الباحثة بشرى غانم سالم لـ شبكة النبأ: خرسانة النفايات ليست حلاً بيئياً ترقيعياً بل خيار هندسي ينافس المواد التقليدية

أوس ستار الغانمي

2026-09-14 05:34

تخيلوا أن القنينة الزجاجية التي ترمونها بعد استخدامها، أو بقايا البناء المتناثرة بعد هدم منزل، يمكن أن تجد طريقها يوماً إلى جسر أو بناية. قد تبدو الفكرة للوهلة الأولى غريبة؛ فنحن اعتدنا أن نرى هذه الأشياء وهي تغادر المكان إلى حاويات النفايات، لا أن تعود إليه في صورة مادة يمكن أن تحمل أوزاناً هائلة. لكن داخل المختبر، تتغير الحكاية.

هناك، لا تُعامل هذه المخلفات بوصفها أشياء انتهى دورها، وإنما تُطحن وتُحضّر وتدخل في خلطات خرسانية بنسب محسوبة، ثم تبدأ رحلة الاختبار: هل ستصمد تحت الضغط؟ كيف ستتصرف عند الانثناء والشد؟ وماذا يحدث عندما تتحول من مجرد عينة صغيرة إلى عتبة خرسانية تتعرض للأحمال؟

هذه الأسئلة قادت الباحثة بشرى غانم سالم، الموظفة في كلية البوليتكنك المسيب بجامعة الفرات الأوسط التقنية، إلى تجربة تبحث في إمكانية الجمع بين شيئين قد يبدوان متناقضين: خرسانة شديدة القوة ومواد تأتي من النفايات.

لم تكن النتيجة مجرد إضافة مخلفات إلى الخرسانة وانتظار الأفضل؛ فكل نسبة كانت تصنع فرقاً، وكل مادة كانت تؤدي دوراً مختلفاً. بعض الخلطات رفعت المقاومة، وأخرى تراجعت عندما تجاوزت النسبة الحد المناسب، وصولاً إلى خلطة سجلت مقاومة انضغاط بلغت 124.3 ميغاباسكال. ثم انتقلت التجربة إلى العتبات الخرسانية، حيث تصبح الأرقام أكثر قرباً من الواقع: حمل، تشققات، تسليح، وانحناء، ثم سؤال مهم عن اللحظة التي تستطيع فيها الخرسانة أن تبقى متماسكة تحت الضغط.

من هنا، لا تبدو هذه الدراسة مجرد بحث عن خلطة خرسانية جديدة؛ إنها محاولة للنظر إلى ما نرميه بطريقة مختلفة، والسؤال عما إذا كان بالإمكان أن تتحول مخلفات الزجاج والبناء من مشكلة نحتاج إلى التخلص منها إلى مورد يمكن أن يدخل في بناء أكثر قوة واستدامة.

في هذا الحوار، نقترب مع الباحثة من تفاصيل التجربة، من الفكرة الأولى إلى نتائج الاختبارات، ونسألها:

أستاذة بشرى، بحثكِ يتحدث عن استخدام مواد النفايات في صناعة خرسانة عالية الأداء؛ ما الفكرة التي أردتِ إثباتها من خلال هذا البحث؟

الفكرة التي أردتُ إثباتها من خلال هذا البحث (الهدف الأساسي من البحث) هو إثبات إمكانية دمج المخلفات الصناعية ومواد النفايات مثل (غبار السيليكا، القناني الزجاجية والزجاج بعد هدم البنايات (بعد طحنها)، وملاط أنقاض البناء المعاد تدويره Waste Mortar) في إنتاج خرسانة المساحيق التفاعلية (RPC) دون فقدان أدائها الميكانيكي والإنشائي العالي. الفكرة تكمن في تحويل هذه النفايات التي تشكل عبئاً بيئياً إلى مواد ذات قيمة مضافة عالية تساهم في تحسين الخواص الدقيقة للخرسانة (Microstructure) كما يهدف البحث إلى إثبات أن مفهوم خرسانة المساحيق التفاعلية لم يعد مقتصراً على التكلفة العالية والمكونات النقية فقط، بل يمكن الاستفادة من مبادئ الاقتصاد الدائري والاستدامة لتطوير عناصر إنشائية خرسانية تتمتع بقدرة تحمل ممتازة، وتوفر في نفس الوقت حلاً بيئياً مستداماً يقلل من انبعاثات غاز ثاني اوكسيد الكاربون واستهلاك المواد الخام.

