الباحثة عبير فوزي الربيعي لـ شبكة النبأ: البحث العلمي شريكٌ في صناعة القرار وليس مجرد نشاط أكاديمي
أوس ستار الغانمي
2026-08-24 05:04
هناك أسئلة تبدأ من المختبر، لكنها تنتهي عند الإنسان. فحين نبحث في عالم الأحياء المجهرية عن كائن دقيق ينتج سمًّا، أو نرصد أثر ملوث في الماء والتربة، فإننا في الحقيقة نقترب من أسئلة تمس صحة الإنسان وأمنه الغذائي ومستقبل بيئته. ومع اتساع تأثير التغيرات المناخية وتزايد الضغوط التي تواجه النظم البيئية في العراق، لم تعد العلوم الأحيائية مجالًا معرفيًا محصورًا في المختبر، وإنما أصبحت إحدى الأدوات التي يمكن أن تساعد في قراءة المخاطر قبل تحولها إلى أزمات.
ومن هنا يبدأ حوارنا مع الأستاذة الدكتورة عبير فوزي مراد الربيعي، عميدة كلية العلوم للبنات في جامعة بابل؛ عالمة تقف عند تقاطع البحث العلمي والإدارة الأكاديمية، وتتعامل مع المختبر بوصفه مساحة لإنتاج الأسئلة والحلول معًا. وفي تجربتها، يصبح الحديث عن السموم البيئية مدخلًا للحديث عن المعالجة البيولوجية، ويقود البحث في الكائنات المجهرية إلى سؤال أكبر: كيف يمكن للجامعة أن تنقل ما تكتشفه في المختبر إلى المؤسسات والمجتمع؟
لكن الحوار لا يتوقف عند حدود البيئة والأحياء المجهرية؛ فالمشهد العلمي يتغير بسرعة، والذكاء الاصطناعي والمعلوماتية الحيوية يعيدان رسم طريقة البحث والتحليل والعمل داخل المختبرات. وفي المقابل، تزداد الحاجة إلى أخلاقيات تضبط هذا التقدم وتحافظ على قيمة العلم ومسؤوليته تجاه الإنسان.
ومن موقعها الأكاديمي، تضع الأستاذة الدكتورة عبير سؤال المرأة العراقية في قلب المشهد أيضًا: كيف تستطيع الباحثة أن تصنع حضورها في بيئة علمية عالمية شديدة التنافس؟ وما الذي تستطيع الجامعة أن تفعله كي تتحول الطالبة من متلقية للمعرفة إلى باحثة وقائدة وصاحبة مشروع علمي؟
في هذا الحوار مع شبكة النبأ المعلوماتية، نحاول الاقتراب من هذه الأسئلة من داخل التجربة نفسها؛ تجربة باحثة وعميدة، تجمع بين المختبر والإدارة، وبين مسؤولية المؤسسة وطموح البحث، وتضع أمامنا تصورًا لمستقبل كلية العلوم للبنات في جامعة بابل، ولمكانة العلم العراقي حين تتحول المعرفة من صفحات البحث إلى حلول تلامس الواقع.
حوار لا يسأل فقط عمّا وصل إليه العلم، وإنما عمّا يمكن أن يفعله العلم عندما يجد طريقه من المختبر إلى المجتمع.
كيف تُقيمين أثر التطور في تقنيات الأحياء المجهرية على فهمنا الحالي للسموم البيئية في العراق؟
أرى أن التطور في تقنيات الأحياء المجهرية غيّر بشكل جذري فهمنا للسموم البيئية، ولم يعد دورها يقتصر على الكشف عن وجود السموم، بل امتد إلى تفسير آليات تكوّنها وانتشارها وتأثيرها في الإنسان والبيئة. فقد وفرت التقنيات الجزيئية الحديثة، مثل تفاعل البوليميراز المتسلسل (PCR)، والتسلسل الجيني، والميتاجينومكس، إمكانية التعرف بدقة على الكائنات الدقيقة المنتجة للسموم، والكشف عن الجينات المسؤولة عن إنتاجها، ومتابعة انتشارها في المياه والتربة والمواد الغذائية حتى عند وجودها بتراكيز منخفضة يصعب اكتشافها بالطرق التقليدية.
