البراءة في خطر: كيف نوظف الوعي لحماية أطفالنا من التحرش؟
عزيز ملا هذال
2026-08-08 08:39
حماية الأطفال وتربيتهم تحت طائل الامن الاجتماعي مسؤولية اجتماعية ليست هينة سيما في ضل تزايد الانتهاكات السلوكية للأطفال، فقد طفت الى السطح الى السطح واحدة من أكثر المشكلات التي تواجه العوائل والمجتمع الإنساني بصورة عامة وهي مشكلة التحرش بالأطفال لفظياً وجسدياً، فماهي أبرز أساليب التوعية؟، وكيف يمكن معالجة التحرش؟
تعد قضية التحرش الجنسي بالأطفال من أكثر القضايا إلحاحاً وحساسية في المجتمعات المعاصرة، فهي تمس أقدس حقوق الإنسان وهو حق الطفولة في الأمان والنمو السوي، فحماية الأطفال ليست مجرد إجراءات أمنية أو رقابة لصيقة، بل هي منظومة متكاملة تبدأ من الوعي الأسري، وتمر عبر المناهج التعليمية، وصولاً إلى التشريعات القانونية الصارمة.
تقول دراسات أميركية إن 20% من الفتيات و8% من الأولاد يتعرضون للتحرش الجنسي قبل أن يتموا عامهم الـ18، والمثير للقلق أن هذه النسب لا تحدث فقط بعيدا عن نطاق الأمان في حياتهم، بل تقع في المدرسة أو منازل الأصدقاء والأقارب أو حتى داخل المنزل من أحد أفراد الأسرة نفسها مما يزيد من قلقنا على وجود أبنائنا في الأماكن العامة والخاصة مثل المؤسسات التربوية والتعلمية ومنها المدارس.
لماذا يجب توعية الأطفال؟
يظن العديد من الآباء أن السكوت عن هذه المواضيع يحافظ على براءة الطفل، لكن الأبحاث النفسية الجديدة تثبت أن عدم المعرفة ليس حماية، فالمتحرش غالباً ما يستغل عدم معرفة الطفل بخصوصية جسده أو عدم قدرته على تسميتها بشكل صحيح، لذلك فإن الهدف من التوعية ليس تخويف الطفل من العالم، بل تزويده بـ "درع معرفي" يمكنه من التعرف على السلوكيات غير المناسبة قبل حدوثها لتحاشي الوقوع فيها لأنها لو حصلت ستترك اثار نفسية في أعماق الطفل وهو ما يقلل من نسب صحته النفسية.
كيف نوعي أطفالنا؟
لتوعية أطفالنا بخطر سلوكيات التحرش التي يسلكها المتحرشون يجب تسمية المناطق الحساسة بأسمائها الصريحة، حيث اننا كلما بادرنا بالحديث مع اطفالنا عن حدود اجسادهم زادت قدرتهم على حماية أنفسهم من اللمس غير المرحب به والذي يعد تحرشاً واضحاً.
فتعليم الأطفال بأسماء الأعضاء بصورة جادة وبدون مزاح او بأسماء مستعارة من شأنه ان يجعل الطفل أكثر جدية في الدفاع عنها، سيما مع كون المتحرش يتصف بالجبن وحين يدرك ان الطفل سوف يصف لأهله ما تعرض له بوضوح سيخشى التعرض له والابتعاد عنه قدر الممكن.
كيف نحمي الأطفال؟
اول المعنيين بحماية الأطفال من التحرش هم العائلة عبر بناء جدار الثقة بين الطفل ووالديه وهو ما يجعل الطفل لا يخاف من رد فعل والديه حين يتعرض للتحرش وبالتالي يتحدث إليهم بكل ما يحصل معه من دون توجس منهم وهو ما يساعد الطفل على الابتعاد عن مكامن التحرش والاعتماد على خبرات والديه ونصائحهم في التعامل مع المتحرشين، وهذا الجدار الأول للحماية.
اما الجدار الثاني للحماية فهو من مسؤولية المؤسسات التعليمية والمجتمع المدرسي الذي نعده مكان لصناعة الانسان وليس مكان للتحصيل العلمي فقط بل هي بيئة تربوية وقائية عبر تدريب المعلمين على اكتشاف حالات الإساءة والتعامل معها بمهنية وسرية، وعبر نشر الوعي في المجتمعات المحلية لكسر حاجز الصمت حول هذه القضايا، فالتستر على المتحرش يعد مشاركة في الجريمة.
اما الجدار الثالث للحماية فهو من تخصص الجهات الحكومية وذلك الدور يتم عبر وضع التشريعات والقوانين كأدوات للردع، اذ لا يمكن اكتمال منظومة الحماية دون قوانين صارمة تجرم التحرش بالأطفال وتغلظ العقوبات على المعتدين، كما ينبغي توفير آليات سهلة وسرية للإبلاغ تضمن حماية خصوصية الطفل وأسرته.
ختاماً نقول: تظل حماية الطفولة مسؤولية تضامنية كبرى لا تكتمل إلا بتلاحم حلقاتها الثلاث وهي الأسرة بوعيها واحتوائها، والمؤسسة التعليمية بدورها الوقائي والتربوي، والدولة بتشريعاتها الحازمة والردعية، فالتحرش بالأطفال طعنة في قلب الأمن الاجتماعي، وعلينا جميعاً أن نكون حراساً لهذه البراءة، فالتستر على المتحرش أو إهمال توعية الطفل هو مشاركة صامتة في الجريمة، وصناعة الإنسان السوي تبدأ من تأمين طفولته.