عندما اخترتِ إدخال مواد النفايات في خرسانة المساحيق التفاعلية، ما الذي كنتِ تبحثين عنه تحديدًا: تحسين مقاومة الخرسانة، أم الوصول إلى خرسانة أكثر استدامة، أم الجمع بين الاثنين؟ 

الهدف من إدخال مواد النفايات هو لتحسين المقاومة والاستدامة: الهدف الرئيس كان الجمع التكاملي بين الاستدامة البيئية وتحسين الخواص الميكانيكية للخرسانة، وليس التركيز على جانب واحد فقط. إن إدخال غبار السيليكا SFومسحوق الزجاجGP يخدم جانب الاستدامة من خلال خفض كميات الأسمنت المستخدمة وتقليل الانبعاثات الكاربونية، وفي الوقت ذاته يُحسن المقاومة بفضل النشاط البوزولاني (Pozzolanic Activity) وتعبئة الفراغات الدقيقة. أما استخدام أنقاض ملاط البناء كبديل عن الرمل فيسهم في تقليل استنزاف الموارد الطبيعية مع الحفاظ على هيكل خرساني متماسك. بالتالي، فإن البحث يبرهن على أن الجمع بين تحسين الأداء الإنشائي وتحقيق الاستدامة البيئية هو أمر ممكن وعملي جداً في تطبيق خرسانة المساحيق التفاعلية.

استخدمتِ غبار السيليكا ومسحوق الزجاج وملاط النفايات في الخلطات؛ كيف أثرت هذه المواد في الخصائص الميكانيكية للخرسانة؟ 

إن تأثير غبار السيليكا SF ومسحوق الزجاج GP وملاط النفايات WM في الخصائص الميكانيكية، أثرت هذه المواد بشكل ملحوظ ومتباين على الخواص الميكانيكية بحسب نسب الاستبدال وطبيعة المادة. غبار السيليكا ومسحوق الزجاج حسنا بشكل كبير من مقاومة الشد ومقاومة الانضغاط بفضل التفاعل البوزولاني مع هيدروكسيد الكالسيوم الناتج من إماهة الأسمنت (تفاعل الاسمنت مع الماء)، مما أدى إلى تكوين هيدرات سيليكات الكالسيوم (الجل) (C-S-H) الأكثر كثافة وقوة. من ناحية أخرى، أدى إدخال ملاط النفايات البديل عن الرمل الطبيعي إلى تأثر قابلية التشغيل بسبب زيادة امتصاص الماء والشكل الزاوي للحبيبات، ولكنه حافظ على مستويات مقاومة ممتازة عندما تم ضبط النسب بشكل جيد، مما ساهم في تحسين التماسك الداخلي وتحسين سلوك الخرسانة عند الانثناء.

من النتائج اللافتة في بحثكِ أن خليط 10% غبار سيليكا و10% مسحوق زجاج حقق أعلى مقاومة انضغاط؛ لماذا كانت هذه النسبة هي الأفضل؟ 

السبب في أن خليط (10% غبار سيليكا + 10% مسحوق زجاج) حقق أعلى مقاومة انضغاط (حققت هذه النسبة بالتحديد) هذه الخلطة أعلى مقاومة انضغاط وصلت إلى 124.3 ميكاباسكال بفضل التآزر المثالي بين دقة حبيبات غبار السيليكا ونشاط مسحوق الزجاج. عند هذه النسبة، تعمل الجسيمات الدقيقة جداً لغبار السيليكا على ملء الفراغات المجهرية بين جزيئات الأسمنت والتفاعل السريع في الفترات الأولى، بينما يقوم مسحوق الزجاج بتوفير مساحة سطحية ملائمة وتفاعل بوزولاني مستمر يحسن البنية الدقيقة للخرسانة في الأعمار المتأخرة. هذه النسبة حققت توازناً مثالياً في التوزيع الحجمي للحبيبات دون إحداث زيادة مفرطة في طلب الماء أو خلق مناطق ضعف ناتجة عن التكتل، مما أدى إلى الحصول على خلطة خرسانية شديدة الكثافة والصلادة.