ومن وجهة نظري، فإن القيمة الحقيقية لهذه التقنيات تكمن في دمج نتائجها مع التحاليل الكيميائية والمناعية، مما أتاح تقييماً أكثر شمولية لمخاطر السموم الفطرية والبكتيرية، مثل الأفلاتوكسينات والأوكراتوكسين والزيرالينون والباتيولين، وأسهم في تطوير برامج فعّالة للمراقبة والإنذار المبكر والحد من المخاطر الصحية.
أما في العراق، فإن أهمية هذه التقنيات تزداد بسبب التحديات البيئية المتعددة، ومنها تلوث مصادر المياه، وتدهور التربة، وارتفاع درجات الحرارة، والتغيرات المناخية التي تهيئ ظروفاً مناسبة لنمو الكائنات الدقيقة المنتجة للسموم. لذلك أعتقد أن توسيع استخدام تقنيات الأحياء المجهرية في المختبرات ومراكز البحوث وبرامج الرقابة البيئية والغذائية أصبح ضرورة علمية، وليس مجرد خيار، لما لها من دور في دعم اتخاذ القرار، وتحسين الصحة العامة، وتعزيز سلامة الغذاء، ووضع خطط وقائية تستند إلى بيانات دقيقة وموثوقة.
ما الذي يجعل من المعالجة البيولوجية ضرورة ملحة لاستعادة التوازن في النظم البيئية المتضررة ببلادنا؟
من وجهة نظري، أصبحت المعالجة البيولوجية اليوم من أهم الوسائل التي لا غنى عنها لاستعادة التوازن البيئي في العراق، لأن حجم التلوث الذي تعاني منه التربة والمياه تجاوز في كثير من المناطق قدرة البيئة على التعافي الطبيعي. وتعتمد هذه التقنية على توظيف الكائنات الحية الدقيقة أو النباتات في تحليل الملوثات وتحويلها إلى مركبات أقل سمية وأكثر أمانًا، مما يجعلها حلاً يعالج المشكلة من مصدرها بدلاً من الاكتفاء بنقل الملوثات أو عزلها. وتبرز أهمية المعالجة البيولوجية في العراق بسبب انتشار التلوث الناجم عن المشتقات النفطية، والمعادن الثقيلة، والمبيدات الزراعية، ومخلفات الأنشطة الصناعية والبلدية، فضلًا عن الآثار البيئية التي خلفتها الحروب والتوسع العمراني. وفي كثير من الحالات أثبتت هذه التقنية قدرتها على إعادة تأهيل المواقع المتضررة مع المحافظة على خصائص التربة والموارد المائية، وبكلفة أقل مقارنة بالعديد من طرق المعالجة التقليدية.
وأعتقد أن نجاح المعالجة البيولوجية لا يقتصر على إزالة الملوثات فحسب، بل يمتد إلى استعادة النشاط الحيوي للتربة، وتحسين جودة المياه، وحماية التنوع الأحيائي، والحد من المخاطر الصحية التي قد يتعرض لها الإنسان نتيجة التعرض المستمر للملوثات. ومن هنا فإن الاستثمار في البحث العلمي وتطوير التقنيات الحيوية وتوسيع تطبيقاتها الميدانية يمثل خطوة أساسية نحو إدارة بيئية مستدامة، قادرة على إعادة التوازن للنظم البيئية المتضررة وحماية الموارد الطبيعية للأجيال القادمة.
إلى أي مدى تساهم الأبحاث الأكاديمية في تخصصكِ في تغيير السياسات المتبعة للحد من التلوث الميكروبي والكيميائي؟
من واقع خبرتي، أرى أن الأبحاث الأكاديمية في مجال الأحياء المجهرية والسموم البيئية يمكن أن يكون لها تأثير حقيقي في صياغة السياسات البيئية إذا أُحسن توظيف نتائجها. فالبحث العلمي لا يقتصر على نشر المعرفة، بل يوفر بيانات موثوقة تساعد صناع القرار على فهم مصادر التلوث، وتحديد حجم المخاطر، واختيار الإجراءات الأكثر فاعلية للحد منها. وكلما كانت السياسات مبنية على أدلة علمية، كانت أكثر قدرة على تحقيق نتائج ملموسة ومستدامة.
