د. ياسر محمد صالح لشبكة النبأ: حفظ المفردات لا يعني إتقان اللغة.. السؤال هو المفتاح
أوس ستار الغانمي
2026-04-14 03:00
ليس كل من يتعلم لغة جديدة يستطيع أن يطرح سؤالاً جيداً بها. فبين حفظ المفردات وإتقان القواعد مساحة خفية غالباً ما يتعثر فيها المتعلم: مساحة صياغة السؤال. هنا تحديداً تظهر الفروق بين معرفة اللغة بوصفها مادة دراسية، واستخدامها بوصفها أداة حوار وتفكير.
في قاعات تدريس اللغة الإنجليزية في الجامعات العربية، قد ينجح كثير من الطلبة في استظهار المفردات أو تطبيق قاعدة نحوية في ورقة الامتحان، لكنهم يترددون حين يحاولون تحويل تلك المعرفة إلى سؤال بسيط يفتح باب الحديث. لماذا يحدث ذلك؟ وهل المشكلة في طريقة التعليم، أم في طبيعة الانتقال من التفكير باللغة الأم إلى التفكير بلغة أخرى؟
هذه الأسئلة وغيرها نحملها إلى الأستاذ الدكتور ياسر محمد صالح، رئيس قسم اللغة الإنجليزية في جامعة سامراء، الذي يضيء في هذا الحوار جانباً مهماً من تعليم اللغة غالباً ما يمرّ بصمت داخل المناهج الدراسية: فلسفة السؤال في اللغة الإنجليزية.
خلال هذا اللقاء، يتحدث الدكتور صالح عن العقدة التي تواجه المتعلم العربي عند بناء السؤال، والفجوة بين اللغة التي تُدرَّس داخل القاعة الدراسية وتلك التي يتداولها الناس في حياتهم اليومية. كما يشرح كيف يمكن لاختيار صيغة سؤال واحدة أن يغيّر اتجاه الحوار بالكامل، ويكشف عن الأخطاء الشائعة الناتجة عن الترجمة الحرفية من العربية، إضافة إلى أهمية فهم البعد الثقافي للغة عند استخدام الأسئلة والطلبات.
حوار يذهب أبعد من القواعد اللغوية، ليطرح فكرة أساسية:
أن إتقان اللغة لا يبدأ بحفظ الكلمات، بل بالقدرة على طرح السؤال الذي يفتح باب المعرفة.
كثيرون يتعلمون مفردات اللغة الإنجليزية لكنهم يتعثرون عند صياغة السؤال؛ أين تكمن عقدة السؤال لدى المتعلم العربي برأيك؟
تعود صعوبة صياغة السؤال لدى كثير من المتعلمين العرب إلى التركيز على حفظ المفردات دون فهم البنية النحوية الخاصة بالسؤال في اللغة الإنجليزية. فالسؤال في الإنجليزية يعتمد غالباً على تقديم الفعل المساعد مثل (do, does, did, can, will)، إضافة إلى اختلاف ترتيب الكلمات مقارنة بالجملة الخبرية. لذلك قد يتأثر الطالب ببنية اللغة العربية ويكوّن سؤالاً غير طبيعي مثل: “You are going where?” بدلاً من الصيغة الصحيحة: “Where are you going?”. ومن هنا فإن المشكلة لا تتعلق بالمفردات بقدر ما ترتبط بفهم النظام التركيبي للسؤال والتدرب عليه عملياً في مواقف تواصلية حقيقية.
في موضوعك عن أساليب صياغة الأسئلة الشائعة، ما الفجوة التي حاولت كشفها بين ما يُدرَّس في القاعات الدراسية وما يستخدم فعلياً في التواصل اليومي؟
تكمن الفجوة الأساسية في الفرق بين اللغة التعليمية المنظمة داخل القاعات الدراسية واللغة المستخدمة فعلياً في الحياة اليومية. فالكتب التعليمية غالباً ما تقدم الأسئلة بصيغ كاملة ورسمية، مثل: “Where are you going”. بينما في التواصل غير الرسمي قد يستخدم المتحدثون صيغاً مختصرة مثل: “Where you going”. هدفي كان إبراز هذا الفرق وتقديم أمثلة واقعية تساعد المتعلم على الانتقال من المعرفة النظرية إلى الاستخدام العملي للغة.
