الموعظة والمشاورة للنبيّ (ص) بين العصمة المطلقة وتعليم الأمّة
السيد فاضل الموسوي الجابري
2026-02-09 03:26
ورد في مصادرنا الحديثية بعض الروايات التي يوهم ظاهرها أن ثمة أشخاصًا قد وعظوا النبيّ صلّى الله عليه وآله.
فقد ورد انه: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ص لِجَبْرَئِيلَ عِظْنِي، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَأَحْبِبْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَاِعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مُلاَقِيهِ، شَرَفُ اَلْمُؤْمِنِ صَلاَتُهُ بِاللَّيْلِ، وَعِزُّهُ كَفُّهُ عَنْ أَعْرَاضِ اَلنَّاسِ. المصدر: الخصال، ج 2، ص 7
وهنا يطرح السؤال التالي: كيف ينسجم ذلك مع مقام العصمة المطلقة التي لا جهل ولا غفلة ولا نسيان فيها وهي ثابتة للنبي صلى الله عليه وآله بالادلة العقلية والنقلية؟
جواب الاشكال:
اولا: لابد من الالتفات الى ان الجواب لا يُؤخذ من ظاهر الألفاظ، ولا ان مقام النبي يمكن ان يُقاس بمقامات غيره، بل يُردّ إلى حقيقة مقام النبوّة وما ثبت له من العصمة والكمال.
فإنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله ليس معصومًا عن المعصية فحسب، بل هو منزّه عن الجهل والغفلة والنسيان، محفوظ بالتسديد الإلهي، كامل العلم بما يتعلّق بوظيفته في الهداية والتشريع، بل هو أكمل الخلق علمًا وقربًا من الله تعالى. ومن ثبت له هذا المقام امتنع أن يُتصوّر في حقّه وعظٌ يراد به رفع نقص، أو نصحٌ لدفع تقصير، أو إرشادٌ لكشف مجهول.
غير أنّ هذا لا يمنع من ورود الخطاب الإلهي إليه على جهة التذكير والموعظة، فإنّ الموعظة من الله تعالى ليست لرفع جهل، بل لتثبيت مقام العصمة، وإدامة الفيض، وترقية العبد الكامل من مرتبة إلى ما هو أعلى منها، مع ما في ذلك من تعليم الأمّة وإقامة الحجّة عليها، إذ جرت عادة القرآن أن يُخاطَب النبيّ صلّى الله عليه وآله، ويُراد غيره من باب اياك اعني واسمعي يا جارة، أو يُخاطَب ليُظهِر للأمّة كمال العبودية والامتثال. والا فهو صلى الله عليه وآله قد بلغ الدرجة العليا، ورفع عنه كل نقص او جهل بشكل دفعي لا تدريجي، كما قال سبحانه: (وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَیۡكَ ٱلۡكِتَـٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمۡ تَكُن تَعۡلَمُۚ وَكَانَ فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَیۡكَ عَظِیمࣰا)[سُورَةُ النِّسَاءِ: ١١٣].
وأمّا ما ورد في الأخبار من أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله قال لجبرائيل: «عِظْنِي»، فليس فيه ما ينافي العصمة ولا الكمال، لأنّ الوعظ هنا ليس بمعنى التنبيه عن غفلة أو التحذير من تقصير، بل هو تذكير بالحقائق الوجودية الكلّية التي لا يجهلها أحد، فكيف بسيّد العارفين. فقوله: «عِشْ ما شئت فإنّك ميّت، وأحبب ما شئت فإنّك مفارقه، واعمل ما شئت فإنّك ملاقيه»، كلامٌ لا يتضمّن حكمًا مجهولًا ولا نهيًا عن محرّم، بل هو بيان لحقيقة الوجود ومسير الإنسان إلى الله، خرج في قالب الحوار ليكون أبلغ وقعًا في نفوس السامعين. والحقّ أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله هو المعلّم في هذا المقام، غير أنّ الحكمة جرت أن يظهر التعليم على لسان جبرائيل بطلب النبي نفسه، ليكون أوقع في القلوب وأشدّ تأثيرًا.
ولا يُتوهمنّ متوهّم أنّ جبرائيل كان واعظًا للنبيّ على جهة العلوّ أو الإرشاد، فإنّ جبرائيل عليه السلام رسولٌ مبلّغ وواسطة فيض، والنبيّ صلّى الله عليه وآله أكمل منه وأعلى رتبة، وكلّ ما صدر من جبرائيل إنّما هو تبليغ لما أُمر به، لا نصحٌ لكشف جهل ولا وعظٌ لدفع غفلة.
وكذلك الأمر في استشارة النبيّ صلّى الله عليه وآله لبعض أصحابه، كما في قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْر﴾، فإنّ المشاورة لم تكن لطلب رأيٍ يكمّل علمه، ولا لاختيار ما يجهله، وإلا لكان ذلك نقضًا للعصمة، بل كانت لإظهار المنهج الإلهي في إدارة الأمّة، وتعليم الناس تحمّل المسؤولية، وتأليف القلوب، وكشف ما في النفوس. ولذلك ختمت الآية بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، فبيّنت أنّ العزم للنبيّ وحده، وأنّ الشورى طريق تربية لا مصدر تعليم له صلى الله عليه وآله.
فالحاصل أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله لا يُوعَظ لرفع نقص، ولا يُنصَح لكشف جهل، ولا يُستشار لتحصيل رأيٍ أصوب، وكلّ ما ورد من ذلك فإنّما هو لإقامة الحجّة على الخلق، وتعليم الأمّة، وإظهار كمال عبوديّته لله تعالى، لا لاستكمال مقامٍ هو كامل فيه بالفعل.
وبهذا يستقيم النقل مع العقل، وتبقى العصمة مصونة، والمقام النبوي محفوظًا على ما دلّ عليه البرهان والقرآن والوجدان.