محمد رافع رضا: التدريب ليس خيارًا بل صمام أمان لإنقاذ أطفالنا!

أوس ستار الغانمي

2026-01-20 04:01

ليس كل ما ينقذ طفلاً يكتب في ملفه الطبي، أحياناً يكون الإنقاذ كامناً في يدٍ واثقة، أو قرارٍ لم يتأخر ثانية واحدة. في ردهات الأطفال بمستشفى الزهراء في النجف الأشرف، لا تختبر المعرفة وحدها، بل يختبر الإنسان قبل المهنة، والجاهزية قبل الشهادة. من هنا، جاءت دراسة الباحث محمد رافع رضا لا لتضيف رقماً جديداً إلى الأدبيات العلمية، بل لتسأل سؤالاً موجعاً: ماذا يحدث حين يُترك من يرعى الطفل دون تدريب يوازي حساسية جسده؟

هذا الحوار ليس استعراض نتائج، بل محاولة للإنصات إلى ما تقوله الممارسة اليومية بصوتٍ خافت؛ كيف يصنع التدريب فرقاً بين القلق والطمأنينة، وبين قرارٍ متردد وآخر ينقذ حياة، وكيف يتحول التعليم التخصصي من بندٍ إداري إلى صمام أمان للمخرج العلاجي للأطفال.

بدايةً، انطلقت في دراستك من فرضية أن التدريب ليس مجرد رفاهية بل هو ضرورة لبقاء المريض؛ ما هي اللحظة الفارقة أو الملاحظة الميدانية في مستشفى الزهراء التي جعلتك تقرر أن التدريب هو الحلقة المفقودة في تحسين المخرج العلاجي للأطفال؟

لم تكن هناك لحظة واحدة بعينها، بل تراكم من الملاحظات الميدانية البسيطة التي أبرزت أن التعامل مع الأطفال يختلف جذرياً بين الممرضين المتدربين وغير المتدربين، سواء في تفسير العلامات الحيوية أو في استجابة أجسامهم للأدوية. ما لفت انتباهي هو أن الممرض الذي تلقى تدريباً متخصصاً كان أكثر ثقة ودقة في قراراته، بينما الممرض غير المدرب كان يحتاج وقتاً أطول ويظهر تردداً في المواقف الحرجة. هذا الفارق العملي أوضح لي أن التدريب ليس رفاهية، بل هو عنصر أساسي لضمان سلامة الطفل وتحسين المخرج العلاجي.

ركزت الدراسة على تأثير التدريب في بيئة حساسة مثل ردهات الأطفال برأيك، هل يمكننا القول إن نقص التدريب المتخصص يعد خطأً نظامياً يسبق وقوع الخطأ الطبي؟

يمكن النظر إلى نقص التدريب التخصصي باعتباره فجوه في النظام الصحي أكثر من كونه خطأً فردياً. فالممرض الذي لم يحصل على تدريب متخصص ثم يدخل بيئة معقدة مثل ردهات الأطفال وهو يفتقر إلى الأدوات الكافية للتعامل مع الحالات الطارئة أو تفسير العلامات الحيوية الدقيقة قد يؤدي الى حدوث خطأ. ان هذا النقص لا يعني أن الكادر مقصّر، بل أن النظام لم يزوّده بالمهارات اللازمة مسبقاً. لذلك، التدريب التخصصي يُعد خط دفاع وقائي يسبق وقوع الخطأ الطبي، ويحول دون تحوّل الضغط العملي إلى مخاطر على حياة الطفل.

كشفت الدراسة عن فجوة معرفية هائلة، حيث سجلت مجموعة الحالات مستوى معرفة جيداً بنسبة 54.6% مقابل 22% فقط لمجموعة الشواهد؛ كيف يفسر لنا هذا الرقم الفوارق في جودة الرعاية اليومية داخل أروقة المستشفى؟

هذا الرقم يعكس ببساطة أثر التدريب في تحويل المعرفة النظرية إلى ممارسة يومية أكثر دقة وأماناً. الممرض الذي تلقى تدريباً متخصصاً يصبح أكثر قدرة على تفسير العلامات الحيوية، التعامل مع الأدوية، والتواصل مع أسر الأطفال، مما ينعكس مباشرة على جودة الرعاية اليومية. أما الممرض غير المدرب، فهو يعمل بجهد كبير لكنه يفتقد بعض الأدوات التي تمنحه الثقة والسرعة في اتخاذ القرار. لذلك، الفارق في النسبة لا يُدين الكادر بل يوضح أن التدريب هو العامل الحاسم الذي يرفع مستوى الخدمة ويقلل من التباين في الأداء داخل المستشفى.

