معركة التفاهة
رياض الفرطوسي
2026-04-11 03:59
هل تستطيع الكتابة والبحث والتأمل أن توفر لك ملاذاً آمناً من عواصف التفاهة العامة؟ يقولون هذه الأيام إنك كلما كنت تافهاً وسطحياً ستحصل على رصيد كبير من الاهتمام من قبل بعض المسؤولين؛ لأن التاريخ السلطوي الراهن يستبعد الصالح والمفكر والمتنور ويقرب المقاول والتاجر والمبتز.
في زمن التفاهة لا يمكن للناس أن ترى بعضها بعضاً على مستوى الوضوح والضمير والأخلاق والصدق والنزاهة والعفة والنبل والمروءة والكبرياء؛ لأن الإنسان بالأساس هو فاقد لصورته الذاتية لذلك تتسيد الثقافة المظهرية المحتفية بالشكل والشكليات، في حين يرى الكاتب السويدي ستيج لارسون أن الواقع الخارجي يبدو جميلاً وساحراً وعادلاً ونظيفاً لكن هذه ليست الصورة الحقيقية لواقع محجوب بالخداع والكذب والنفاق والمراوغة.
وقد نكون أكثر شعوب العالم حديثاً عن الأخلاق والقيم والمواعظ لكننا أكثر ازدراءً واحتقاراً لها في الممارسة والسلوك. لقد تم إفساد كل شيء في حياتنا، الإعلام والثقافة والمؤسسات والأدب والفن والذوق، حتى ازداد التبرج الفاضح والرقص المبتذل والخفة والوضاعة والكلمات التافهة والإنشاء اللفظي الباهت فصار التافهون يخرجون إلينا من ثقوب الأرض مثل الفئران في كل مكان.
تذكر الكاتبة والباحثة البريطانية فرانسيس ستونر سوندر في كتابها (من يدفع للزمار) وقائع وسرديات مرعبة بشكل توثيقي تتعلق بعمل بعض الوكالات ومنها وكالة المخابرات الأمريكية ودورها في إشاعة التفاهة في بعض المجتمعات من أجل السيطرة والتلاعب بمقومات الحياة الثقافية والسياسية والاجتماعية، وقد استندت الباحثة على الكثير من الوثائق المخابراتية المفرج عنها بعد مرور 50 عاماً.
معركتنا مع التفاهة معركة معقدة خاصة بعد أن تمكنت هذه التفاهة من المجتمع وتغلغلت حتى إلى البنية النفسية. لقد هيمنت ثقافة الاستهلاك والترفيه السريع على حساب التفكير النقدي والعميق، وانتشار المعلومات المضللة والأخبار الكاذبة على حساب الحقائق الناصعة والمعلومات الدقيقة.
سيطر التافهون على منصات الرأي العام بغض النظر عن محتواهم الفكري، وفي المقابل تراجعت المعرفة والتعليم لصالح من يسعى وراء الشهرة والظهور والمال.
ربما يمكننا أن نربط معركتنا مع التفاهة بعدة عوامل؛ منها الحداثة وثورة التواصل والاتصال الاجتماعي حيث سهلت هذه الوسائل من انتشار التفاهة بسرعة وسهولة. ومنها ما هو متعلق بالمتغيرات الاقتصادية والتركيز على الربح إلى تشجيع إنتاج المحتوى الذي يجذب عدداً أكثر من المشاهدين، ومنها ما هو مرتبط بالجانب النفسي حيث أصبح الناس يفضلون المحتوى السهل والممتع. يُعد التصدي لمعركة التفاهة مسؤولية مشتركة بين المؤسسات والدولة وبين الأفراد.
على المجتمع أن يعي خطورة التفاهة على واقع الناس والحياة. لذلك من الأهمية بمكان التركيز على دعم المحتوى الرصين والجاد والهادف من خلال المشاركة في المناقشات والندوات الفكرية والثقافية لتربية الأجيال القادمة على المعرفة والتفكير النقدي والوضوح، من جهة أخرى على المؤسسات ذات العلاقة أن تدعم الإنتاج الثقافي الجاد ونشر الوعي حول مخاطر انتشار التفاهة وتعزيز قيم التعليم والبحث العلمي.
هذه المعركة ليست سهلة لكنها تحتاج تعاون الجميع ومن خلال التضامن نستطيع خلق مجتمع أكثر وعياً ومعرفة وثقافة ورؤية لاستشراف المستقبل. لن تكون (الكنطرة) بعيدة عن غاية أهدافنا السامية. التافهون يصلون إلى ما يريدون بسرعة لكننا على سكة الوعي والمعرفة ثابتون.