وفي تخصصنا، أسهمت التقنيات الحديثة في تحسين رصد الملوثات الميكروبية والكيميائية والكشف المبكر عنها، مما يوفر معلومات دقيقة يمكن الاستفادة منها في تحديث معايير جودة المياه والغذاء، وتعزيز برامج الرقابة البيئية، ووضع خطط وقائية أكثر كفاءة. كما أن الأبحاث المتعلقة بالمعالجة البيولوجية وتقييم المخاطر البيئية تقدم حلولًا عملية قابلة للتطبيق، وليس مجرد نتائج نظرية.
أما في العراق، فأعتقد أن التحدي لا يكمن في نقص الأبحاث العلمية بقدر ما يكمن في تحويل مخرجاتها إلى سياسات تنفيذية وبرامج وطنية. وهذا يتطلب شراكة حقيقية بين الجامعات ومراكز البحوث والوزارات المعنية، مع تفعيل القوانين البيئية، ودعم المختبرات، واعتماد نتائج الدراسات العلمية في رسم الخطط البيئية والصحية. وعندما يتحقق هذا التكامل، يصبح البحث الأكاديمي أداة فاعلة في الحد من التلوث وحماية البيئة وتحسين جودة الحياة.
كيف تنظرين إلى المخاطر البيولوجية الناشئة في ظل التغيرات المناخية التي يشهدها العالم اليوم؟
من وجهة نظري، تمثل التغيرات المناخية اليوم أحد أهم العوامل التي تزيد من تعقيد المخاطر البيولوجية على مستوى العالم، لأنها تؤثر بشكل مباشر في سلوك الكائنات الحية الدقيقة وانتشارها، وفي طبيعة التفاعلات بينها وبين الإنسان والبيئة. فارتفاع درجات الحرارة، وتغير أنماط الأمطار، وتكرار موجات الجفاف والفيضانات، كلها عوامل تهيئ ظروفًا جديدة لانتشار مسببات الأمراض والسموم الميكروبية، وقد تؤدي إلى ظهورها في مناطق لم تكن تشكل فيها خطرًا في السابق.
وفي مجال الأحياء المجهرية والسموم البيئية، نلاحظ أن التغيرات المناخية قد تسهم في زيادة نمو بعض الفطريات المنتجة للسموم الفطرية، مثل الأفلاتوكسينات، خاصة في المحاصيل المخزنة في ظروف غير ملائمة، كما قد تؤثر في ازدهار الطحالب السامة في المسطحات المائية، وهو ما ينعكس سلبًا على سلامة الغذاء وجودة المياه وصحة الإنسان والحيوان.
أما في العراق، فإن هذه المخاطر تزداد تعقيدًا بسبب ارتفاع درجات الحرارة، وشح الموارد المائية، والتلوث البيئي، والتصحر، وهي عوامل تجعل النظم البيئية أكثر هشاشة وأقل قدرة على مقاومة التغيرات. لذلك أعتقد أن التعامل مع المخاطر البيولوجية لم يعد يقتصر على الجانب الصحي فقط، بل أصبح قضية بيئية وتنموية تتطلب اعتماد أنظمة إنذار مبكر، وتعزيز برامج الرصد البيئي، ودعم البحث العلمي، وتطبيق ممارسات مستدامة في إدارة المياه والزراعة والغذاء.
وأرى أن الاستعداد لهذه التحديات يجب أن يكون استباقيًا لا ردّ فعل، لأن الوقاية المبنية على المعرفة العلمية أقل كلفة وأكثر فاعلية من معالجة آثار الأزمات بعد وقوعها. فحماية البيئة في ظل التغيرات المناخية أصبحت استثمارًا مباشرًا في صحة الإنسان وأمنه الغذائي ومستقبل الأجيال القادمة.