في المقابل، أظهرت النتائج أن زيادة مسحوق الزجاج عن المستوى الأفضل تؤدي إلى انخفاض مقاومة الانضغاط؛ لماذا لا تعني زيادة المادة البديلة بالضرورة الحصول على خرسانة أقوى؟ 

إن زيادة مسحوق الزجاج عن المستوى الأفضل يؤدي إلى انخفاض مقاومة الانضغاط لأنه زيادة مسحوق الزجاج عن النسبة الافضل تؤدي إلى تراجع المقاومة لعدة أسباب فيزيائية وكيميائية؛ أولها أن زيادة المسحوق على حساب الأسمنت تخفض من نسبة مركب C3S و C2S المسؤولين عن التفاعل الأولي والإماهة الأساسي، مما يقلل كمية هيدروكسيد الكالسيوم المتاحة للتفاعل البوزولاني.

 ثانيًا، يتسبب الفائض من مسحوق الزجاج في تقليل التماسك بين عجينة الأسمنت والركام نظرًا لنعومته وشكله السطحي الأملس نسبياً عند التراكيز العالية، مما يخل بالتدريج الحبيبي للخلطة. 

وثالثا، فإن زيادة المادة البوزولانية غير المتفاعلة تعمل كمادة مالئة خاملة فقط (Inert Filler) بدلاً من مادة رابطة، مما ينشئ نقاط ضعف داخل عجينة الخرسانة ويقلل قدرتها على تحمل إجهادات الانضغاط العالية.

في مقاومة الانثناء، حققت خلطة مختلفة، هي 20% غبار سيليكا و50% ملاط نفايات، أفضل نتيجة؛ ماذا تكشف هذه النتيجة عن أهمية النسب بين مكونات الخلطة؟ 

إن تحقيق الخلطة (20% غبار سيليكا SF+ 50% ملاط نفاياتWM) لأفضل مقاومة انثناء. تكشف هذه النتيجة (التي سجلت 23.5 ميجاباسكال) عن أهمية النسب والتدريج الحبيبي في مقاومة الانثناء بشكل خاص. تركيز 20% من غبار السيليكا وفرعجينة أسمنتية شديدة الترابط ومقاومة جيدة جداً لنشوء الشقوق المجهرية، بينما ساهمت حبيبات ملاط النفايات (بنسبة 50% كبديل للرمل) بزواياها الخشنة وصفاتها السطحية غير المنتظمة في تحسين الترابط (Mechanical Interlocking) مع العجينة الاسمنتية وهذا الترابط يزيد من مقاومة قوى القص والشد الناجمة عن إجهادات الانثناء على عكس السطح الأملس للرمل الطبيعي، مما يثبت أن الخواص الميكانيكية المختلفة للخرسانة تتأثر بآليات مختلفة؛ فمقاومة الانضغاط تتطلب كثافة وتعبئة مجهرية أعلى، بينما مقاومة الانثناء تستفيد من خشونة الأسطح والتعشيق البيني للحبيبات.

اختباراتكِ أظهرت أيضًا تطور مقاومة الشد الانشطاري مع تقدم عمر المعالجة؛ ما الذي أضافته هذه النتيجة إلى فهمكِ لأداء هذه الخرسانة؟ 

إضافات نتائج تطور مقاومة الشد الانشطاري مع تقدم عمر المعالجة حيث أظهرت الاختبارات نمواً مستمراً ملموسًا في مقاومة الشد الانشطاري (التي وصلت لـ 14.6 ميكاباسكال عند عمر 28 يوماً)، وهو ما أضاف فهماً عميقاً لسلوك هذا النوع من الخرسانة. هذه النتيجة تؤكد أن التفاعل البوزولاني لمواد النفايات (خاصة الزجاج والسيليكا) هو تفاعل بطيء ومستمر يعتمد بشدة على المعالجة المائية الشاملة. إضافة إلى ذلك، تثبت هذه النتائج أن تحسين المنطقة الانتقالية البينية (Interfacial Transition Zone - ITZ) بين الركام وعجينة الأسمنت يستمر بالتطور بمرور الوقت، مما أدى إلى رفع كفاءة الخرسانة في مقاومة إجهادات الشد الداخلي والتغلب على هشاشة الخرسانة التقليدية، وهو مؤشر ممتاز لمتانة المنشأ وقدرته على مقاومة التشقق على المدى الطويل.

