عندما تتحول الواجبات إلى عبء: من يحمي حقوق المجتمع؟
شبكة النبأ
2026-05-20 06:10
في لحظات الأزمات الكبرى، لا تسقط المجتمعات دفعة واحدة، وإنما تتآكل ببطء من الداخل. تبدأ الحكاية من تفاصيل صغيرة تبدو عابرة: موظف يتغيب عن عمله من دون شعور بالمسؤولية، مواطن يطالب بالخدمات العامة وهو يتهرب من القانون، مسؤول يتحدث عن النزاهة بينما يمارس الامتيازات على حساب الآخرين، وشاب يطالب بحقه في الفرص والحرية، لكنه لا يرى في الواجب سوى عبء إضافي يريد التخلص منه بأسرع وقت.
ومع تراكم هذه السلوكيات اليومية، تتعرض العلاقة بين الحق والواجب إلى خلل عميق، فتفقد الدولة قدرتها على تنظيم المجتمع بعدالة، ويصبح الجميع منشغلين بالمطالبة بما يريدون الحصول عليه، أكثر من انشغالهم بما ينبغي أن يقدموه. هنا لا تعود الأزمة سياسية أو اقتصادية فقط، وإنما تتحول إلى أزمة وعي اجتماعي وثقافة عامة.
لقد انشغلت المدارس الفكرية والاجتماعية طويلاً بتحليل سلوك الإنسان، ومحاولة فهم الدوافع التي تحركه داخل المجتمع. بعض هذه الدوافع يرتبط بالمصلحة الشخصية، وبعضها الآخر يتصل بالرغبة في التفوق أو الشعور بالقوة أو البحث عن الامتيازات. غير أن المجتمعات المستقرة لم تُبنَ على الحقوق وحدها، وإنما على التوازن الدقيق بين ما يحصل عليه الإنسان وما يلتزم بتقديمه للآخرين.
المشكلة التي تواجه كثيراً من المجتمعات المتعثرة، ومنها المجتمع العراقي، لا تتعلق بندرة الحقوق فقط، وإنما بتراجع ثقافة الواجب نفسها. فهناك من يريد دولة عادلة من دون أن يمارس العدالة في حياته اليومية، ويطالب بالنظام وهو لا يحترم القانون، ويستنكر الفساد بينما يتسامح مع أشكاله الصغيرة حين تخدم مصالحه الشخصية.
هذا الاختلال لا ينعكس على الدولة وحدها، وإنما يمتد إلى العلاقات الاجتماعية نفسها. فحين يعتاد الفرد على الأخذ أكثر من العطاء، تتحول الأنانية إلى سلوك طبيعي، ويصبح تجاوز حقوق الآخرين أمراً مألوفاً، وتتراجع الثقة بين الناس تدريجياً. عندها يفقد المجتمع قدرته على التعاون، وتتحول فكرة المواطنة إلى مجرد مطالبة دائمة بالمكاسب.
الحق، بوصفه قيمة إنسانية وقانونية، لا يفقد مشروعيته أبداً. من حق الإنسان أن يعيش بكرامة، وأن يحصل على التعليم والصحة والأمن وفرص العمل، وأن يتمتع بحرية التعبير والحياة الكريمة. غير أن هذه الحقوق لا تنفصل عن مسؤوليات مقابلة تحفظ التوازن العام. فالمجتمع الذي يطالب جميع أفراده بحقوقهم من دون أداء واجباتهم، يشبه سفينة يريد كل ركابها الوصول إلى الشاطئ من دون أن يشارك أحد في التجديف.
في العراق، تبدو هذه المفارقة أكثر وضوحاً في تفاصيل الحياة اليومية. فالجميع يطالب بالإصلاح، بينما تتراجع ثقافة المحاسبة الذاتية. والجميع ينتقد سوء الخدمات، بينما تتسع أحياناً مساحات الفوضى وعدم الالتزام بالقوانين العامة. والنتيجة أن العلاقة بين المواطن والدولة تتحول إلى علاقة شد وجذب، بدل أن تقوم على الشراكة والمسؤولية المتبادلة.
الخطير في الأمر أن تآكل الواجب لا يتوقف عند حدود الفرد، وإنما ينتقل تدريجياً إلى بنية المجتمع بأكمله. فعندما يشعر الإنسان أن الآخرين يحصلون على الامتيازات من دون استحقاق، يتراجع إحساسه بالعدالة، وتضعف رغبته في الالتزام، ويتحول الإخلال بالواجب إلى سلوك مبرر اجتماعياً. وهنا تبدأ منظومة القيم بالتآكل الصامت.
النهضة الحقيقية لا تبدأ من الشعارات الكبيرة، وإنما من إعادة بناء العلاقة الأخلاقية بين الإنسان ومحيطه. الموظف الذي يؤدي عمله بإخلاص، والمعلم الذي يحترم رسالته، والطالب الذي يتعامل بجدية مع تعليمه، والمواطن الذي يحافظ على الممتلكات العامة، جميعهم يشاركون فعلياً في حماية حقوق المجتمع حتى وإن لم يدركوا ذلك بصورة مباشرة.
كما أن العدالة لا يمكن أن تتحول إلى واقع مستقر في مجتمع يختل فيه ميزان المسؤولية. فالحكومة التي تواجه مجتمعاً يؤمن بثقافة الواجب ستكون أكثر خضوعاً للمحاسبة وأكثر التزاماً بالقانون، لأن الوعي الجمعي يتحول حينها إلى قوة ضاغطة تحاصر الفساد والتقصير. أما حين تتراجع هذه الثقافة، فإن مساحة الفوضى تتوسع، وتصبح القوانين نفسها عرضة للتجاوز والتعطيل.
المجتمعات التي استطاعت بناء دول قوية لم تحقق ذلك عبر المطالبة المستمرة بالحقوق فقط، وإنما عبر ترسيخ فكرة المسؤولية المشتركة. فالتقدم يبدأ عندما يشعر الإنسان أن واجبه تجاه الآخرين لا يقل أهمية عن حقه الشخصي، وأن الحفاظ على توازن المجتمع مسؤولية جماعية لا يمكن تحميلها لطرف واحد.
وفي عالم تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً لإعادة الاعتبار إلى ثقافة الواجب بوصفها الضامن الحقيقي لاستمرار الحقوق. لأن المجتمعات التي تفقد هذا التوازن، تدخل تدريجياً في دوائر من الصراع والفوضى وانعدام الثقة، بينما تقترب المجتمعات المتماسكة من الاستقرار كلما نجحت في بناء علاقة عادلة بين ما يطلبه الإنسان وما يقدمه.
إن مستقبل العراق لا يرتبط فقط بحجم الثروات أو المشاريع أو الخطط الحكومية، وإنما بقدرة المجتمع على استعادة هذا الوعي الأخلاقي العميق: لا حقوق مستقرة من دون واجبات، ولا عدالة حقيقية في مجتمع يريد الجميع أن يأخذوا فيه أكثر مما يعطون.