جريمة تصنعها نظرة خاطئة!

محمد علي جواد تقي

2026-07-18 05:11

أثبتت التجارب أن ما يشاهدها الطفل من صغر سنّه من مشاهد أو صور تخزنها ذاكرته لفترة طويلة، وربما لن تُمحى إذا كانت لصيقة بغريزته الجنسية، فهي تنمو وتكبر مع نمو ونضوج هذه الغريزة في نفسه. كيف يكون ذلك؟! 

العين الباصرة؛ هذه النعمة الإلهية العظيمة التي يجهل قيمتها صاحبها إلا عندما تصاب بعارض صحي، أو بعاهة يفقدها طوال حياته، يتمتع بها الإنسان أيما متعة في حياته؛ منذ أن يكحل العينين لأول مرة برؤية أمه وأبيه والمحيطين حوله مع قدر من الاستشعار والتمييز وهو في المهد صغيراً، فيكون تفسير نظراته، ابتسامته الرقيقة التي تدخل السرور والبهجة في قلبيهما، ثم يستمر في استثمار هذه النعمة في التعرف على الأشياء والأشخاص مع مرور الزمان، ومع نمو الجسم والعقل لديه، ومن ثمّ تكون عاملاً مساعداً للنمو الفكري والروحي في مرحلة النضوج والعطاء في حياته. هذه المسيرة الطبيعية المتوافقة مع الفطرة السليمة حدت بالبعض لأن ينظّر إلى إباحة النظر إلى كل شيء بدعوى "الحرية الفردية"، وأن "الإنسان وحده مسؤولٌ عن أفعاله"، وأيضاً؛ بعبثية من يتحدث عن النتائج المستقبلية المترتبة عن بعض حالات النظر غير الصحيحة، وأنها عبارة عن تكهن بمستقبل غير منظور، أو إطلاق افتراض وقوع أحداث قبل أوانها.

بأي معيار نزن صحة النظر؟

الجريمة المروعة التي وقعت في مدينة كركوك شمال العراق مؤخراً، بقيام اثنين من الأطفال من عمر عشر سنوات وخمسة عشر سنة باختطاف فتاة صغيرة بعمر ثلاث سنوات واغتصابها ثم قتلها ورميها في مكان مهجور، ليست من صنف الجرائم الجنسية التي كنا نسمع بها في قديم الزمان بدوافع غريزية سببها الحرمان والكبت، إنما هي ترجمان لأزمة فهم وتقييم خطيرة لما يمتلكه الإنسان من قدرات، ومنها قدرة البصر، كما هو الحال بالنسبة لقدرة النطق، فثمة دعوات لإطلاق العنان لللسان لأن يلهج بما تملي عليه نفس صاحبه، بدعوى التعبير عن الرأي والشخصية، أو حتى الدفاع عن النفس في الحروب الكلامية، ونفس الأمر ينسحب أيضاً على السمع والاستماع. فثمة قناعة تتسرب بين الأوساط الاجتماعية أن وضع المحددات والقيود ينتج جيلاً معقداً ومكبوتاً!

هذا النوع من الفهم والتقييم لمسألة النظر منذ مرحلة الطفولة، تفوت الفرصة على الأبوين تحديداً، والمحيط الاجتماعي أيضاً، لأن يضبط هذه الممارسة ويضع لها حدوداً بين حرية الطفل والشاب، وحقوق الآخرين، فإذا كانت الإباحية بالنظر إلى كل شيء في صغره، فبأي منطق يكون منعه وتحديده في كبره؟ وهذا يفسر لنا الحرص الشديد في الشريعة على لسان المعصومين، عليهم السلام، على التثقيف بمحدودية النظر منذ نعومة الأظفار ليعرف الشاب في مرحلة النضوج، وحتى مرحلة الرجولة، أن ثمة أشياء عليه تجنب النظر إليها لما لها من نتائج سلبية على نفسه هو، وعلى الآخرين، وتحديداً ما يثير الغريزة الجنسية لدى الذكر والأنثى على حدٍ سواء.

وربما يجادل البعض باستبعاد تأثير المقاطع الإباحية -مثلاً- عبر وسائل التواصل الاجتماعي على سلوك الشباب لوجود القوانين الرادعة، بيد أن هذا لن يصمد أمام طغيان الغريزة الجنسية التي من الصعب تحديد عمر خاص لنضوجه عند الأطفال، وقد أثبتت التجارب أن ما يشاهده الطفل من صغر سنّه من مشاهد أو صور تخزنها ذاكرته لفترة طويلة، وربما لن تُمحى إذا كانت لصيقة بغريزته الجنسية، فهي تنمو وتكبر مع نمو ونضوج هذه الغريزة في نفسه، فإذا لم يتمكن من تجربتها في العاجل فإنه سيكون في الآجل في معظم الأحيان، بل تكون في العاجل بداية كما في الحالة المأساوية التي شهدناها ببالغ الأسف في مدينة كركوك، مما يدل على شدة التأثر في مقابل قلة الاهتمام وسوء الفهم والتقدير للحالة النفسية لأطفال اليوم.

