الملاءة المالية وأثر تقلبات الذهب على الاقتصاد الوطني

اماني بركان

2026-02-15 03:52

في خضم التجاذبات العنيفة التي تعصف بالأسواق المالية الدولية، والتحولات الجذرية في بنية النظام النقدي العالمي، يبرز المعدن الأصفر كمتغير بنيوي لا يمكن إغفاله في معادلة الاستقرار النقدي وتوازنات القوى المالية. وبالنسبة للاقتصاد العراقي الذي يسعى جاهداً لترصين مؤسساته المالية في بيئة جيوسياسية شديدة التعقيد، لا يمثل الذهب مجرد وسيلة تقليدية للزينة أو مخزناً بدائياً للادخار الفردي، بل هو ركيزة استراتيجية تتقاطع بشكل مباشر مع سياسات البنك المركزي العراقي وقدرة الدولة على إدارة التزاماتها وضمان استدامة ديونها السيادية. 

إن فهم العلاقة العضوية بين تذبذب أسعار المعدن الأصفر وكلفة خدمة الديون يمثل اليوم المدخل الأساسي والرؤية الجوهرية لبناء اقتصاد وطني مرن وقادر على امتصاص الصدمات الخارجية في عالم لم يعد يعترف بالثبات، بل بات يُدار بآليات "اليقين المتزعزع" وتناقضات الملاذات الآمنة.

وعندما يواجه الذهب ضغوطاً بيعية تقود لترجيح كفة الهبوط في قيمته السوقية، تبرز إلى السطح تحديات استراتيجية تمس صلب السياسة النقدية والمالية في العراق، حيث يتجلى التحدي الأول في انكشاف الضمانات الائتمانية؛ إذ تعتمد شريحة حيوية من القطاع الخاص الصغير والمتوسط، وحتى التعاملات البينية في السوق المحلي، على الذهب كغطاء ائتماني أول وموثوق، وإن أي تراجع حاد وغير مدروس في القيمة السوقية لهذا الغطاء يضع المصارف والمقترضين في مواجهة حتمية مع خطر التعثر الائتماني، مما يستدعي ابتكار أدوات تنظيمية ومشتقات مالية لحماية هذه المراكز المالية من الانهيار المفاجئ وضمان عدم تحول هبوط الأسعار إلى أزمة سيولة تضرب مفاصل التبادل التجاري. 

كما تبرز في هذا السياق معضلة كلفة خدمة الدين الخارجي المقوم بالعملات الصعبة؛ فالعلاقة العكسية التاريخية بين الذهب والدولار تجعل من ضعف المعدن الأصفر مرادفاً لقوة العملة الأمريكية، وهو ما يرفع من الكلفة الفعلية لتسديد الديون الخارجية ويزيد الأعباء المالية على الموازنة العامة، خصوصاً في تلك الفترات الحرجة التي تشهد تذبذباً في العائدات النفطية، فضلاً عن الأثر النفسي والاجتماعي العميق، حيث يمثل الذهب "المصرف غير الرسمي" ووسيلة التحوط الشعبية للأسر العراقية.

وإن أي اهتزاز في قيمته يولد ضغطاً نفسياً يدفع بالسيولة المحلية نحو "الدولرة" الشاملة، مما يعقد مهام السلطة النقدية في السيطرة على الكتلة النقدية واستقرار سعر الصرف في الأسواق الموازية، ويخلق حالة من عدم الاستقرار الاقتصادي العام.

وفي المقابل، فإن الارتدادات السعرية المفاجئة وصعود الذهب الحاد لا يخلو من تحديات بنيوية؛ إذ يخلق حالة من المنافسة غير المتكافئة مع القطاعات الإنتاجية الحقيقية، حيث يميل رأس المال المحلي في مثل هذه الظروف إلى الهروب نحو "الاكتناز السلبي" والبحث عن الربح السريع عبر تخزين السبائك والمسكوكات بدلاً من التوجه نحو الاستثمارات المنتجة في المشاريع الصناعية أو الزراعية التنموية،.