 من النتائج اللافتة للنظر أن 63.8% من غير المدربين لديهم اتجاهات سلبية تجاه رعاية الأطفال؛ هل يعني ذلك أن الاحتراق الوظيفي أو النفور من التعامل مع الأطفال هو نتاج لعدم التمكن من الأدوات المعرفية أكثر مما هو ضغط عمل؟

النتيجة تشير إلى أن الاتجاهات السلبية ليست بالضرورة انعكاساً لضغط العمل وحده، بل ترتبط بشكل كبير بغياب الأدوات المعرفية والتدريب التخصصي. الممرض الذي لا يمتلك المهارات اللازمة يشعر بالعجز أمام الحالات المعقدة للأطفال، وهذا العجز يتحول تدريجياً إلى نفور أو إحباط. بينما التدريب يمنح الممرض الثقة والقدرة على التعامل مع المواقف الصعبة، فيقلل من احتمالية الاحتراق الوظيفي ويعزز الاتجاهات الإيجابية نحو رعاية الأطفال. بمعنى آخر، التدريب ليس فقط وسيلة لرفع الكفاءة بل أيضاً أداة لحماية الممرض من الإرهاق النفسي والوظيفي.

أثبتت دراستك أن التدريب يحيد العوامل الديموغرافية والاجتماعية ويخلق قوة تمريضية موحدة؛ إلى أي مدى يمكن اعتبار التدريب المتخصص أداة عدالة لتوحيد مستوى الخدمة الصحية بغض النظر عن خلفية الممرض الدراسية؟

التدريب المتخصص يمكن اعتباره بالفعل أداة عدالة مهنية، لأنه يضع جميع الممرضين على أرضية معرفية واحدة بغض النظر عن خلفياتهم الدراسية أو الاجتماعية. فعندما يحصل الممرض على تدريب موحد في تفسير العلامات الحيوية، التعامل مع الأدوية، والاستجابة للحالات الطارئة، يصبح مستوى الخدمة الصحية أكثر تجانساً ويقل التباين بين الأفراد. هذا لا يعني أن الخبرة أو الخلفية الأكاديمية لا قيمة لها، لكنها تصبح أقل تأثيراً على جودة الرعاية اليومية، لأن التدريب التخصصي يضمن أن كل طفل يتلقى نفس مستوى الخدمة الآمنة والفعّالة. بهذا الشكل، التدريب يحقق نوعاً من العدالة الصحية داخل المؤسسة، ويعزز ثقة الأسر في النظام الصحي ككل.

وضعت إصبعك على نقاط حرجة مثل (تفسير العلامات الحيوية وسلامة الأدوية)؛ في ظل النتائج التي توصلت إليها، ما مدى خطورة الاعتماد على ممرض عام في وحدات الطوارئ الخاصة بالأطفال دون تدريب تخصصي؟

الاعتماد على ممرض عام في وحدات الطوارئ الخاصة بالأطفال يحمل خطورة واضحة، ليس لأنه مقصّر، بل لأن طبيعة الأطفال تختلف جذرياً عن البالغين من حيث الاستجابة للأدوية ودقة العلامات الحيوية. الممرض العام يمتلك أساسيات التمريض، لكن دون تدريب تخصصي قد يواجه صعوبة في اتخاذ القرار السريع أو تفسير المؤشرات الدقيقة، وهو ما قد يؤدي إلى تأخير التدخل أو زيادة احتمالية حدوث مضاعفات. التدريب التخصصي هنا ليس مجرد إضافة، بل هو ضمانة لسلامة الطفل في المواقف الحرجة، لأنه يزوّد الممرض بالأدوات العملية التي يحتاجها للتعامل مع الحالات الطارئة بثقة وكفاءة.

طالبت بأن يقود هذه البرامج متخصصون في رعاية الأطفال حصراً؛ لماذا الإصرار على تخصصية المدرب؟ وهل هناك أزمة هوية في التدريب التمريضي الحالي؟

الإصرار على أن يقود التدريب متخصصون في رعاية الأطفال يعود إلى طبيعة هذا المجال الذي يختلف جذرياً عن رعاية البالغين. الأطفال تختلف استجابتهم للأدوية، والتعامل النفسي والاجتماعي معهم عامل ضروري في تقديم الرعاية، وهذه الجوانب لا يمكن تغطيتها بشكل كافٍ من خلال تدريب عام، لذلك وجود مدرب متخصص يضمن أن الممرض يتلقى المعرفة الدقيقة والمهارات العملية التي يحتاجها في الميدان. أما عن أزمة الهوية في التدريب التمريضي، فهي ليست مشكلة أفراد بل نتيجة اعتماد برامج تدريبية عامة لا تراعي خصوصية التخصصات الدقيقة مثل طب الأطفال. لذلك، الحل يكمن في إعادة هيكلة التدريب ليكون أكثر تخصصية بحيث يواكب احتياجات كل فئة عمرية ويعزز ثقة الممرض في أدائه.

