدانهم تقديرا أقل من الواقع، لا سيما في البلدان ذات المديونية المرتفعة. وإذا اعتقد الناس أن الدين ليس مرتفعا بدرجة كبيرة أو ضارة، فمن الطبيعي أن يروا أن الدعوات لإصلاح المالية العامة مبالغ فيها أو ذات دوافع سياسية. وهذه التصورات الخاطئة تُضعِف الشعور بمدى إلحاح الحاجة إلى الإصلاح وتزيد من صعوبة بناء الدعم اللازم لاتخاذ إجراءات تصحيحية في الوقت المناسب.

وفي غياب الثقة، يزداد التشاؤم بشأن سياسات الحكومة. فاحتمالية الاعتقاد بأن سياسات الحكومة ستساعد على استقرار الدين العام أو تخفيضه تزيد بنسبة 20% في حالة المجيبين على المسح الذين أعربوا عن ثقة أكبر في حكوماتهم. ورغم أن المجيبين يميلون إلى الشك بوجه عام في أن سياسات خفض الدين الحالية ستُحسن أوضاعهم، فإن احتمالية توقع أثر إيجابي على رفاهيتهم تزيد بنسبة 17% في حالة المجيبين الأكثر ثقة في الحكومة.

كذلك كشف المسح عن مخاوف تمتد عبر مختلف مستويات الدخل والتقسيم الديموغرافي. فالكثيرون يخشون خسارة معاشاتهم التقاعدية أو الخدمات الأساسية التي يعتمدون عليها. ويساورهم الشك فيما إذا كان العبء الناجم عن إصلاح مشكلات المالية العامة سيتم تقاسمه بشكل عادل. وتؤثر هذه المخاوف على كيفية تصويت المواطنين واحتجاجهم. فمن يتوقعون أن يلحق بهم الضرر من إصلاحات المالية العامة تقل احتمالية دعمهم لها بدرجة كبيرة، بغض النظر عن المنطق الاقتصادي. على سبيل المثال، إذا افترض العاملون من الطبقة الوسطى أن خفض العجز يعنى رفع سن التقاعد أو خفض المعاشات التقاعدية، فإنهم سيُعارضون هذه الإصلاحات. وإذا شك الممولون الضريبيون الأثرياء في أن الإصلاحات تستتبع فرض ضريبة على ثرواتهم، فسوف يعارضونها هم أيضا. وإذا اعتقد الشعب أن الضرائب الجديدة ستُهدَرَ مواردها بسبب الفساد أو سوء الإدارة، فلن يجدوا مبررا يُذكر لسدادها.

وللتجربة دور في تشكيل الثقة أيضا، ففي البلدان التي تحملت جولات متكررة من التقشف دون مقابل يذكر، لا يستبشر الناس بأي خطة جديدة للمالية العامة. ذلك أن التخفيضات القاسية إذا فشلت في خفض الدين، يتساءل المواطنون، وهو أمر مفهوم، "لماذا نصدق أن الجولة القادمة من خفض الإنفاق أو زيادة الضرائب ستحل أي مشكلة؟". وبالمثل، فإن الفساد أو سوء استخدام الموارد المخصصة لتحفيز الاقتصاد يقوضان ثقة الشعب في كفاءة الحكومة. وفي هذه البيئة، حتى مقترحات الإصلاح الطفيفة قد تثير الغضب، حيث يفترض الشعب وجود دوافع خفية أو آثار غير عادلة. يكفي أن تشير إلى إصلاح المعاشات التقاعدية حتى تتفجر الاحتجاجات حين يخشى المواطنون تلاشي هامش الأمان الذي حققوه بصعوبة. ويكفي أن تتحدث عن الإصلاح الضريبي حتى يشك الكثيرون فورا في أن الدخل الذي اكتسبوه بشق الأنفس سيُساء استخدامه. وهناك دلالات تنم عنها تجربة إصلاح دعم الوقود. فتكاليف المالية العامة، وسوء الاستهداف، والتشوهات الاقتصادية هي أمور مفهومة جيدا، ولكن التنفيذ أثبت مرارا وتكرارا أنه معقد سياسيا واجتماعيا.

وانعدام الثقة يمكن أن ينشئ حلقة مفرغة. فخوفا من ردود الفعل المناهضة، يؤجل القادة اتخاذ التدابير الصعبة، مما يفاقم مشكلات الديون ويزيد من تآكل الثقة. ولكن حينما يعتقد المواطنون أن التضحيات تُوزع بشكل عادل وستؤدي إلى مستقبل أفضل، فإنهم يبدون استعدادا أكيدا لتقبّل الإصلاحات، حتى المؤلمة منها – كالتعديلات في أنظمة التقاعد (IMF 2024, 2025). إن الثقة وحدها هي التي ستقنع الناخبين بقبول التضحيات على المدى القريب من أجل تحقيق الاستقرار على المدى الأطول.