ما هي الفجوة الأكثر وضوحاً التي تلمسينها بين الطموح البحثي في المختبرات والواقع التطبيقي في المؤسسات الصحية والبيئية؟
من وجهة نظري، لا تكمن المشكلة في ضعف الطموح البحثي، بل في ضعف الجسر الذي يربط بين المختبرات ومؤسسات التطبيق. ففي الجامعات ومراكز البحوث تُنجز دراسات علمية قيّمة، وتُطرح حلول مبتكرة في مجالات الأحياء المجهرية والسموم البيئية، لكن كثيرًا من هذه النتائج يبقى حبيس الرسائل العلمية والمنشورات، ولا يجد طريقه إلى التنفيذ الفعلي.
وأعتقد أن السبب الرئيس هو محدودية التمويل المخصص للبحث التطبيقي، إلى جانب ضعف التنسيق بين الجامعات والوزارات والمؤسسات الصحية والبيئية، فضلاً عن نقص البنية التحتية والتجهيزات اللازمة لتحويل النتائج المخبرية إلى برامج ميدانية قابلة للتنفيذ. كما أن غياب آليات واضحة لنقل المعرفة والاستفادة من الخبرات الأكاديمية يجعل الفجوة أكثر اتساعًا.
برأيي، نحتاج إلى تغيير النظرة إلى البحث العلمي، بحيث يُنظر إليه على أنه شريك في صناعة القرار، وليس مجرد نشاط أكاديمي. فعندما تُبنى السياسات البيئية والصحية على نتائج الأبحاث، وتُمنح الباحثين فرصة للمشاركة في اللجان الاستشارية ووضع الخطط الوطنية، يمكن أن تتحول المعرفة العلمية إلى حلول واقعية تسهم في حماية البيئة، والحد من التلوث، وتعزيز الصحة العامة. وهذا التكامل بين الباحث والمؤسسة التنفيذية هو ما سيمنح البحث العلمي أثره الحقيقي في خدمة المجتمع.
كيف تصفين فلسفتكِ في الإدارة الأكاديمية عند تولي مسؤولية قيادة صرح تعليمي مخصص للفتيات؟
ترتكز فلسفتي في الإدارة الأكاديمية على الحوكمة الرشيدة، والقيادة التشاركية، اؤمن بأن الإدارة الأكاديمية ليست ممارسة للسلطة، بل هي مسؤولية لبناء الإنسان قبل بناء المؤسسة. ومن هذا المنطلق، ترتكز فلسفتي في القيادة على الحوار، والعدالة، والشفافية، والعمل بروح الفريق، لأن نجاح أي مؤسسة تعليمية يبدأ عندما يشعر كل فرد فيها بأنه شريك في تحقيق أهدافها.
وعند قيادة صرح تعليمي مخصص للفتيات، أرى أن المسؤولية تتجاوز تقديم المعرفة الأكاديمية إلى بناء شخصية واثقة، قادرة على التفكير النقدي، والإبداع، وتحمل المسؤولية، والمنافسة في مختلف المجالات. فالجامعة يجب أن تكون بيئة آمنة ومحفزة، تمنح الطالبة الفرصة لاكتشاف قدراتها، وتدعم طموحها العلمي والمهني، وتغرس فيها قيم النزاهة والانتماء وخدمة المجتمع.
كما أؤمن بأن الإدارة الناجحة هي التي تستند إلى التخطيط الواضح، واتخاذ القرار المبني على الأدلة، وتطبيق معايير الجودة والتحسين المستمر، مع الاستثمار الحقيقي في أعضاء الهيئة التدريسية والباحثين، لأنهم الركيزة الأساسية لأي تطور أكاديمي.
ومن وجهة نظري، فإن نجاح المؤسسة لا يُقاس بعدد خريجاتها أو برامجها فحسب، بل بقدرتها على تخريج نساء يمتلكن العلم، والثقة، والوعي، والقدرة على إحداث أثر إيجابي في مجتمعهن. لذلك أسعى دائمًا إلى أن تكون المؤسسة التعليمية مساحة للتميز العلمي، وبناء القيادات النسوية، وتعزيز الشراكة مع المجتمع، بما يحقق رسالة التعليم في إعداد أجيال قادرة على المساهمة في التنمية المستدامة وصناعة مستقبل أفضل.
