عبد الحسين بريسم لـ شبكة النبأ: كيف يمكن للإنسان أن يبقى إنساناً وسط كل هذا الخراب؟
أوس ستار الغانمي
2026-07-18 04:47
تمنحنا قراءة بعض المبدعين فرصة حقيقية لإعادة اكتشاف التفاصيل المنسية في حيواتنا. يبرز اسم ضيفنا بوصفه حارسًا لملامح المدن، ومستنطقًا للأثر والوجوه التي غيرتها التحولات.
يتنقل الشاعر والروائي العراقي عبد الحسين بريسم بروح الباحث عن الجمال والحقيقة، فيوازن بين قصيدة تكثف الوجود ورواية تتسع لتأمل المصائر الإنسانية وسط الخراب. تشكل أعماله فصولاً متتابعة لسيرة روحية واحدة، تواجه تحولات الزمن العراقي عبر توظيف الأسطورة والرمز، والتمسك بالصدق الفني. يقدم الأدب في تجربته ما عجزت كتب التاريخ والوثائق الصماء عن حفظه، فيدون مشاعر الإنسان في لحظة عيش الحدث.
تفتح شبكة النبأ المعلوماتية في هذا الحوار الخاص دفاتر الذاكرة، لنقترب من صراع الصمت والكلام، والثمن الذي يدفعه الكاتب عند اختيار الصدق، وما يتبقى منه خارج غلاف الكتاب.
متى أدركت أن المكان في الكتابة يمتلك سيرة توازي سيرة الإنسان، وأن الإصغاء إليه يفتح أبوابًا يغفل عنها المؤرخ؟
أدركت ذلك مبكرًا حين اكتشفت أن المكان لا يحتفظ بالحجارة فقط، بل يحتفظ بخطوات الذين مروا فوقها، بأحلامهم وخيباتهم. المؤرخ يدوّن الوقائع، أما المكان فيحفظ المشاعر التي عجزت الكتب عن تدوينها. لذلك أحاول دائمًا أن أستنطق المكان في الشعر والسرد، لأنه كائن حي يروي ما لا يُقال، ويكشف طبقات خفية من الذاكرة الإنسانية.
إلى أي مدى تمثل أعمالك الخمسة فصولًا متتابعة من سيرة روحية واحدة، حتى مع اختلاف الأجناس الأدبية؟
أؤمن أن الكاتب الحقيقي يكتب كتابًا واحدًا طوال حياته، لكنه يغيّر شكله في كل مرة. قصائدي ورواياتي ودراساتي النقدية تبدو مختلفة في النوع، لكنها تتحد في جوهرها؛ فهي رحلة للبحث عن الإنسان، وعن معنى الجمال وسط الخراب، وعن العلاقة المعقدة بين الذاكرة والزمن.
أي لحظة في حياتك صنعت الكاتب الذي يختبئ خلف الشاعر والروائي؟
ربما كانت سنوات الحرب والحصار وما رافقهما من تحولات اجتماعية وإنسانية. هناك أدركت أن الشعر وحده لا يكفي أحيانًا، وأن الرواية تمنح مساحة أوسع لتأمل المصائر. منذ ذلك الوقت صار الكاتب داخلي يرافق الشاعر، لا لينافسه، بل ليكمل ما يعجز عنه الشعر.
ما الذي يدفعك إلى استدعاء الأسطورة والرمز كلما اقترب النص من الواقع العراقي؟
لأن الواقع العراقي نفسه أصبح أكبر من الوصف المباشر. الأسطورة ليست هروبًا من الواقع، بل وسيلة لقراءته. الرمز يمنح النص عمرًا أطول، ويجعل التجربة المحلية قابلة لأن تُقرأ بوصفها تجربة إنسانية عامة.
أي خسارة شخصية ما زالت تكتب نفسها بأسماء وصور مختلفة داخل أعمالك؟
الخسارة الكبرى هي خسارة الزمن العراقي الجميل، وخسارة الأصدقاء الذين غابوا، والمدن التي تغيرت ملامحها. كل شخصية أكتبها تحمل شيئًا من شخص رحل، وكل مكان أصفه يحمل ظل مدينة كانت أكثر براءة.
بأي معيار تمنح شخصية روائية حق البقاء، وتقرر في المقابل إقصاء شخصية أخرى من النص؟
الشخصية التي تستحق البقاء هي التي تمتلك ضرورة فنية وإنسانية، لا تلك التي تؤدي وظيفة سردية فقط. أحيانًا أحذف شخصيات أحبها لأن النص لا يحتاجها، وأبقي شخصيات بسيطة لأنها تمثل نبض الحياة الحقيقي.