 {img_3}

بناء الثقة

يمثل الدين العام المرتفع حاليا اختبارا غير مسبوق للحكومات والمجتمعات، ومن الواضح أن الحاجة ماسة للتحرك في مواجهته. فكل عام من التباطؤ يترك البلدان أكثر عرضة لصدمات أسعار الفائدة والتحولات في ثقة السوق. ولكن إصلاح الماليات العامة لا يعني التقشف العشوائي، إنما يعني اتخاذ خطوات تدريجية ومدروسة جيدا لضمان وضع الدين في حدود مستدامة مع الاستثمار في المستقبل. ويتطلب هذا التزم الصدق بشأن المفاضلات القائمة والرغبة في التوصل إلى حلول توفيقية. فعلى صناع السياسات مصارحة الشعب بشأن الخيارات الصعبة، وعلى المواطنين أن يدركوا أنه بغير موارد أو إصلاحات إضافية، لا يمكن الاستمرار في بعض البرامج التي تحظى منهم بتأييد كبير.

إن الثقة هي جوهر هذه المعادلة. فالشعب ينبغي أن يقتنع بأن التضحيات ستُوزع بشكل عادل وأن الإصلاحات ستُؤدي إلى فوائد ملموسة. ومن الأرجح أن يدعم الشعب التدابير الصعبة إذا كان يرى أن سياسة المالية العامة تتمتع بالكفاءة والشفافية والعدالة. ولكن الثقة لا تُبنى بين ليلة وضحاها، بل يجب أن تُكتسب وتُستدام.

ولا توجد خطة واحدة لبناء الثقة، إنما يمكن لبعض المؤسسات والممارسات أن تساعد في بنائها. فشفافية الميزانية وسلامة هيكلة الإدارة المالية العامة ترسيان الأساس المطلوب. ومجالس المالية العامة المستقلة – ذات الصلاحيات الواضحة والاستقلالية الحقيقية والخبرة الفنية القوية، كما هو الحال في هولندا – تتيح تقييمات محايدة وتُخضع الحكومات للمساءلة عن خططها المالية. وتقييمات الإنفاق، وتقارير النفقات الضريبية، وتقييمات التأثير التي تعدها الحكومات أو الهيئات المستقلة، تساعد كلا من صناع السياسات والجمهور العام على فهم أوجه إنفاق الموارد والمردود منها. ومن شأن الإدارة الحصيفة لفاتورة الأجور العامة والمشتريات الحكومية أن تخفف من تصورات الهدر. كذلك يؤدي تقليص النظم الضريبية الخاصة وامتيازات المعاشات التقاعدية إلى تعزيز الإنصاف، بينما يمثل الإشراف القوي على المؤسسات المملوكة للدولة إشارة لإعلاء المسؤولية والكفاءة. وليست هذه التدابير علاجا لكل المشكلات، ولكنها تساعد على سد الفجوة بين الممكن فنيا والممكن سياسيا. وتخلق هذه التدابير حيزا للإصلاح من خلال تعزيز مصداقية سياسة المالية العامة والبرهنة على جدية الحكومات في تقديم قيمة مقابل المال.

ومن الضروري تحقيق التوازن بين الواقعية بشأن القيود وبين طموحات التغيير. فإذا تعاملنا مع تحدي الدين بحكمة، يمكننا ضمان أساس مستقر للازدهار على المدى الطويل والحفاظ على العقد الاجتماعي بين الأجيال. أما إذا أخفقنا أو انتظرنا طويلا، فسوف نخاطر بإحداث اضطرابات اقتصادية وزيادة تآكل الثقة في المؤسسات. إن مسار المالية العامة الذي نختاره اليوم سيحدد مدى الرخاء والإنصاف في الغد.

* إيرا دابلا نوريس هي المدير المساعد لإدارة آسيا والمحيط الهادئ بصندوق النقد الدولي.

* رودريغو فالديز يتولى منصب مدير إدارة شؤون المالية العامة في صندوق النقد الدولي.

ذات صلة

الدعوة الصامتة.. كيف تُصدَّر الفكرة بلا سيوف ولا ضجيج؟الطبقية الاجتماعية: هل يتشكل انقسام صامت داخل المجتمع؟تداعيات الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران وانعكاساتها على العراقهويتنا في فرحتناالعقلانية في عالم انحيازي: كيف ينقذنا التفكير المنطقي من أنفسنا؟