ما هو الأثر الذي تطمحين لتركه في مسيرة الطالبات اللواتي يدرسن تحت إشرافكِ في كلية العلوم للبنات؟
أطمح إلى أن يكون أثري في طالبات كلية العلوم للبنات أثرًا مستدامًا يتجاوز حدود التحصيل الأكاديمي، من خلال إعداد خريجات يمتلكن التفكير العلمي النقدي، والمهارات البحثية، والالتزام بأخلاقيات المهنة، والقدرة على الابتكار والمنافسة محليًا ودوليًا مع النجاح في إدارة ( العمل والعائلة) مستقبلا وخلق جيل يؤمن بالمبادئ والقيم. وأؤمن بأن نجاح المؤسسة يقاس بقدرتها على تخريج عالمات وقائدات قادرات على توظيف المعرفة لخدمة المجتمع ، والإسهام في التنمية المستدامة، وصناعة حلول علمية للتحديات الصحية والبيئية.
كيف توازنين بين المتطلبات الإدارية لعمادة الكلية وبين شغفكِ الشخصي كباحثة وعالمة في مختبراتها؟
المختبر والعمل البحثي بالنسبة لي ليس مجرد مكان للعمل، بل هو جزء من هويتي العلمية وشغفي المهني، حيث أجد متعة الاكتشاف والبحث والإجابة عن الأسئلة العلمية التي تسهم في خدمة المجتمع وكذلك التدريس في الدراسات الأولية والعليا وتقييم البحوث ونقل الخبرات الى طالباتي هي من احب وارقى المهام الى نفسي. وفي الوقت نفسه، أرى أن مسؤولية العميد لا تعني الابتعاد عن البحث العلمي، بل توظيف الخبرة البحثية في تطوير البيئة الأكاديمية واتخاذ قرارات مبنية على أسس علمية. لذلك أحرص على تحقيق توازن بين مهامي الإدارية واستمراري في النشاط البحثي والإشراف العلمي، لأنني أؤمن بأن القائد الأكاديمي الأكثر تأثيرًا هو من يبقى قريبًا من المختبر، والباحثين، والطلبة، ويقود المؤسسة برؤية وخبرة علمية.
ما هي أبرز التحديات التي تواجه المرأة العراقية في مسارها نحو الريادة في العلوم التقنية والأحيائية؟
تواجه المرأة العراقية في مسارها نحو الريادة في العلوم التقنية والأحيائية تحديات متداخلة، أبرزها صعوبة التوفيق بين المسؤوليات الأسرية والطموح العلمي، واستمرار بعض الصور النمطية المجتمعية، ومحدودية فرص التدريب المتقدم والسفر والتعاون البحثي الدولي، إلى جانب ضعف التمويل والدعم المؤسسي وقلة تمثيل النساء في مواقع القيادة وصنع القرار العلمي. كما تزيد فجوة الربط بين البحث والتطبيق من صعوبة تحويل الإنجاز العلمي إلى أثر مؤسسي ومجتمعي. ومع ذلك، أثبتت المرأة العراقية قدرتها على التميز والابتكار متى ما توفرت لها بيئة عادلة وآمنة وداعمة.
كيف يمكن للجامعات تعزيز دور الباحثات العراقيات ليصبحن رقماً صعباً في المحافل العلمية الدولية؟
من وجهة نظري يمكن للجامعات تعزيز الحضور الدولي للباحثات العراقيات من خلال بناء منظومة مؤسسية متكاملة تشمل تمويل البحوث التنافسية، وتوفير مختبرات متقدمة، ودعم النشر في المجلات العالمية الرصينة، والتدريب على كتابة المشاريع البحثية والحصول على المنح الدولية. كما يُعدّ توسيع الشراكات مع الجامعات ومراكز الأبحاث العالمية، وتفعيل برامج الإشراف العلمي والإرشاد المهني، واعتماد معايير عادلة للترقية والقيادة الأكاديمية، عوامل أساسية لرفع الإنتاج البحثي والاستشهادات العلمية وتحويل الباحثة العراقية إلى شريك مؤثر في المجتمع العلمي الدولي.