انتقلتِ في البحث من اختبار المواد إلى اختبار العتبات الخرسانية؛ ماذا أردتِ أن تعرفي عندما درستِ قدرة العتبات على تحمل الأحمال والتشققات وأنماط الفشل؟ 

هدف الانتقال إلى اختبار العتبات الخرسانية ودراسة أنماط الفشل: كان الهدف الرئيس من الانتقال من مستوى المواد والعيّنات الصغيرة إلى اختبار العتبات الكاملة هو قياس السلوك الإنشائي الحقيقي للخرسانة المستدامة تحت ظروف التحميل الفعلية. دراسة قدرة تحمل الأحمال والتشققات وأنماط الفشل أتاحت فهم كيفية عمل هذه الخرسانة كعنصر إنشائي محمل بالكامل، والتأكد من مدى مطابقتها للمواصفات التصميمية الإنشائية. هذا الانتقال يتيح رؤية آليات انتقال الإجهادات، ومدى كفاءة التماسك بين الخرسانة (RPC) المصنوعة من مواد النفايات وحديد التسليح، ومدى قدرتها على التوزيع المرن للإجهادات قبل الوصول لمرحلة الفشل النهائي، وهو ما يوفر قاعدة بيانات علمية موثوقة تمهد لترجمة هذه البحوث إلى تطبيقات عملية في المجال الهندسي.

النتائج أظهرت أن العتبات المسلحة كانت أعلى قدرة على تحمل الأحمال وأكثر مطيلية وسيطرة على التشققات من العتبات غير المسلحة؛ كيف تفسرين هذا الفرق؟ 

لتفسير فرق الأداء والمطيلية والسيطرة على التشققات بين العتبات المسلحة وغير المسلحة (يعود الفرق الشاسع في الأداء (حيث سجلت العتبة المسلحة خليط (10% غبار سيليكا + 10% مسحوق زجاج+2%ألياف حديد steel fibre) أقصى حمل مقارنة للغير مسلحة) إلى وجود قضبان التسليح التي قامت بامتصاص إجهادات الشد بمجرد حدوث التشققات الأولى في الخرسانة. العتبات غير المسلحة تعتمد كلياً على مقاومة الشد الضعيفة للخرسانة وألياف حديد (steel fibre) مما يؤدي إلى فشل هش ومفاجئ (Brittle Failure) فور ظهور أول شق. في المقابل، يعمل التسليح على إعادة توزيع الإجهادات بمرونة داخل العتبة، مما يسمح بنشوء تشققات شعرية متعددة وناعمة بدلاً من شق واحد مفتوح، ويمنح المنشأ مطيلية عالية (Ductility) واستجابة ممتازة للتحميل تسمح بالتنبؤ بالفشل وتمنع انهيار المنشأ بشكل مفاجئ.

برز في نتائجكِ دور تسليح القص، إذ تعرضت بعض العتبات لفشل قصي موضعي عند عدم كفاية التسليح؛ ماذا تقول هذه النتيجة عن أهمية تصميم التسليح إلى جانب جودة الخرسانة؟ 

دلالة الفشل القصي الموضعي عند عدم كفاية تسليح القص عند تعرض بعض العتبات لفشل قصي قطري مفاجئ (Diagonal Shear Failure) بسب نقص تسليح القص الموضعي، يؤكد على حقيقة هندسية مفصلية وهي: مهما بلغت جودة الخرسانة وقوتها الميكانيكية عالية الأداء، فإنها لا تلغي أبداً الحاجة إلى تصميم تسليح إنشائي متكامل ودقيق. الخرسانة عالية المقاومة المكونة من المساحيق التفاعلية تتميز بصلادة واجهاد ضغط مرتفع جداً، ولكنه يرافق ذلك زيادة في الهشاشة (Brittleness) إزاء إجهادات القص والشد القطري. هذه النتيجة تنبه المصمم الإنشائي إلى أن استخدام خرسانة سريعة وقوية يتطلب إعادة قياس وتوزيع لكانات القص (Stirrups) لمنع الفشل القصي الذي يعتبر من أكثر أنماط الفشل خطورة لكونه يحدث بدون إنذار مبكر.

