أرقام تنذر بالخطر: 71 ألف حالة طلاق خلال عام واحد في العراق
أوس ستار الغانمي
2026-02-02 04:18
هل تعكس أرقام الزواج المرتفعة في العراق استقرارًا اجتماعيًا حقيقيًا، أم أنها تخفي وراءها أزمة أسرية تتفاقم بصمت؟ حين يسجل العراق خلال عام 2025 أكثر من 329 ألف عقد زواج، وفي الوقت نفسه يتجاوز عدد حالات الطلاق 71 ألف حالة، فإن المشهد يبدو مزدوجًا بين فرح البدايات وانكسار النهايات، وبين الأمل بتأسيس أسر جديدة والواقع الذي يدفع آلاف العائلات إلى التفكك.
هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات رسمية، بل مؤشرات واضحة على تحولات اجتماعية عميقة تضرب في صميم الأسرة العراقية، التي لطالما عُرفت بتماسكها وقوة روابطها.
زواج كثيف واستقرار هش
يشير الارتفاع الكبير في عدد عقود الزواج إلى أن الشباب العراقي ما يزال يرى في الزواج طريقًا طبيعيًا للاستقرار وبناء المستقبل، رغم الظروف الاقتصادية الصعبة، وارتفاع تكاليف السكن، والبطالة التي تطال نسبة واسعة من الخريجين.
لكن هذا الإقبال لا يعني بالضرورة نضجًا في الوعي الأسري، فالكثير من الزيجات تبدأ تحت ضغط المجتمع، أو بدافع الهروب من الواقع، دون استعداد نفسي أو مادي حقيقي. ومع مرور الأشهر الأولى، تتكشّف الفجوة بين التوقعات الحالمة والواقع المرهق، لتبدأ الخلافات بالتراكم.
ويرى مختصون اجتماعيون أن جزءًا كبيرًا من حالات الطلاق يعود إلى غياب ثقافة الحوار والتفاهم، حيث يتحول أي خلاف بسيط إلى أزمة تهدد كيان الأسرة.
الطلاق ظاهرة تتوسع
تسجيل أكثر من 71 ألف حالة طلاق في عام واحد يثير القلق حول مستقبل الاستقرار الأسري. فالطلاق لم يعد خيارًا نادرًا كما في السابق، بل أصبح قرارًا متاحًا وسريعًا لدى الكثير من الأزواج، خاصة في ظل تغير النظرة الاجتماعية إليه.
وتتعدد أسباب الطلاق بين الضغوط الاقتصادية، وتدخل الأهل، وسوء الاختيار، إضافة إلى تأثير مواقع التواصل الاجتماعي التي خلقت مقارنات غير واقعية بين الأزواج، وأسهمت في تضخيم المشكلات الصغيرة.
كما أن البطالة وضعف الدخل يحولان الحياة الزوجية في كثير من الأحيان إلى ساحة توتر دائم، حيث ينعكس القلق المعيشي على العلاقة العاطفية، فتفقد دفئها تدريجيًا.
صراع القيم والأدوار
من أبرز التحولات التي تشهدها الأسرة العراقية اليوم، تصاعد وعي المرأة بحقوقها، ودخولها سوق العمل بشكل أوسع، ما أسهم في تغيير شكل العلاقة داخل البيت.
هذا التغيير الإيجابي في جوهره، يصطدم أحيانًا بعقلية تقليدية ترفض مبدأ الشراكة المتساوية، فتتشكل فجوة بين الطرفين، يتحول معها الخلاف من نقاش طبيعي إلى صراع دائم.
ويؤكد باحثون أن غياب التفاهم حول الأدوار والمسؤوليات داخل الأسرة أصبح سببًا رئيسيًا لانهيار كثير من الزيجات الحديثة.
الأطفال في قلب العاصفة
وسط هذا المشهد، يقف الأطفال كأكثر الأطراف تضررًا. فالتفكك الأسري يترك آثارًا نفسية عميقة، تبدأ من الشعور بعدم الأمان، وقد تتطور إلى مشاكل سلوكية وتراجع دراسي.
وتشير دراسات اجتماعية إلى أن استقرار الأسرة يلعب دورًا حاسمًا في تشكيل شخصية الطفل، وأن غياب هذا الاستقرار ينعكس سلبًا على المجتمع في المدى البعيد.
أزمة تحتاج إلى حلول
أمام هذه المؤشرات المقلقة، يطالب مختصون بضرورة تبني برامج توعوية قبل الزواج، تعنى بتأهيل الشباب نفسيًا واجتماعيًا، وتعريفهم بواقع الحياة الزوجية بعيدًا عن الصور المثالية.
كما أن دعم الدولة للأسر محدودة الدخل، وتوفير فرص العمل، وتحسين الخدمات الأساسية، تمثل عوامل حاسمة في تقليل الضغوط التي تقود إلى النزاعات الأسرية.
إلى جانب ذلك، تبرز أهمية دور الإعلام والمؤسسات التعليمية في نشر ثقافة الحوار واحترام الاختلاف داخل الأسرة.
إن أرقام الزواج والطلاق في العراق لعام 2025 ليست مجرد بيانات عابرة، بل ناقوس خطر يدق بقوة، محذرًا من أزمة أسرية قد تتفاقم إن لم تُواجه بوعي ومسؤولية.
فالزواج ليس احتفالًا عابرًا، بل مشروع حياة يحتاج إلى صبر وتفاهم وتخطيط. والطلاق، وإن كان حلًا في بعض الحالات القاسية، إلا أن تحويله إلى خيار سهل وسريع يهدد استقرار المجتمع بأسره.
إن بناء أسرة متماسكة يبدأ بالاختيار الواعي، ويتعزز بالحوار، ويستمر بالدعم المتبادل. وبين الأرقام الكبيرة للأفراح والانفصالات، تبقى المسؤولية مشتركة بين الفرد والمجتمع والدولة لصناعة مستقبل أسري أكثر استقرارًا وأمانًا.