ما هي الخطوات العملية اللازمة لتحويل نتاجات الأبحاث العلمية في كليتكم إلى حلول صناعية أو زراعية تخدم اقتصاد المحافظة؟
من الممكن تحويل مخرجات البحوث إلى قيمة اقتصادية يتطلب الانتقال من ثقافة النشر العلمي إلى ثقافة الابتكار ونقل التكنولوجيا. ويبدأ ذلك بتوجيه الأولويات البحثية نحو المشكلات الحقيقية للمحافظة، ولاسيما في مجالات الزراعة، والتلوث البيئي، والصناعات الغذائية والدوائية، ثم إنشاء حاضنات للابتكار ومكاتب لنقل التكنولوجيا تتولى حماية الملكية الفكرية وتسويق المخرجات البحثية. كما أن بناء شراكات استراتيجية مع القطاعين العام والخاص لتمويل البحوث التطبيقية، وإنشاء حقول ومحطات تجريبية وخطوط إنتاج تجريبية، سيحول النتائج المختبرية إلى منتجات وتقنيات قابلة للاستثمار. وعندما تقاس البحوث بأثرها التنموي وليس بعدد منشوراتها فقط، تصبح الجامعة محركًا حقيقيًا للاقتصاد المحلي والتنمية المستدامة.
كيف تستعد كلية العلوم للبنات لمواكبة طفرة الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته في علوم الأحياء والمختبرات؟
تستعد كلية العلوم للبنات لمواكبة طفرة الذكاء الاصطناعي من خلال تبنّي استراتيجية متكاملة تجمع بين تحديث المناهج، وبناء القدرات، وتطوير البنية التحتية البحثية. ويشمل ذلك إدخال تطبيقات الذكاء الاصطناعي والمعلوماتية الحيوية وتحليل البيانات الضخمة ضمن برامج علوم الأحياء، وتدريب الطالبات والتدريسيات على استخدام الخوارزميات في تحليل الصور المجهرية، والبيانات الجينية، وتشخيص الأنماط الميكروبية، والتنبؤ بالمقاومة الدوائية والسمّية البيئية.خصوصا ان تقنيات المعلومات الحيوية غير بعيدة عن بحوث الأساتذة والطلبة من التحليل الجيني وتصميم البرايمرات ودراسة التراكيب الكيميائية للمواد الايضية الثانوية تتم عن طريق استخدام هذه التقنيات.
كما تعمل الكلية على تطوير مختبرات رقمية مترابطة، وإنشاء فرق بحثية مشتركة بين تخصصات الأحياء والحاسوب والإحصاء، وعقد شراكات مع المؤسسات الصحية والبيئية والصناعية لتحويل النماذج الذكية إلى حلول تطبيقية. ويجب أن يترافق ذلك مع وضع ضوابط لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وحماية البيانات، والتحقق من دقة النتائج؛ لأن الهدف ليس استبدال الباحثة أو التشخيص المختبري، بل تعزيز كفاءتهما وتسريع الوصول إلى قرارات علمية أكثر دقة. وبهذا تتحول الكلية من مستخدم للتقنيات الحديثة إلى بيئة منتجة للمعرفة والحلول الذكية، مع إعداد خريجات يمتلكن الكفاءة البيولوجية والرقمية معاً.
لماذا تعد الأخلاقيات العلمية حجر الزاوية في التعامل مع التقنيات الأحيائية الحديثة من وجهة نظركِ؟
تُعدّ الأخلاقيات العلمية حجر الزاوية في التعامل مع التقنيات الأحيائية الحديثة؛ لأنها الإطار الذي يضمن توجيه التقدم العلمي نحو خدمة الإنسان وتحقيق المنفعة العامة، مع الحد من المخاطر المحتملة. فالتطور المتسارع في مجالات الهندسة الوراثية، والتشخيص الجزيئي، والذكاء الاصطناعي في العلوم الحيوية، يمنح الباحثين قدرات غير مسبوقة، لكنه في المقابل يفرض مسؤولية أخلاقية أكبر في كيفية استخدام هذه التقنيات.