بحثكِ يشير إلى أن استخدام مواد النفايات يمكن أن يحسن أداء خرسانة المساحيق التفاعلية عند اختيار النسب المثلى؛ ما الذي كان مفاجئًا لكِ أكثر في نتائج التجارب؟ 

المفاجأة الأكبر في نتائج التجارب حول اختيار النسب المثلى: كان الشيء الأكثر مفاجأة في نتائج التجارب هو أن الأداء الميكانيكي الأقصى للخرسانة لم يتحقق عند استخدام أعلى نسبة من غبار السيليكا أو أكبر كمية من المواد البديلة، بل تحقق عند نقطة توازن دقيقة وحساسة جدا بين المكونات. كان من المفاجئ رؤية كيف أن خلطة تحتوي على 10% مسحوق زجاج مع 10% غبار سيليكا متفوقة بوضوح على الخلطات التي تحتوي على نسب أعلى من السيليكا وحدها. هذا يثبت أن تفاعل المساحيق التفاعلية لا يعتمد على كثافة المادة المضافة فقط، بل يعتمد بالكامل على الظواهر الفيزيائية والتدريج الحبيبي الذي يحقق التعبئة المثالية، حيث عمل مسحوق الزجاج كمنشط ومكمل للتفاعل البوزولاني وليس مجرد مادة بديلة رخيصة.

رغم إدخال مواد فائقة النعومة إلى الخلطات، حافظت الخلطات على قابلية تشغيل مقبولة؛ إلى أي مدى كان تحقيق التوازن بين قابلية التشغيل والمقاومة تحديًا في البحث؟ 

أبعاد تحقيق التوازن بين قابلية التشغيل والمقاومة تحدياً في البحث حيث شكل تحقيق التوازن بين قابلية التشغيل (Workability) والمقاومة التحدي الأكبر في هذا البحث، نظراً لأن أدخال مواد فائقة النعومة مثل غبار السيليكا ومسحوق الزجاج بالإضافة إلى أنقاض الملاط ذات المساحة السطحية العالية يؤدي طبيعياً إلى امتصاص كميات هائلة من الماء وتقليل انسيابية الخلطة. تم التغلب على هذا التحدي بنجاح من خلال الضبط الدقيق لجرعات الملدنات الفائقة (Superplasticizers) والتحكم في نسبة الماء إلى الأسمنت (W/C ratio)، مع الحفاظ على تدريج حبيبي متوازن. هذا التوازن سمح بتأمين صب وسكب خرساني سلس (حافظ على انسيابية مقبولة) دون الحاجة لزيادة مفرطة في الماء كانت ستضعف المصفوفة الخرسانية أو تسبب الانعزال الحبيبي). 

إذا جمعنا نتائج الضغط والانحناء والشد واختبارات العتبات، هل يمكن القول إن مواد النفايات استطاعت أن تدخل في الخرسانة من دون المساس بكفاءتها الميكانيكية والإنشائية؟ 

تقييم كفاءة خرسانة النفايات ميكانيكياً وإنشائياً بناءً على النتائج الشاملة فعند جمع كافة نتائج الفحوصات (الضغط، الانحناء، الشد، واختبار العتبات الكاملة)، يمكن القول بكل ثقة وتأكيد إن مواد النفايات المستعملة استطاعت الدخول في تركيب الخرسانة بفاعلية دون المساس بكفاءتها الميكانيكية والإنشائية، بل على العكس طوّرت من بعض جوانب الأداء. الخرسانة المستدامة (RPC) حققت إجهادات ضغط تجاوزت 120 ميجاباسكال وسلوك انثناء متميز، وقدمت العتبات المسلحة منها استجابة إنشائية فائقة وسلوك تحميل متزن ومطيل. هذه النتائج الشاملة تعطي إثباتاً قاطعاً بأن استخدام هذه النفايات بنسب مدروسة ليس مجرد خيار بيئي ترقيعي، بل هو خيار هندسي ناجح يمنح الخرسانة خصائص إنشائية ممتازة تفوق الخرسانة التقليدية.

