جناية السرعة: كيف تقتل التربية المستعجلة روح الطفولة؟
عزيز ملا هذال
2026-04-04 04:41
الحقبة التي نعيشها الآن هي حقبة تتصف بالسرعة في كل شيء تقريباً وهو ما جعل الكثير يطلق عليها حقبة عصر السرعة، حيث تحكم السرعة عالمنا المعاصر والمجد لمن يصل أولاً، وحيث يعتبر الفرد المنجز لمهام متعددة في وقت واحد كفوء، وتحت هذا الضغط لم تسلم التربية من هذه السرعة فتسللت إلى البيوت لتخلق ما يعرف بـ (التربية المستعجلة).
حيث تكدس الواجبات بالأنشطة المختلفة بصورة تفوق قدرة الأطفال على إنجازها وكل ذلك بسبب الرغبة والوالدية بمواكبة قطار الحياة كما يعتقدون، فهل يدرك الآباء والمربين خطورة ما يقومون به؟ وهل ينمو الطفل نمواً سليماً تحت هذا الضغط؟ وما هي مساوئ التربية المستعجلة قبالة إيجابيات التربية البطيئة؟
إشارة هامة:
إن التربية المتأنية ليست دعوة للإهمال أو التراخي، بل هي فلسفة تربوية تقوم على احترام الإيقاع البيولوجي والنفسي الفريد لكل طفل، إذ إنها تعني إعطاء الطفل المساحة والزمن الكافيين ليستكشف، يخطئ، يعيد المحاولة، ويفهم العالم من حوله بوعي، بدلاً من تلقينه النتائج الجاهزة بسرعة وبذا يصبح أشبه بالروبوت الذي يتلقى الأوامر وينفذها فقط من دون فهم ووعي.
من الحياة:
من أكثر الأمثلة الواقعية على التربية المستعجلة والتي يمارسها الكثير من الآباء من دون وعي بانعكاساتها السلبية على البنية النفسية والجسمانية للطفل هي محاولة الآباء تعليم أطفالهم الذين لا يزالون في مرحلة الابتدائية أكثر من لغة أجنبية وتعليمهم الحاسوب وبعض المهارات التي تخص التقنية، فهم يعتقدون أن هذا يجعلهم يمتلكون مهارات جيدة لكن في ذات الوقت يجهدهم هذا الأمر ويجعلهم مثقلين نفسياً مما ينفرهم من التعليم وحينها يبحثون عن فرص الهرب من هذا الضغط وقد يصل بهم الحال إلى ترك الدراسة وعدم إطاعة أوامر والديهم بهذا الخصوص.
ما هي مخاطر التربية المستعجلة؟
حين يدفع بالأطفال للنمو بسرعة فإننا نرتكب في حقهم جناية تربوية تتمثل في عدة أركان منها أننا نحرق طفولتهم المبكرة، حيث أن الضغط المستمر لتحقيق التميز الأكاديمي والمهارى يولد قلقاً مزمناً لدى الأطفال، مما قد يؤدي إلى فقدان الشغف بالتعلم لاحقاً.
كما أننا حين نصر على تربيتهم تربية سريعة فإننا نكسبهم مهارات سطحية فالتعلم السريع غالباً ما يكون تعلماً آلياً يفتقر إلى العمق والتحليل وبالتالي يحاول أطفالنا مجاراتنا لكسب رضانا وهم في الحقيقة لا يتعلمون بل يستنسخون تجارب مؤقتة ستزول بزوال التهديد أو التعزيز الذي نقدمه لهم.
ثم إننا نربي أطفالنا تربية مستعجلة فإننا نعرضهم إلى التدهور النفسي، حيث أن الطفل الذي لا يجد وقتاً للفراغ أو الملل لا ينمو لديه الخيال الإبداعي، فالملل هو رحم الابتكار والمولد الأساس له والعكس هو أن الطفل يبقى فرداً منشغلاً بتلقي الأوامر وتنفيذها بغض النظر عن أهميتها وقدرتها على رفع المستويات العقلية والذهنية للإنسان.
كيف نطبق التربية المتأنية في عصر السرعة؟
لئلا نعرض أطفالنا لمخاطر التربية السريعة يجب علينا اتباع خطوات علمية محسوبة منها تقليل الجداول المزدحمة المنهكة للطفل، فمن المهم أن نترك للطفل يوماً أو يومين في الأسبوع دون أي أنشطة منظمة، وترك الطفل يقرر ماذا سيفعل بوقته من السلوكيات التي تريحه نفسياً وتمده بالطاقة النفسية للتعلم والدراسة وغيرها من المهام الطبيعية التي ينبغي عليه القيام بها.
ومن الجيد أن نعي أهمية تحويل الروتين في حياة أبنائنا إلى طقوس، بدلاً من أن نفرض عليه الأكل بسرعة ليذهب إلى النوم على سبيل المثال، الأفضل أن نجعل من وقت الطعام فرصة للتحدث الهادئ ومشاركة الأحداث اليومية بتفاصيلها وهو ما يشعره بالاهتمام والحب والرعاية النفسية من والديه وبالتالي يشعر بالارتياح النفسي والاتزان العاطفي.
ومن الصحة بمكان أن نحتفي بالجهد الذي يقدمه لا بالنتيجة السريعة، فعندما نركز على سرعة الوصول للنتيجة فإننا نعزز التوتر والقلق في نفس الطفل، لكن عندما نتأنى في تقدير المحاولة والجهد المبذول فإننا نعزز عقلية النمو لدى الطفل ونجعله مبادراً شغوفاً للاجتهاد والابتكار وهذا هو المراد.
في الختام نقول: إن محاولتنا لضغط الزمن في حياة أطفالنا لن تصنع منهم عباقرة، بل قد تصنع منهم أرواحاً متعبة في أجساد صغيرة. فالتربية بالتأني هي أعظم هدية يمكن أن نقدمها لأبنائنا في هذا العصر الصاخب؛ فهي تمنحهم الحق في أن يكونوا أنفسهم، وتمنحنا نحن السكينة لنشهد نموهم بكل حب ووعي، لنكف عن دفعهم نحو خط النهاية، ولنستمتع معهم بجمال الرحلة.