فقدان المسؤولية الأسرية والنتائج المستقبلية

تنتشر ظاهرة بين الأمهات هذه الأيام –ومنذ فترة طويلة- تشبّه الطفل بالإنسان الآلي المنتج حالياً بكثرة في العالم! فيقللون من شأن نظراته إلى النساء والفتيات في المجالس والمحافل الخاصة، وأن لا داعي لارتداء الحجاب أمامه، فهو "لا يفهم شيئاً"! في حين هذه النظرات البريئة والعفوية تتجمع بشكل عفوي أيضاً في الدماغ، لتلتقي فيما بعد بصور يشاهدها من الهاتف المحمول عبر مواقع متعددة فيها نساء وفتيات بأوضاع مختلفة فيقارن بين الصورتين، وتكون النتيجة صحيحة ومطابقة تماماً بأن ما رآه في البيت الفلاني لتلك الفتاة الفلانية هو نفس المواصفات والأعضاء البدنية التي يراها في هاتفه النقال وهو في زاوية نائية في غرفته، وعندما تتكرر الزيارات والنظرات، تتكرر المشاهد المطابقة في ذهن الطفل وإن كان في العمر الثلاث أو أربع سنوات، وربما أقل في زمن نلاحظ النمو السريع والمذهل في مدارك الأطفال قياساً بأطفال ما قبل عشرين سنة، أو حتى عشر سنوات. إن الإيحاء الكاذب بصغر سن الطفل، أو نفي الإدراك والفهم، يلبي رغبة بعض الأمهات بالتنصل من مسؤولية التعامل مع أطفالهم بشكل آخر يستدعي تخصيص مكان لهم، أو متابعتهم ومراقبتهم، وهذه تحتاج لجهود تزعج البعض وتأخذ من وقتهم!

ولابد من الإشارة في هذا السياق إلى سلوك بعض الآباء والأمهات حيال أطفالهم في المحيط الأسري، وعدم الاكتراث لنوع الملابس، أو حتى القيام ببعض الحركات والتصرفات التي يفترض أن تكون خلف الباب المغلق، والتبريرات جاهزة بأنه ابن العائلة، ولا داعي للتحسس الزائد، أو خلق شعور بالذنب مما يولد ارتباكاً لدى الطفل، فالأفضل ترك الأمور سائبة حتى لا يشعر بشيء غير طبيعي في حياته! بينما منطق العقل يناقض هذا التصور بأن غير الطبيعي هو وضع الطفل أمام مشاهد تحفز لديه النضوج الجنسي بصورة قسرية وفي غير أوانه، والنتيجة؛ انزلاقه لتجربة ما يراه في الواقع الخارجي بنفس الحالة القسرية التي نمت لديه الغريزة الجنسية في مرحلة طفولته.

إن تحديد نظر الطفل وحتى الطفلة بما يروه في محيط البيت، والمجالس العامة، وأيضاً؛ من مواقع الإنترنت، أسهل بكثير من تحديد حركته وهو يريد الإقدام على جريمة اغتصاب، ولا مقارنة مطلقاً بين عناء الأبوين ضمن مسؤوليتهم التربوية فيما يتعلق بنظر الطفل، والمآلات المحزنة والمخزية في آن، فيما نسمعه من أحداث مريعة، وللعلم فإن هذه المعضلة التربوية تشكو منها عديد البلدان الإسلامية، وجرائم من هذا القبيل مسموعة منذ سنوات طوال، إنما الجديد في الأمر؛ السن المبكر جداً في ارتكاب هذه الجريمة تحديداً. وإن كنا نلتزم الخطاب الإيجابي دائماً في موضوعات اجتماعية، بيد أن الحقيقة لابد أن تقال، بأن التسيب في النظر لدى الأطفال يخلق دوافع خطيرة تبقى حبيسة النفس بسبب الأجواء الضاغطة والروادع الموجودة، يكفي توفر فرصة معينة تتجمع فيها كل الصور المثيرة لحظة واحدة لتنفجر القنبلة الهائلة كما ما حصل في مدينة كركوك.

الخلاصة

إنّ تدارك الوضع النفسي والتربوي لأطفالنا ليس فيه شيء من التشاؤم وإعطاء الانطباع السلبي عن أطفالنا أو خدش براءتهم مطلقاً، إنما هو إجراء يصب في مصلحتهم ومصلحة المجتمع، والنتيجة الإيجابية العظيمة يلمسها الطفل في شبابه ورجولته عندما يراجع أرشيف حياته ويجده ناصعاً وخالياً من أي مثيرات جنسية خارج النظام الذي وضعه الله –تعالى- للإنسان، فيسدي كل الشكر والامتنان والحب لأبويه وهو يوجه غريزته الجنسية في طريق الزواج والإنجاب، وتحديد النظر المشاع في نطاق الحياة الزوجية فقط، وهو محافظ على شخصيته وكرامته دون أن يخسرها بالانجرار خلف نظرات عابرة وتافهة.

ذات صلة

إعادة هندسة العلاقات العراقية الأمريكيةماذا يعني عودة العراق للقائمة الرمادية؟حصاد مونديال 2026: كيف أدار المستطيل الأخضر أزمات الدول وصنع قوتها الناعمة؟حياة العراقيين بين سندان الصيف الملتهب ومطرقة فساد الكهرباءقراءةُ السُّلطةِ بالمجتمعِ