فاطمة سلومي تكشف أسرار الجمهورية وصوت الدولة في الإعلام العراقي
أوس ستار الغانمي
2025-11-30 02:56
في عالم الإعلام والصحافة، يظل البحث الأكاديمي الممزوج بالتجربة العملية هو السبيل لفهم أعمق للخطاب الإعلامي وتحولاته عبر الزمن. وفي هذا الإطار، أجرينا حوارًا موسعًا مع الدكتورة فاطمة سلومي، الباحثة والمؤلفة لكتابها المميز "جمهورية الصحافة العراقية والمنطقة العربية (1958–1979)"، الذي يسلط الضوء على تجربة صحفية فريدة في العراق والمنطقة العربية خلال عقدين حافلين بالأحداث السياسية والتحولات الكبرى.
قدمت سلومي رؤى ثرية حول دوافع اختيارها لجريدة الجمهورية موضوعًا للبحث، مستندة في ذلك إلى مزيج من التجربة الأكاديمية والشخصية، فضلاً عن استخدام منهج تحليلي ووصف دقيق لفهم طبيعة الخطاب الإعلامي الرسمي في تلك الحقبة. كما تطرقت إلى تفاصيل جمع الأعداد الأصلية للجريدة، وتحليل المقالات والافتتاحيات، وعلاقتها بالقضايا القومية والعربية، وصولًا إلى الدروس التي يمكن أن يستفيد منها الجيل الصحفي الحالي.
من خلال هذا الحوار، نسلط الضوء على تجربة صحفية عراقية رائدة، نستكشف معها أبعاد العلاقة بين الإعلام والسياسة، ونفهم كيف أسهمت الصحافة في تشكيل الرأي العام وتعزيز المشروع القومي العربي، في فترة كانت فيها الصحافة الورقية هي الأداة الرئيسة للتواصل الإعلامي.
ما الدافع الفكري أو الأكاديمي الذي قادكِ لاختيار جريدة الجمهورية تحديداً موضوعاً للبحث، دون غيرها من الصحف العراقية التي عاصرت المدة نفسها؟
حقيقة أشكرك على هذا السؤال. إلى جانب الدافع الفكري والأكاديمي، هناك دافع شخصي تجاه صحيفة الجمهورية. هذه الصحيفة العريقة احتضنتنا منذ كنا طلبة في قسم الإعلام / كلية الآداب / جامعة بغداد في مرحلة التسعينات، وتحديدًا في المرحلة الأولى أثناء التدريب الصيفي الذي منحه لنا الدكتور الراحل مظفر مندوب في الإعلام. أتيح لنا التدريب فيها، خصوصًا في الصفحة الأخيرة (منوعات)، فكانت بالنسبة لي المدرسة التي اغترفت منها أبجديات الصحافة مهنياً وعملياً.
خلال تلك التجربة، استطعت التعلم من عمالقة الإعلام العراقي، مثل الصحفية الكبيرة الراحلة ابتسام عبد الله، الصحفي الشاعر عبد الرزاق الربيعي، الصحفية الرائدة مريم السناطي، والعديد من الأسماء الكبيرة الأخرى، وكان لهم الفضل في صقل موهبتي الصحفية والعمل فيها حتى بعد إكمال دراسة البكالوريوس والماجستير والدكتوراه.
ولذلك، أصبحت جريدة الجمهورية عنواناً لرسالة الماجستير، وأنموذجاً متميزاً فكرياً وأكاديمياً في آن واحد، إذ جمعت بين الجانب العملي والتجربة المهنية، وبين البحث والتحليل الأكاديمي.
كيف أسهم المنهج التحليلي والوصفي الذي اعتمدتِه في الكشف عن طبيعة الخطاب الإعلامي الرسمي خلال عقدين من التحولات السياسية في العراق والمنطقة؟
لقد أسهم المنهج التحليلي والوصفي بشكل كبير في رسم معالم هذا الخطاب الإعلامي وفق الثابت والمتغير في عالم السياسة. فالخطاب الإعلامي خلال تلك المدة كان خطاباً مقيداً، يمثل لسان حال الدولة إزاء القضايا والتحولات السياسية والداخلية، وانعكس ذلك بشكل واضح على التغطية الصحفية لهذه الأحداث.