أين تنتهي ذاكرة المكان، وتبدأ مخيلة الكاتب في إعادة تشكيله؟
لا توجد حدود فاصلة بينهما. المخيلة لا تلغي المكان، بل تكشف أعماقه. الكاتب لا يزور الحقيقة، وإنما يمنحها أبعادًا جديدة تجعلها أكثر قدرة على التعبير.
إلى أي حد يمكن للأدب أن ينقذ ذاكرة وطن من التآكل أكثر مما تفعل الكتب التاريخية؟
الأدب يحفظ ما تعجز الوثيقة عن حفظه. التاريخ يروي ماذا حدث، أما الأدب فيروي كيف شعر الإنسان وهو يعيش تلك الأحداث. لهذا تبقى الروايات والقصائد شاهدة على روح الأوطان، لا على أحداثها فقط.
ما الثمن الذي يدفعه الكاتب حين يختار الصدق الفني على حساب المجاملة الاجتماعية؟
الثمن قد يكون العزلة أو سوء الفهم أو خسارة بعض العلاقات، لكن الكاتب إذا فقد صدقه فقد مبرر وجوده. الكتابة ليست وسيلة لإرضاء الآخرين، بل مسؤولية أخلاقية تجاه الحقيقة.
أي جملة كتبتها وشعرت أنها كشفتك أمام نفسك أكثر مما كشفتك أمام القارئ؟
أشعر أن كثيرًا من نصوصي قالت ما كنت أخفيه عن نفسي، لكن أكثر ما أؤمن به هو: "ليس هناك أهم من أن يكون الشعر سلاحًا خفيًا يحارب فساد الإنسان وينتصر للإنسان." هذه العبارة تختصر رؤيتي للشعر ولدور المثقف.
بأي معنى تتحول القصيدة عندك إلى وثيقة وجود، وتتحول الرواية إلى محاولة لفهم الإنسان؟
القصيدة تسجل اللحظة التي يعجز الزمن عن محوها، لذلك هي وثيقة وجود. أما الرواية فهي مختبر لفهم النفس البشرية، واكتشاف دوافعها وتناقضاتها، ولهذا أجد أن الشعر والرواية يكمل أحدهما الآخر.
أي صراع داخلي يسبق لحظة كتابة العمل الجديد، ويختفي فور كتابة السطر الأول؟
الصراع بين الصمت والكلام. أخشى دائمًا ألا أجد اللغة المناسبة، لكن ما إن أكتب الجملة الأولى حتى أشعر أن النص صار هو الذي يقودني، لا العكس.
ماذا بقي من عبد الحسين بريسم خارج الكتب، ولم تستطع اللغة الوصول إليه حتى الآن؟
بقيت لحظات شخصية جدًا، ومشاعر لا يمكن للكلمات أن تحيط بها بالكامل. هناك دائمًا جزء من الكاتب يبقى صامتًا، لأن اللغة مهما اتسعت تبقى أقل من الحياة.
أي سؤال تتمنى أن يخرج به القارئ بعد إغلاق آخر صفحة، حتى لو عجز عن العثور على إجابته؟
أتمنى أن يسأل نفسه: كيف يمكن للإنسان أن يبقى إنسانًا وسط كل هذا الخراب؟ إذا بقي هذا السؤال حيًا، فقد نجح الأدب في أداء رسالته.
أي إرث أدبي تتمنى أن يحمله اسم عبد الحسين بريسم بعد عقود، حين تصبح الكتب وحدها هي المتحدثة عن صاحبها؟
أتمنى أن يُقال إنني حاولت أن أكتب بصدق، وأن أجعل من المكان شاهدًا حيًا على الإنسان، وأن أدافع بالشعر والسرد عن قيم الجمال والحرية والكرامة. إذا وجدت الأجيال القادمة في كتبي ما يساعدها على فهم الإنسان والعراق بصورة أعمق، فذلك هو الإرث الذي أطمح إليه.
في الختام
يضعنا حديث الأديب عبد الحسين بريسم أمام جوهر الكتابة بوصفها مسؤولية أخلاقية تجاه الإنسان والأرض. يغادرنا في هذا اللقاء وتظل أسئلته معلقة في أذهاننا، محفزة على التفكير في كيفية الحفاظ على إنسانيتنا وجمالنا وسط التغيرات المتسارعة. يمنحنا هذا البوح الإبداعي فرصة حقيقية لتقدير العلاقة الوثيقة بين المبدع وتفاصيل وطنه.
تتقدم شبكة النبأ المعلوماتية بالشكر الجزيل لضيفها الكريم، متمنية له دوام العطاء ومواصلة إثراء المكتبة العربية بنصوص تحفظ هوية الأمكنة وتخلد وجوه ممراتها.