وهذا التحول في السلوك الاستثماري يعطل الدورة الاقتصادية ويحول الذهب من ملاذ آمن إلى عائق أمام نمو الناتج المحلي الإجمالي إذا لم يتم تأطير هذه التدفقات ضمن صناديق استثمارية مهيكلة تضمن بقاء السيولة داخل النظام المصرفي لتعمل كمحرك للقروض التشغيلية.

إن صعود الذهب في ظل أزمات الديون السيادية العالمية قد يدفع البنوك المركزية إلى إعادة توازن الاحتياطيات، ورغم أن زيادة غطاء الذهب تعزز الثقة في القوة الشرائية للدينار العراقي، إلا أنها تتطلب إدارة فائقة الدقة لضمان توازن السيولة النقدية اللازمة لتمويل الاستيرادات الأساسية، مما يفرض ضرورة تبني سياسة مرنة في إدارة الاحتياطيات الحكومية توازن بدقة متناهية بين الذهب والأصول النقدية الأخرى لتقليل الانكشاف السيادي أمام تقلبات العملات الدولية.

إن الضرورة تقتضي اليوم صياغة رؤية استراتيجية متكاملة لصناع القرار تهدف لتحويل هذه التقلبات السعرية من "تهديدات" مستمرة إلى "فرص" اقتصادية، عبر تطوير أدوات التحوط المالي التي تسمح للمستثمرين والصاغة بحماية مراكزهم السعرية، مع تبني حوكمة شاملة لسوق المعادن النفيسة تضمن دمجها الفعلي في الحسابات القومية لتعزيز الملاءة المالية للدولة، كما يجب الالتفات إلى أن الذهب في العصر الرقمي لم يعد مجرد سبائك في الخزائن، بل بات مادة استراتيجية تدخل في صلب التسويات الدولية الجديدة، مما يمنح العراق مرونة أكبر في إدارة ملف ديونه إذا ما استطاع توظيف احتياطياته كأداة تفاوضية لرفع تصنيفه الائتماني أمام المؤسسات الدولية.

إن حماية الموازنة الوطنية وتحصين الديون السيادية من عواصف الأسواق العالمية يتطلبان فصلاً منهجياً دقيقاً بين قيمة المعدن كأصل مالي جامد، وبين كفاءة وقوة النظام المالي في إدارة المخاطر واستشراف آفاق المستقبل؛ حيث تكمن الضمانة الأكيدة في تعزيز الوعي النقدي وبناء مرونة مؤسسية تتجاوز الحلول المؤقتة نحو استقرار بنيوي مستدام يقينا شر الوقوع في فخاخ التضخم المفرط أو الركود التضخمي الناتج عن الهروب نحو الأصول غير التشغيلية. 

ليظل الرهان الحقيقي للاقتصاد العراقي مرهوناً بمدى قدرتنا على تحويل التقلبات العالمية إلى طاقة دفع وبناء، فالعالم الذي نعيشه اليوم لا يحترم إلا النظم المالية التي تمتلك القدرة على التنبؤ والتحرك الاستباقي، والذهب سيبقى دائماً الملاذ التاريخي في أوقات الأزمات، إلا أن استقرارنا الحقيقي لن يتحقق إلا بانسجام الرؤية الاقتصادية مع الواقع الاجتماعي، وتحويل الادخار العشوائي إلى استثمار مؤسسي يدعم الموازنة العامة ويقلل من وطأة الديون السيادية، ليبقى العراق صامداً في وجه التقلبات، متطلعاً نحو مستقبل يدار بالعلم والمنطق والاستراتيجية بعيداً عن العشوائية والارتجال، فالمستقبل يُصنع بالتحليل العميق والإرادة الصلبة التي لا تلين أمام عواصف الأسواق.

ذات صلة

أسلوب التطوير الذاتي.. قراءة تحليلية لسيرة الإمام الشيرازيما هي البلوتوقراطية؟الغرض من الكشف عن وثائق ابستينثبات الراعي وأمان الرعية: حماية الأبناء من القلقانهيار صحيفة واشنطن بوست أصبح مشكلة عالمية