كما أن تلك المدة اعتمدت بشكل كبير على الصحافة المكتوبة، في وقت انعدمت فيه التقنيات الحديثة والإعلام الرقمي، ومع ذلك ظل الخطاب الإعلامي يجسد عملية اتصالية معقدة، حيث شكلت أنواع الخطابات المختلفة، من خطاب إقناعي إلى خطاب جدلي، تجربة دقيقة للثالوث (المرسل، المستقبل، الرسالة)، مع مراعاة الدور الكبير للسلطة السياسية في تحديد طبيعة الخطاب.
إلى أي مدى واجهتِ صعوبة في جمع الأعداد الأصلية من جريدة الجمهورية، خصوصاً تلك التي تعود إلى السنوات الأولى لتأسيسها عام 1958؟
في الواقع، لم أجد صعوبة أبداً في الحصول على أعداد الجريدة، إذ سبق أن تناولت موضوعها في رسالة الماجستير عام 2000، وكانت أغلب الأعداد متوفرة في دار الكتب والوثائق (المكتبة الوطنية). كما أنني احتفظت بأرشيف شخصي في دفاتر صغيرة ما زلت أحتفظ بها إلى يومنا هذا، ما ساعد كثيراً في الكتابة والتحليل.
الفترة التي درستها شملت السنوات منذ تأسيس الجريدة على يد عبد الكريم قاسم بعد اندلاع 14 تموز 1958، حيث صدر العدد الأول في 15 تموز 1958، وانتهت الدراسة بسنة 1979، مما أتاح لي متابعة تطور الصحيفة منذ بداياتها وحتى مرحلة ما قبل تغيّر النظام.
هل اعتمدتِ على تحليل كمي للمقالات والافتتاحيات، أم كان التحليل نوعياً يستند إلى قراءة المضمون والرموز والخطاب السياسي؟
لقد اعتمدت على تحليل مضمون نوعي، مستنداً إلى المقالات الافتتاحية للجريدة، التي تناولت القضايا والأحداث البارزة خلال المدة المدروسة. فالجريدة كانت تعكس لسان حال الدولة، فتقدم الرأي والموقف الرسمي في مختلف القضايا العربية والعراقية، أحياناً بالقبول، وأحياناً بالرفض، وأحياناً أخرى تتسم بالحيادية.
اختياراتي في التحليل كانت دقيقة، بعيداً عن التركيز على الكم، خصوصاً أن بعض الأعداد كانت تخلو من المقال الافتتاحي، ما اضطرني إلى التركيز على الأعمدة الصحفية الأخرى التي تنطلق من وجهة نظر الكاتب، لتوفير قراءة شاملة للخطاب الإعلامي.
شهدت المدة الممتدة من 1958 إلى 1979 أحداثاً عربية كبرى، مثل نكسة حزيران وثورة ليبيا واتفاقية كامب ديفيد؛ كيف انعكست هذه التحولات على لهجة الصحافة العراقية وموقفها من القضايا العربية؟
الصحافة العراقية، ومنها الجمهورية، كانت تابعة للدولة، وتمثل موقفها الرسمي تجاه هذه القضايا والأحداث. على سبيل المثال، موقفها من اتفاقية كامب ديفيد عام 1979، ووصف السادات بـ"العار والخائن"، يدل بوضوح على رفضها القاطع لتطبيع مصر مع إسرائيل.
الصحافة في تلك الفترة، من خلال مقالاتها الافتتاحية، كانت تمنح موقف الحكومة إما مؤيداً أو رافضاً، وأحياناً مستنكراً، بحسب السياسة الرسمية. هذا يظهر أن الصحافة لم تكن مجرد نقل للأخبار، بل أداة لعرض موقف الدولة بشكل مباشر، مع تأثير واضح على توجيه الرأي العام.