ومن وجهة نظري، لا تقتصر الأخلاقيات العلمية على الالتزام بالقوانين واللوائح، بل تشمل النزاهة في جمع البيانات وتحليلها، والشفافية في عرض النتائج، وحماية خصوصية الأفراد، وضمان سلامة المشاركين في الأبحاث، واحترام المبادئ الإنسانية. كما تسهم الأخلاقيات في تعزيز ثقة المجتمع بالمؤسسات العلمية، وهي ثقة لا يمكن أن يستمر التقدم العلمي من دونها.
لذلك، فإن قيمة أي إنجاز علمي لا تُقاس بحداثة التقنية أو سرعتها فحسب، بل بمدى التزام القائمين عليها بالمسؤولية والأمانة واحترام حقوق الإنسان. فالعلم عندما يقترن بالأخلاق يصبح أداةً للتنمية وتحسين جودة الحياة، أما إذا انفصل عنها فقد يتحول إلى مصدرٍ لمخاطر علمية واجتماعية يصعب احتواؤها.
ما هي الرؤية التي ترسمينها لمستقبل كلية العلوم للبنات في جامعة بابل خلال السنوات الخمس المقبلة؟
تتمثل رؤيتي الاستراتيجية لمستقبل كلية العلوم للبنات في جامعة بابل خلال السنوات الخمس المقبلة في الارتقاء بها إلى كلية رائدة في التعليم والبحث العلمي والابتكار، تجمع بين التخصصات العلمية الأساسية والتقنيات الحديثة، وتُخرّج طالبات يمتلكن المعرفة المتعمقة والكفاءة المهنية والقدرة على المنافسة في سوق العمل. وترتكز هذه الرؤية على تحديث البرامج والمناهج الدراسية، وتطوير المختبرات والبنى التحتية، وتعزيز التكامل بين التعليم والبحث العلمي بما يلبي احتياجات القطاعات الصحية والصناعية والأمنية، مع الاستفادة من تميز الكلية باحتضانها أقسامًا علمية متنوعة، ومنها قسم فيزياء الليزر.
كما نسعى إلى استحداث تخصصات نوعية تواكب التحولات التكنولوجية، مثل الأدلة الجنائية، والذكاء الاصطناعي وتطبيقاته في العلوم، واستكمال إنشاء قسم الأمن السيبراني، بما يسهم في إعداد كوادر نسوية مؤهلة لمواكبة متطلبات التنمية وسوق العمل.
وسنعمل على دعم البحث العلمي النوعي والبحوث التطبيقية متعددة التخصصات، وتعزيز النشر العلمي والشراكات مع الجامعات والمراكز البحثية، إلى جانب تبني التحول الرقمي في التعليم والإدارة، وتوظيف التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في العملية التعليمية، مع الالتزام بأعلى معايير الجودة والأخلاقيات الأكاديمية.
وفي الوقت نفسه، نحرص على بناء شخصية الطالبة الجامعية المتكاملة من خلال تنمية مهارات القيادة والابتكار وريادة الأعمال، وتعزيز دورها في خدمة المجتمع. وتهدف هذه الرؤية إلى أن تكون كلية العلوم للبنات في جامعة بابل نموذجًا وطنيًا متميزًا، ومركزًا للتميز العلمي وإعداد قيادات نسوية قادرة على الإسهام الفاعل في تحقيق التنمية المستدامة وخدمة المجتمع.
كما تتضمن الخطة تعزيز الشراكات الاستراتيجية مع مؤسسات الدولة والقطاع الخاص، وتوسيع نطاق التدريب التطبيقي، ودعم الحاضنات والمشروعات الطلابية، وتأسيس فرق بحثية مشتركة بين أقسام الأحياء والكيمياء والحاسوب والتخصصات المستحدثة. وسنولي اهتماماً خاصاً بتنمية المهارات الرقمية واللغوية والقيادية وريادة الأعمال لدى الطالبات، بما يعزز ثقتهن بأنفسهن وقدرتهن على الابتكار واتخاذ القرار.
