ضيق الوقت واتساع الفكرة

محمد عبد الجبار الشبوط

2026-09-17 02:46

كلما تقدمت بي السن، أصبحت علاقتي بالزمن مختلفة. لم يعد الزمن عندي مجرد تعاقب للأيام والسنوات، وإنما أصبح موردًا أشعر بقيمته أكثر كلما شعرت بندرته. والحساب البسيط يقول إن ما بقي من العمر، في الغالب، أقل بكثير مما مضى منه. لا أقول ذلك تشاؤمًا، ولا استسلامًا لفكرة النهاية، وإنما بوصفه وعيًا واقعيًا يفرض نفسه على الإنسان حين ينظر إلى المسافة التي قطعها ثم إلى المسافة التي يحتمل أن تكون باقية أمامه.

المفارقة أن هذا الشعور بضيق الوقت يأتي في مرحلة لا أشعر فيها بنضوب الأفكار، بل بالعكس تمامًا. رأسي يعج بمشاريع فكرية لم تكتمل، وأسئلة لم أحصل بعد على فرصة كافية لمعالجتها، وكتب أريد أن أكتبها، وكتب بدأت بها ولم أصل بها إلى الصورة التي أريدها، وأفكار تولد أثناء الكتابة فتفتح أبوابًا لم تكن في الخطة أصلًا. وكلما أنجزت بحثًا ظهر من داخله بحث آخر، وكلما أجبت عن سؤال اكتشفت أن الإجابة نفسها أنجبت مجموعة جديدة من الأسئلة.

وهنا ينشأ شعور غريب يجمع بين المتعة والقلق: اتساع الفكرة وضيق الوقت.

في الشباب كان الزمن يبدو مفتوحًا. كان في الإمكان أن أقول عن فكرة ما: سأعود إليها بعد سنوات. أما الآن فإن عبارة «سأعود إليها لاحقًا» لم تعد عبارة بريئة. صار «لاحقًا» نفسه بحاجة إلى حساب.

ولا يتعلق الأمر بالخوف من الموت بقدر ما يتعلق بالخوف من أن تبقى الأفكار التي تكونت خلال رحلة طويلة غير مكتملة التعبير. فالإنسان لا يأخذ معه مشروعًا غير مكتوب، والفكرة التي تبقى حبيسة رأس صاحبها قد تنتهي بانتهاء قدرته على التعبير عنها. ومن هنا يصبح التأليف، في هذه المرحلة، أكثر من نشاط فكري؛ يصبح نوعًا من السباق الهادئ مع الزمن لتحويل ما هو موجود في الذهن إلى معرفة مكتوبة تستطيع أن تعيش مستقلة عن صاحبها.

لكنني لا أريد لهذا الشعور أن يتحول إلى استعجال. فالاستعجال نفسه نوع من الهدر. وما قيمة أن أضاعف عدد الكتب إذا انخفضت قيمتها الفكرية؟ وما جدوى أن أنجز عشرة مشاريع ناقصة بدل أن أنجز عددًا أقل يمثل بالفعل ما أردت أن أقوله؟

وهنا أجد نفسي أمام تطبيق شخصي لفكرة طالما تحدثت عنها في الفلسفة الحضارية: تعظيم القيمة وتقليل الهدر. فالزمن أحد عناصر المركب الحضاري، وهو في حياة الفرد أكثر الموارد عدلًا وقسوة في آن واحد: لا يمكن تخزينه، ولا استعادته، ولا شراء ما مضى منه. وكل ساعة تنقضي تتحول نهائيًا من إمكانية إلى تاريخ.

لذلك أصبحت المسألة بالنسبة إليّ ليست: كم بقي من الوقت؟ فهذا سؤال لا أملك جوابه. السؤال الذي أستطيع أن أجيب عنه هو: ماذا أفعل بالوقت الذي بقي؟

ربما تكون الحكمة في هذه المرحلة أن أميز بين ما يجب أن أكتبه أنا، وما يمكن أن يكتبه غيري؛ بين الفكرة التي تمثل إضافة خاصة في مشروعي الفكري، والفكرة التي يمكن الاستغناء عنها؛ بين الكتاب الذي ينبغي أن يكتمل، والبحث الذي تكفي فيه نواة واضحة تتيح لمن يأتي بعدي أن يواصل الطريق.

لقد تغيرت أدوات إنتاج المعرفة أيضًا. والذكاء الاصطناعي، الذي أتعامل معه بوصفه شريكًا معرفيًا في الحوار والتنظيم والنقد والصياغة والمراجعة، منحني قدرة لم تكن متاحة لي في مراحل سابقة من حياتي. لكنه يستطيع أن يساعدني على استثمار الزمن، ولا يستطيع أن يمنحني زمنًا إضافيًا. تبقى الفكرة بحاجة إلى صاحبها، ويبقى القرار الفكري مسؤوليته، ويبقى السؤال الأهم: ماذا يريد أن يترك وراءه؟

لست حزينًا لأن العمر مضى؛ فقد مضى في حياة طويلة مليئة بالتجربة والعمل والفكر. وما يشغلني الآن ليس استعادة ما مضى، وإنما إنقاذ ما لم يُكتب بعد.

ولهذا ربما يكون ضيق الوقت نفسه نعمة معرفية من نوع خاص. إنه يجبرني على الاختيار، وعلى ترتيب الأولويات، وعلى التخلص من الزوائد، وعلى سؤال نفسي أمام كل مشروع جديد: هل يستحق هذا جزءًا من الزمن الذي بقي؟

لا أعرف كم بقي من العمر، ولا يحتاج الإنسان إلى معرفة ذلك لكي يعمل. يكفي أن يعرف أن الباقي محدود.

وإذا كان رأسي ما يزال يعج بالأفكار، فإن أفضل موقف من محدودية الزمن ليس الحزن عليها، وإنما تحويل أكبر قدر ممكن منها إلى معرفة مكتوبة قبل أن يصبح الزمن نفسه هو الكلمة الأخيرة.

ذات صلة

لا إعدام في الإسلامتحولات المواجهة الأميركية ضد إيران.. من الاستنزاف إلى الضغط الاستراتيجيبطالة الخريجين.. كيف تضمن فرصة عمل حقيقية في اختيارك للتخصص؟من أزمة الحكومة إلى أزمة الكيان.. كوردستان أمام لحظة الحقيقةمسؤولية الأبناء في عالم متغير: رؤية نفسية وتربوية