من خلال تحليل مضمون الافتتاحيات، هل وجدتِ أن جريدة الجمهورية كانت تعبّر عن رؤية الدولة فقط، أم حاولت أحياناً أن تُظهر مساحة من الاستقلال أو النقد؟
الجميع من عاش تلك المدة يعرف جيداً أنه لم تكن هناك مساحة للحرية والتعبير. جميع المقالات الافتتاحية كانت تصدر من عباءة الدولة، ومن يكتب خلاف ذلك يواجه العقوبات القاسية والمجهولة. الجرأة والنقد البناء كانا معدومين، وكتابة أي مقالة تخالف السياسة الرسمية كان يعتبر مخاطرة كبيرة على الكاتب.
كيف تعاملت الجريدة مع القضية الفلسطينية خلال هذه المدة؟ وهل تغيّر الخطاب تجاهها بتغير الأنظمة والتحالفات السياسية في المنطقة؟
موقف العراق من القضية الفلسطينية لم يتغير إطلاقاً. القضية الفلسطينية بقيت قضية وجودية بالنسبة للشعب الفلسطيني، والعراق كان داعماً لنصرتها. موقف الجريدة انطلق بالكامل من موقف الدولة والقناعة العامة بعدم التفريط بالحقوق العربية المقدسة، ودعم النضال التحرري العربي ضد الاحتلال الإسرائيلي.
بهذا المعنى، كانت الجريدة تعكس الموقف الرسمي الثابت تجاه القضية الفلسطينية، بغض النظر عن التحولات السياسية في المنطقة أو الأنظمة المختلفة.
هل يمكن القول إن جريدة الجمهورية كانت أداة لتوجيه الرأي العام، أم أنها كانت مرآة لعقل الدولة وصوتها الرسمي فحسب؟
الجريدة لم تكن مجرد أداة لتوجيه الرأي العام، بل كانت تعكس خطاب الدولة بشكل كبير. في تلك المدة، كان عدد الصحف المطبوعة محدوداً، لا يتعدى اثنتين أو ثلاث، مما جعل تأثيرها على الرأي العام أكبر، إلى جانب غياب التقنيات الحديثة والإعلام الرقمي، ما عزز من قدرتها على تشكيل وجهات نظر القراء وفق الموقف الرسمي.
ما الذي يكشفه تحليلكِ للخطاب الصحفي عن طبيعة العلاقة بين الإعلام والسياسة في العراق خلال تلك الحقبة؟
الحقيقة الواضحة أن العلاقة بين الإعلام والسياسة كانت متبادلة وواضحة التأثير. الإعلام كان تابعاً للدولة وملزماً بتنفيذ خطابها، مما جعله جزءاً من عملية تشكيل الرأي العام وفق رؤية الحكومة. هذه العلاقة أظهرت أن الإعلام والسياسة في تلك الحقبة كانا مترابطين بشكل وثيق، وأن أي تحليل للخطاب الصحفي لا يمكن فصله عن الإطار السياسي الرسمي.
في ضوء دراستكِ، هل كان الإعلام العراقي آنذاك جزءاً من مشروع قومي عربي، أم أنه ركّز على البعد الوطني الداخلي؟
يمكن القول إن الإعلام العراقي اهتم بالاثنين، لكن الخطاب القومي العربي كان طاغياً في القضايا التي تمس المنطقة العربية. موقف العراق الثابت من القضية الفلسطينية والسياسات التي تتبناها الحكومة يظهر بوضوح أن الدولة كانت تعتبر نفسها في طليعة المشروع القومي العربي، وتستخدم الإعلام كأداة لتعزيز هذا المشروع.
كيف أثّر تغير الأنظمة في بعض الدول العربية (كسوريا ومصر وليبيا) على تغطية الجريدة وموقفها من قضايا الوحدة والانقسام العربي؟
تغطية الجريدة للتغييرات في تلك الدول كانت منطلقة بالكامل من موقف الحكومة العراقية. جريدة الجمهورية، كونها اللسان الناطق للحكومة، كانت تؤيد الأحداث إذا كان موقف الحكومة إيجابياً، وترفض أو تنتقد إذا كان موقف الحكومة سلبياً أو مستنكراً.