إن طموحنا يتمثل في أن تصبح الكلية خلال خمس سنوات نموذجاً وطنياً متميزاً في التعليم العلمي للمرأة، ومركزاً لإعداد خريجات مؤهلات علمياً وتقنياً وأخلاقياً، وقادرات على الإسهام الفاعل في تحقيق التنمية المستدامة وخدمة المجتمع وقيادة قطاعات المستقبل.
ماذا تقول الدكتورة عبير، العالمة والعميدة، للطالبة التي تقف اليوم في بداية طريقها العلمي، باحثةً عن هوية وسط هذا التنافس العالمي؟
أقول لكل طالبة تبدأ اليوم رحلتها العلمية: لا تقارني نفسكِ بأحد، بل قارني نفسكِ بما كنتِ عليه بالأمس. النجاح في العلم ليس سباقًا في السرعة، وإنما رحلة طويلة من الصبر والشغف والتعلّم المستمر.
عندما دخلتُ المختبر لأول مرة لم أكن أعرف إلى أين ستقودني هذه الرحلة، لكنني كنت مؤمنة بأن كل تجربة، حتى وإن لم تنجح، تعلمني شيئًا جديدًا. لذلك لا تخافي من الخطأ، فالعلم يتقدم بالأسئلة أكثر مما يتقدم بالإجابات. أن هويتكِ العلمية تُبنى في المختبر، وفي قاعة الدرس، وفي كل بحث تنجزينه بإخلاص. لا تخشي الفشل، فهو جزء من رحلة الاكتشاف، واجعلي من كل تحدٍ فرصةً لتطوير ذاتكِ واكتساب خبرة جديدة.
أريد لطالباتي أن يؤمنّ بأن المرأة العراقية قادرة على المنافسة عالميًا إذا امتلكت المعرفة، وأتقنت اللغات والتقنيات الحديثة، وحافظت على أخلاقها العلمية. الشهادة ليست نهاية الطريق، بل هي بداية مسؤولية تجاه المجتمع والوطن. اصنعي أثركِ بعلمكِ، وسيأتي التقدير تلقائيًا..
وأؤمن أن الطالبة العراقية تمتلك من الذكاء والطموح ما يؤهلها لتكون باحثةً وقائدةً ومبتكرةً إذا وجدت البيئة الداعمة واستثمرت قدراتها. كوني واثقة بأن كل إنجاز علمي تحققينه اليوم هو لبنة في بناء مستقبل وطنكِ، وأن رسالتكِ لا تنتهي بالحصول على الشهادة، بل تبدأ بها.
في ختام هذا الحوار، تبقى قيمة التجربة العلمية أكبر من حدود الاختصاص، لأنها تكشف كيف يمكن للمعرفة أن تتحول إلى مسؤولية، وكيف يستطيع المختبر أن يفتح طريقًا نحو حلول تمس البيئة والصحة والتعليم والمجتمع. وقد أخذتنا الأستاذة الدكتورة عبير فوزي مراد الربيعي، خلال هذا الحوار، من عالم الأحياء المجهرية والسموم البيئية إلى قضايا البحث العلمي والمرأة والذكاء الاصطناعي ومستقبل التعليم الأكاديمي، مقدمةً رؤية تنطلق من تجربتها كباحثة وأكاديمية وعميدة لكلية العلوم للبنات في جامعة بابل.
وإذ نصل إلى نهاية هذا الحوار، تتقدم شبكة النبأ المعلوماتية بخالص الشكر والتقدير للأستاذة الدكتورة عبير فوزي مراد الربيعي على وقتها، وعلى ما قدمته من أفكار ورؤى وتجربة علمية وأكاديمية، آملين أن تسهم هذه المساحة في إبراز الجهود العلمية العراقية، وتعزيز حضور الباحثين والباحثات في النقاش العام، وفتح مزيد من النوافذ بين الجامعة والمجتمع.