 خلصتِ إلى أن استخدام مسحوق الزجاج وملاط النفايات يمكن أن يحسن الاستدامة البيئية مع الحفاظ على الأداء ضمن النسب المثلى؛ ما الذي يجعل هذه النتيجة مهمة بالنسبة لمستقبل الخرسانة؟

أسباب أهمية نتيجة الجمع بين الاستدامة والأداء لمستقبل الخرسانة حيث تكمن أهمية هذه النتيجة لمستقبل صناعة الخرسانة في أنها تعالج أزمتين عالميتين في وقت واحد، أزمة التلوث البيئي الناتج عن نفايات البناء والزجاج والانبعاثات الكاربونية للأسمنت، وأزمة الحاجة لمواد بناء متطورة وعالية الصلادة للمنشآت الحديثة. إثبات أمان واستدامة هذه الخرسانة يفتح الباب لتشريعات كودات بناء جديدة تعتمد على تقنيات البناء الأخضر والاقتصاد الدائري. المستقبل يتجه كلياً نحو تقليل البصمة الكاربونية للمنشآت الإنشائية، وهذه النتائج تعطيك الخيار العملي والتطبيقي لتحويل مخلفات المصانع والبناء إلى منشآت وبنى تحتية عالية الكفاءة وطويلة العمر، مما يقلل من تكاليف الصيانة والهدم والمواد الخام مستقبلاً.

وفي ختام هذا الحوار، بعد كل ما أظهرته التجارب، ما الرسالة الأهم التي تريدين أن تصل من بحثكِ: هل يمكن أن تصبح مواد النفايات جزءًا من خرسانة تجمع بين القوة والاستدامة؟ 

الرسالة الأهم التي يوجهها هذا البحث هي أن النفايات الصناعية ومخلفات البناء ليست عبئاً بيئياً يجب التخلص منه، بل هي ثروة وموارد غير مستغلة يمكن أن تعيد رسم خريطة تقنيات البناء الحديث. نعم، وبكل تأكيد، يمكن بل ويجب أن تصبح خرسانة النفايات جزءاً أساسياً من مستقبل البناء المستدام؛ حيث أثبتت التجارب أن الخرسانة الجيدة والصلبة لا تتطلب بالضرورة مواد خام تؤذي الطبيعة، بل تتطلب معالجة علمية ذكية وفهماً عميقاً للنسب المثلى. دمج هذه المواد يجمع بشكل مبهر بين القوة العالية، المتانة الهندسية، والحفاظ على البيئة، مما يحول المستحيل البيئي إلى واقع إنشائي ملموس ينفع المجتمع ويحافظ على موارد كوكبنا.

في نهاية هذا الحوار، تتضح صورة تجربة لا تنظر إلى النفايات باعتبارها نهاية الطريق، وإنما تبحث لها عن بداية جديدة داخل مواد البناء. وبين نتائج المختبر وسلوك العتبات تحت الأحمال، قدم بحث الباحثة بشرى غانم سالم دليلاً على أن القوة والاستدامة يمكن أن تلتقيا عندما تُوظف المواد بالنسب الصحيحة وتُبنى الفكرة على اختبار علمي دقيق.

وقد يفتح هذا النوع من الأبحاث باباً أوسع أمام قطاع الإنشاءات، حيث تتحول مخلفات الزجاج والبناء من عبء بيئي إلى مورد يمكن أن يسهم في صناعة خرسانة أكثر كفاءة وأقل هدراً للموارد.

في ختام حوارنا، نتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى الباحثة بشرى غانم سالم على وقتها، وعلى ما قدمته من توضيحات وتجربة علمية تستحق التوقف عندها، آملين أن تجد نتائج بحثها طريقها من المختبر إلى تطبيقات إنشائية تخدم المجتمع والبيئة. ولكم أنتم قراؤنا الكرام، كل الشكر على المتابعة والقراءة.

ذات صلة

واشنطن وصناعة التوازن.. الحاجة الى خصومها بقدر حاجتها إلى حلفائها؟العراق في قلب العاصفة.. من ساحة لتصفية الحسابات إلى جسر للحوار الإقليميعقولٌ مستعملةٌ للبيعهل يضاعف الإخلاص فرص النجاح؟رؤية سماحة المرجع الشيرازي.. في ملكية الأرض وإحيائها وتنظيم الانتفاع بها