السؤال في اللغة ليس مجرد تركيب لغوي بل أداة تفكير وحوار؛ كيف تنعكس طريقة صياغته على مستوى الوعي اللغوي لدى المتعلم؟
تعكس صياغة السؤال مستوى الوعي اللغوي لدى المتعلم لأنها تتطلب إدراكاً متكاملاً للبنية النحوية والسياق التداولي معاً. فعندما يتمكن المتعلم من طرح سؤال واضح ومناسب للسياق، فإنه يوظف عدة مهارات في آن واحد مثل اختيار المفردات الدقيقة وتنظيمها وفق تركيب صحيح. ولذلك فإن القدرة على صياغة السؤال تعد مؤشراً مهماً على تطور الكفاءة التواصلية لدى المتعلم.
خلال شرحك للأسئلة المتداولة يومياً، ما أكثر صيغة وجدت أنها تساء ترجمتها أو يساء فهمها من قبل المتعلمين؟
من أكثر الصيغ التي يسيء المتعلمون فهمها صيغ الطلب غير المباشر مثل: “Would you mind…؟” أو “Could you possibly…؟”. فهذه العبارات لا تُستخدم للاستفسار الحقيقي، بل للتعبير عن الطلب بأسلوب مهذب. على سبيل المثال: “Would you mind opening the window؟” تعني ببساطة طلب فتح النافذة بطريقة لبقة، إلا أن الترجمة الحرفية قد تربك المتعلم وتؤدي إلى سوء فهم.
كثير من الطلبة يترجمون السؤال من العربية حرفياً إلى الإنجليزية؛ أين يكمن الخلل في هذه المقاربة؟
تكمن المشكلة في أن كل لغة تمتلك نظامها الخاص في التعبير والتركيب. وعندما يعتمد الطالب على الترجمة الحرفية من العربية إلى الإنجليزية فإنه غالباً ما ينتج تراكيب غير طبيعية، مثل: “What you want؟” بدلاً من “What do you want؟”. لذلك من الأفضل تدريب المتعلم على التفكير داخل النظام اللغوي الإنجليزي بدلاً من الاعتماد الكامل على الترجمة المباشرة.
بين السؤال المباشر والسؤال غير المباشر في الإنجليزية مساحة من اللباقة اللغوية؛ كيف يمكن للمتعلم أن يوازن بين الوضوح والتهذيب في طرح السؤال؟
يتحقق هذا التوازن من خلال إدراك طبيعة السياق التواصلـي. ففي المواقف اليومية البسيطة يمكن استخدام الأسئلة المباشرة مثل: “Where is the library؟”. أما في السياقات الرسمية أو عند مخاطبة أشخاص أكبر سناً، فيفضل استخدام صيغة أكثر تهذيباً مثل: “Could you tell me where the library is؟”. التدريب المستمر على هذه النماذج يساعد المتعلم على اختيار الصيغة المناسبة لكل موقف.
في النقاشات اليومية أو الأكاديمية، ما الصيغ الأكثر حضوراً للتعبير عن الرأي باللغة الإنجليزية؟
توجد عدة صيغ شائعة للتعبير عن الرأي، منها: “I think”، و“In my opinion”، و“From my perspective”. وفي السياقات الأكاديمية قد تُستخدم صيغ أكثر تحفظاً مثل: “It seems that…” أو “It could be argued that…”. هذه العبارات تساعد المتحدث على عرض رأيه بطريقة منظمة وتحافظ في الوقت نفسه على الطابع العلمي للحوار.
عندما يمتلك المتعلم عدة مرادفات للسؤال الواحد، كيف يختار الصيغة الأنسب للسياق اللغوي؟
يعتمد اختيار الصيغة المناسبة على فهم السياق اللغوي وطبيعة الموقف. فقد يكون للسؤال الواحد أكثر من تركيب مثل: “Why did you do that؟” و“What made you do that؟”. وعلى الرغم من تشابه المعنى العام، فإن لكل صيغة دلالة مختلفة قليلاً. القراءة المنتظمة والاستماع للحوارات الواقعية يسهمان في بناء الحس اللغوي الذي يمكّن المتعلم من اختيار التعبير الأنسب تلقائياً.
ما الدور الذي يلعبه فهم السياق الثقافي للغة الإنجليزية في اختيار صيغة السؤال المناسبة؟
السياق الثقافي عنصر مهم في التواصل اللغوي. فالمتحدثون باللغة الإنجليزية يميلون غالباً إلى استخدام صيغ مهذبة وغير مباشرة عند طرح الأسئلة أو الطلبات. لذلك قد يُفضَّل قول: “Could I borrow your book?” بدلاً من صيغة مباشرة مثل: “Give me your book”. إن فهم هذا البعد الثقافي يساعد المتعلم على استخدام اللغة بطريقة طبيعية ومقبولة اجتماعياً.