ما أبرز السمات اللغوية أو البلاغية التي لاحظتِها في المقالات الافتتاحية، وهل كانت تميل إلى الخطاب العاطفي أم العقلاني التحليلي؟
المقالات الافتتاحية تميزت بمزيج بين العاطفة والعقل، إذ كانت تمثل صوت الدولة، وكل من يكتبها، وخصوصاً رئيس التحرير، كان يتحلى بالحذر والحيطة لتناسب سياسة الدولة. وبمقارنة صحافة تلك المرحلة بصحافة اليوم، يظهر التطور في اللغة والمفردات، إلا أن أسلوب "السهل الممتنع" كان موجوداً وممارساً في تلك الفترة.
كيف ترين أهمية هذا الكتاب اليوم، في زمن تراجعت فيه الصحافة الورقية أمام الإعلام الرقمي؟
بالرغم من تراجع الصحافة المكتوبة، هناك نخبة ما زالت تقرأ الصحف الورقية ولها جمهورها الخاص، رغم شحة التوزيع ومشكلات الطباعة. الكتب الورقية تظل أكثر قيمة من الكتب الرقمية فيما يخص الأرشفة والحفظ، على الرغم من وجود جمهور للكتب الإلكترونية أيضاً.
برأيكِ، ما الدروس التي يمكن أن يستفيد منها الجيل الصحفي الحالي من تجربة جريدة الجمهورية في تناول القضايا القومية؟
يمكن للجيل الصحفي اغتراف المعرفة والفكر النير في تناول القضايا القومية، ومحاولة الحفاظ على الحيادية في معالجة القضايا والأحداث المختلفة، وعدم الانحياز لموقف معين. كما يمكن تعلم كتابة الفنون الصحفية بشكل صحيح، خصوصاً أن الجمهورية كانت مدرسة حقيقية، عمل فيها عمالقة الصحافة على المستوى الأكاديمي والمهني، ويمكن الاستفادة من أسلوبهم في تحليل كل قضية بطريقة عملية وصحيحة.
لو أُتيح لكِ توسيع البحث ليشمل مرحلة ما بعد 1979، ما القضايا التي ترغبين في تحليلها مستقبلاً؟ وهل يمكن أن نرى جزءاً ثانياً من هذا العمل؟
هذه مرحلة مهمة ومشروع قيد التناول، خصوصاً مرحلة ما بعد 1979، التي شهدت أحداثاً وقضايا كبيرة، مثل الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات، احتلال العراق للكويت، الانتفاضة الشعبانية، وغيرها من المتغيرات الداخلية والخارجية. هذه الأحداث جديرة بالبحث والتحليل بحيادية وموضوعية، ويحتمل أن يكون لها جزء ثانٍ من العمل مستقبلاً.
وفي ختام هذا الحوار، يبقى واضحًا أن دراسة تاريخ الصحافة ليست مجرد صفحات ورقية، بل رحلة في عمق الفكر والسياسة، وتأمل في قدرة الإعلام على تشكيل الرأي العام وفهم التحولات الكبرى في المجتمع. لقد أضاءت الدكتورة فاطمة سلومي لنا جوانب مهمة من تجربة جريدة الجمهورية، بين الممارسة المهنية والتحليل الأكاديمي، لتقدم لنا نموذجًا حيًا لكيفية المزج بين البحث والفكر والتجربة الصحفية.
نود أن نتقدم بالشكر الجزيل للدكتورة على وقتها وكرمها في مشاركة هذه الخبرات، وفتح نافذة إلى عالم الصحافة العراقية في حقبة لا تُنسى، لتكون صفحات الحوار هذه مرجعًا لكل من يسعى لفهم تاريخ الإعلام وعلاقته بالسياسة والمجتمع.