أبناؤنا ومرآة البيئة الاجتماعية: مالذي يجب ان نلتفت اليه؟

عزيز ملا هذال

2026-04-29 04:53

من الأخطاء السائدة في التربية ان اهم ما يحتاجه الأطفال من ابويهم هو الطعام والشراب والملبس والدواء وغير ذلك من الحاجات الأساسية المادية، غير ان هذا الاعتقاد دحضته نظريات التربية الحديثة لكونه لا ينسجم مع محدداتها مستندة الى النتائج التي تترتب على اهمال الجوانب الأخرى في التربية ومنها ايصاله ببيئته الاجتماعية وهو ما يعرف علمياً بالحرمان البيئي للطفل، فماهو الحرمان البيئي؟، وماهي تداعياته على مستقبل الأطفال؟، وما الذي يجب فعله في سبيل ابعاد خطره؟

ما هو الحرمان البيئي؟

 يعرف الحرمان البيئي على انه "حالة من العوز أو النقص في المثيرات الخارجية (البيئية) التي ينبغي أن يتفاعل معها الطفل في مراحل نموه الحرجة، مما يؤدي إلى تعطل أو تأخر في نضج الوظائف النفسية، والعقلية، والاجتماعية".

ويعد الطبيب النفسي البريطاني (جون بولبي) هو الذي صدر هذا المصطلح الى عالم الأبحاث والدراسات العلمية من خلال نظرية التعلق في الأربعينيات والخمسينيات، حيث أجرى دراسات لصالح منظمة الصحة العالمية حول الأطفال المشردين بعد الحرب العالمية الثانية، لاحظ عبر هذه الدراسات أن الأطفال الذين توفرت لهم احتياجاتهم المادية (طعام ومأوى) ولكنهم حرموا من التفاعل العاطفي والبيئي المستمر مع شخصية رعاية، عانوا من تأخر عقلي ونفسي حاد.

إشارة:

من الأهمية بمكان ان نبين للمربين والوالدين ان تقديم الحاجات المادية للطفل بكل صنوفها ما هو الا رعاية له وليس له علاقة بالتربية مطلقاً، اذ ان التربية تتضمن الاهتمام بالجوانب النفسية والروحية للإنسان والتي تضمن نموه النفسي والاجتماعي بطريقة سليمة التي يفتقدها الكثير من الأطفال مما يظهر خللاً تربوياً في سلوكياتهم.

ماهي انعكاسات الحرمان البيئي على الطفل؟

تظهر اثار الحرمان البيئي للطفل في عدة جوانب نفسية واجتماعية أهمها:

من أكثر الاثار وضوحاً هو إصابة الطفل المحروم اضطراب الارتباط العاطفي، حيث ان الطفل ابن البيئة المحرومة في الغالب يفتقر إلى الاستجابة الحساسة من المربين وهو ما يجعله يشعر بعدم الأمان مما قد يجعله يجد الطفل صعوبة في الثقة بالآخرين أو تكوين علاقات مستقرة مستقبلاً.

وعلى مستوى الجانب المعرفي واللغوي يظهر الطفل المحروم تأخر في النمو في هذه الجوانب، حيث يتفق الجميع ان اللغة هي ابنة البيئة وحين يكون الطفل غير متفاعل مع البيئة فأن ذلك يقل الرصيد اللغوي للطفل، وبالتالي تضعف قدرته على التعبير اللغوي، فالأبحاث تشير إلى أن الأطفال في البيئات المحرومة يتعرضون لعدد كلمات أقل بملايين المرات مقارنة بنظرائهم في البيئات الغنية بالمثيرات.

وتعد العزلة الاجتماعية اثراً من اثار الحرمان البيئي للطفل، اذ غالباً ما يترافق مع انغلاق الأسرة أو محدودية تجاربها انعزال الطفل في صومعته، مما يحرم الطفل من تعلم مهارات التفاوض الاجتماعي، والذكاء العاطفي، وفهم أدوار الاجتماعية وهو ما يجعل الطفل قاصراً عن معالجة بعض المشكلات او المتطلبات الاجتماعية حتى البسيطة منها.

ويؤدي الحرمان البيئي الى إعادة إنتاج الفقر الثقافي، حيث يميل الأطفال المحرومون بيئياً إلى تبني أنماط سلوكية محدودة الأفق، مما يؤدي إلى استمرار حلقة الحرمان عبر الأجيال ما لم يحدث تدخل خارجي مؤسساتي أو تعليمي لإنهاء هذا الإنتاج السلبي.

كيف نواجه هذا الخطر؟

لمواجهة آثار الحرمان البيئي، يجب ان العمل على الإثراء البيئي لتحويل محيطه إلى اشبه بالمختبر دائم الذي يمكن الوالدين من ملاحظة وقياس سلوك أبنائهم وبالتالي تعديل الغير سليم منها وتعزيز السليم ودعمه لضمان البناء العلمي الواقعي لشخصيته ليتمكن من مجاراة تفاصيل الحياة التي ستواجه مستقبلاً.

ومن الأهمية بمكان ان يتجه الوالدان صوب التربية بالحب ان قل الحضور، فاذا كان تواجد الوالدين قليل في المنزل عليهم تقديم الحضور النوعي الذي يتمثل بالتواصل البصري والعناق، والحوار وهو ما يشعره بأنه محور الاهتمام، وهذا النوع من الإشباع العاطفي يرمم الكثير من الفجوات التي خلفها الحرمان.

في النهاية نقول: يجب أن يتذكر المربين أن الطفل لا ينمو بالخبز وحده، بل بالكلمة الطيبة، واللمسة الحانية، والبيئة المحفزة التي تفتح له أبواب العالم وتهيئه لإدوار المستقبل الأكثر صعوبة ربما. 

ذات صلة

دور المرأة في تشكيل نمط الحياةحدود التغيير في نسق القوة لمنطقة الشرق الأوسطإشكالية الدولة الريعية في العراق والتحول نحو اقتصاد السوق الاجتماعيالاغتراب السياسي عن الوطنالهروب من فخ هرمز