في تجربتك الأكاديمية، ما أكثر المواقف اللغوية التي يكتشف فيها الطالب أن صياغة السؤال قد تغيّر معنى الحوار بالكامل؟
يحدث ذلك كثيراً في النقاشات الأكاديمية، حيث يؤدي نوع السؤال إلى توجيه طبيعة الإجابة. فالسؤال المفتوح مثل: “What do you think about this theory؟” يدفع إلى التحليل والنقاش الموسع، بينما قد يؤدي السؤال المغلق مثل: “Do you agree with this theory؟” إلى إجابة قصيرة بنعم أو لا. لذلك فإن اختيار نوع السؤال يؤثر مباشرة في عمق الحوار واتجاهه.
التعبير عن الرأي في الإنجليزية قد يكون مباشراً أو دبلوماسياً؛ كيف يمكن للمتعلم أن يتقن هذا التوازن؟
يتطلب التعبير عن الرأي في السياقات الأكاديمية قدراً من الدبلوماسية اللغوية. فبدلاً من استخدام عبارات حادة مثل: “This idea is wrong”، يمكن القول: “I am not sure this idea is fully supported by evidence.”. هذه الصيغة تسمح بطرح النقد العلمي دون خلق توتر في الحوار، وهو ما يمثل جانباً مهماً من مهارات التواصل الأكاديمي.
في ظل هيمنة التواصل السريع عبر الإنترنت، كيف تغيرت طبيعة الأسئلة المتداولة في اللغة الإنجليزية؟
مع انتشار وسائل التواصل الرقمي أصبحت الأسئلة أكثر اختصاراً وأقل رسمية في كثير من الأحيان. فقد يكتب المستخدم في الرسائل السريعة: “You coming؟” بدلاً من “Are you coming؟”. كما ظهرت الاختصارات والرموز التعبيرية في بعض السياقات غير الرسمية. ومع ذلك تبقى الصيغ الكاملة ضرورية في الكتابة الأكاديمية والمهنية.
إلى أي مدى يسهم التدريب على الأسئلة اليومية في كسر حاجز الخوف من التحدث باللغة الإنجليزية؟
يساعد التدريب المنتظم على الأسئلة اليومية في تعزيز ثقة المتعلم بنفسه. فعندما يعتاد الطالب استخدام أسئلة بسيطة مثل: “Where do you live؟” أو “What do you study؟” يصبح أكثر قدرة على بدء الحوار والاستمرار فيه. ومع مرور الوقت تسهم هذه الممارسة في تحسين الطلاقة اللغوية وتقليل التردد أثناء الحديث.
من خلال خبرتك في تدريس اللغة، ما الخطوة الأولى التي ينبغي أن يبدأ بها الطالب ليصبح قادراً على طرح الأسئلة بثقة وطلاقة؟
الخطوة الأولى هي فهم البنية الأساسية للسؤال في اللغة الإنجليزية، ولا سيما دور الأفعال المساعدة مثل do وdoes وdid. بعد ذلك ينبغي للمتعلم ممارسة هذه التراكيب في مواقف حياتية بسيطة. ومع التكرار والممارسة تتحول هذه الأنماط اللغوية إلى جزء طبيعي من استخدامه اليومي للغة.
أخيراً، ما الرسالة التي توجهها للطلبة الذين يظنون أن تعلم اللغة يقتصر على حفظ المفردات دون إتقان فن السؤال والتعبير عن الرأي؟
تعلم اللغة لا يقتصر على حفظ المفردات أو القواعد، بل يتمثل في القدرة على استخدامها في التواصل الحقيقي. والسؤال يمثل مفتاح التعلم لأنه يفتح باب الحوار ويحفز التفكير. الطالب الذي يتقن فن طرح الأسئلة يستطيع اكتساب المعرفة بسرعة أكبر والمشاركة بفاعلية في النقاشات العلمية والأكاديمية.
في ختام هذا الحوار، نتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى الدكتور ياسر محمد صالح، رئيس قسم اللغة الإنجليزية في جامعة سامراء، على ما قدمه من رؤى علمية ومعرفية مهمة حول مهارات صياغة السؤال والتعبير عن الرأي في اللغة الإنجليزية، وعلى ما أتاحه من توضيحات ثرية تسهم في تقريب الفهم اللغوي للطلبة والمهتمين بتعلم اللغة. كما نثمن سعة صدره في هذا الحوار، وحرصه على مشاركة خبرته الأكاديمية في تسليط الضوء على الجوانب التي تساعد المتعلمين على الانتقال من حفظ المفردات إلى توظيف اللغة في تواصل حي وفاعل. نتمنى له دوام التوفيق في مسيرته العلمية والأكاديمية، ولطلبته مزيداً من النجاح في دروب المعرفة والتعلم.