في توصيتك الثانية، طالبت بجعل التدريب إلزامياً؛ هل تتوقع أن تتبنى المؤسسات الصحية في العراق رخصة مزاولة تخصصية بناءً على نتائج دراستك، أم أن العوائق الاقتصادية ونقص الكوادر ستظل حائلاً؟

من الناحية العلمية، النتائج تدعم بقوة فكرة جعل التدريب إلزامياً وربطه برخصة مزاولة تخصصية، لأن ذلك يضمن مستوى موحداً من الخدمة ويعزز سلامة الأطفال. لكن من الناحية العملية، ندرك أن هناك تحديات مثل العوائق الاقتصادية ونقص الكوادر المؤهلة، وهذه قد تؤخر التطبيق الكامل. مع ذلك، يمكن البدء تدريجياً عبر المستشفيات التعليمية أو المراكز الكبرى، بحيث يتم إدخال التدريب الإلزامي على مراحل، ثم تعميمه لاحقاً. بهذا الشكل، نحقق التوازن بين الواقع العملي والضرورة العلمية، ونضع الأساس لتطوير نظام صحي أكثر عدالة وكفاءة.

 اقترحت مراجعة سنوية للبرامج التدريبية؛ في عالم يتطور فيه طب الأطفال والبروتوكولات التمريضية بسرعة مذهلة، كيف نصمم نظاماً تدريبياً مرناً لا يتحول بمرور الوقت إلى مجرد روتين إداري؟

المرونة في التدريب تتحقق عندما يكون النظام مبنياً على التحديث المستمر لا على التكرار الشكلي. بمعنى أن المراجعة السنوية يجب أن تُبنى على أحدث البروتوكولات العالمية، وعلى تقييم واقعي لاحتياجات الميدان داخل المستشفى. إذا كان التدريب يتضمن محاكاة عملية، مراجعة حالات واقعية، وإدخال تقنيات حديثة في رعاية الأطفال فإنه يظل فعّالاً ولا يتحول إلى روتين إداري. كذلك، إشراك الممرضين أنفسهم في تقييم البرامج يمنح التدريب طابعاً عملياً ويضمن أنه يستجيب للتحديات اليومية، مما يحافظ على قيمته العلمية والعملية في آن واحد.

ختاماً، ما هي الرسالة التي توجهها من خلال منبرنا هذا إلى صانع القرار في وزارة الصحة العراقية وإدارة مستشفى الزهراء بناءً على المخرج العلاجي المتوقع الذي رسمته في دراستك؟

رسالتي إلى صانع القرار واضحة: إن الاستثمار في التدريب التخصصي للكوادر التمريضية في ردهات الأطفال ليس امرا اختياريا، بل هو ضرورة لإنقاذ حياة الأطفال وتحسين المخرجات العلاجية. حيث ان التدريب يرفع مستوى المعرفة، يخلق اتجاهات إيجابية، ويقلل من الأخطاء الطبية، مما ينعكس مباشرة على ثقة المجتمع بالمؤسسات الصحية. أوصي بأن يكون التدريب إلزامياً، بقيادة متخصصين في طب الأطفال، وأن تتم مراجعته بشكل دوري ليواكب التطورات العالمية. بهذه الخطوات، يمكننا أن نضمن أن كل طفل في العراق يحصل على رعاية آمنة وعادلة، وأن المؤسسات الصحية تصبح نموذجاً يحتذى به في جودة الخدمة الصحية.

وفي ختام هذا الحوار، نتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى الباحث محمد رافع رضا على ما قدمه من جهد علمي وميداني رصين، أعاد من خلاله تسليط الضوء على واحدة من أكثر القضايا حساسية في القطاع الصحي، وهي تدريب الكوادر العاملة في ردهات الأطفال. لقد قدّم رؤية واقعية تنطلق من الميدان وتصب في مصلحة الطفل قبل أي اعتبار آخر، واضعاً أمام القارئ وصانع القرار معاً حقائق لا تحتمل التأجيل. كل الامتنان له على صراحته العلمية، وحرصه الإنساني، ومساهمته التي نأمل أن تشكل خطوة عملية نحو تحسين المخرج العلاجي وتعزيز جودة الرعاية الصحية في مستشفياتنا.

ذات صلة

المرجعية الدينية و التجربة الديمقراطيةالعقل والعقلانية في القرآنخلفيات الصراع بين أمريكا وفنزويلا وابعاده الجيوسياسية والاقتصاديةالأخلاق السياسية في العراقمقاومة حكم الأثرياء