ها يا سعد يا جدنا.. تنكة نفط ما عدنا
عباس سرحان
2026-09-17 02:44
بلدنا بالتأكيد يسبح على بحرٍ من النفط، فنحن الخامس عالميًا من حيث الاحتياطي، والثامن من حيث الإنتاج. لكننا نستورد البنزين وزيت الغاز من الخارج، ونقف طوابير أمام محطات تعبئة الوقود وكأننا بلد أفريقي... أفريقي! من قال إن الأفريقي يقف بالطابور على محطات الوقود؟!
في قريتنا أيام زمان، تطبخ أمهاتنا وجبات الغذاء البسيطة على البريمز ويخبزن بتنور الطين، وللتنور طقوس تشبه طقوس المعابد القديمة، فهو منتصب وسط حوش الدار بكتفيه العاليين وشموخه الأزلي، وكأنه إله سومري.
في القرية لم تكن لدينا محطة وقود، إنما هناك بيت كان يقوم بمهمة المحطة، إلا أنه لا يبيع البنزين، بل يبيع النفط الأبيض فقط. من بعيد يمكنك أن تلمح براميله مصطفة أمام بابه كأنها حرس شرف.
كل بيوت القرية تقصده للحصول على شيء من النفط، أيام الشتاء خاصةً، لكنه لا يبيع بـ«اللتر». صاحبنا يملك ميزانًا خاصًا به، لا شأن له بالمقاييس الدولية ولا بمؤتمرات باريس.
يضرب «صفنة» واحدة على الوعاء، فيقرر بحدسه، وحده، كم يجب على الزبون أن يدفع لقاء ملء وعائه بالنفط، دون أن يسمع في حياته بأوبك أو أوابك أو أي منظمة تتحكم بمصير هذه المادة التي يبيعها هو بمقياس «الصفنة».
كنا نأتيه بأوعية متفاوتة ليملأها لنا بالنفط: «بطل» أو قنينة زجاجية لمن اكتفى بالقليل، أو طاسة قديمة لمن أراد التوسع. حاجتنا لم تكن كبيرة للنفط؛ فبساطة العيش، وقلة الناس الذين لم يكونوا قد تعلّموا بعد فنون الاستهلاك، جعلت الاعتماد الأكبر على الحطب، والنفط نحتاجه بالكاد لإضاءة الفانوس وإشعال البريمز، الذي لا يحتاج أكثر من نصف «صفنة» ليمتلئ حوضه المتواضع.
ومع ذلك، وبهذا القدر الزهيد الذي لا يُذكر من الاستهلاك، كنا نعاني أحيانًا من فقدان النفط وخلو براميل الحاج، فتعود أمهاتنا إلى الحطب من جديد.
هذا الكلام يعود إلى منتصف السبعينيات، حيث كان العراق يملك من العملة الصعبة ما يفوق الأربعين مليار دولار، وهنا بالضبط تكمن الطرفة التي تستحق أن نرويها بمرارة.
بلدٌ يملك هذا الفائض الأسطوري كان بإمكانه أن يبني مصافي ومستودعات نفطية تشبع أجياله القادمة عن آخرها، لكن حزب البعث، بغبائه المعهود، اختار طريقًا آخر تمامًا.
بدل أن يستثمر هذه الثروة في تطوير الصناعة، أشعل حربًا غبية ضد إيران، فأحرق المليارات المكدسة وغيرها الكثير، بدلًا من استثمارها ليجعل حياتنا أفضل وأكثر استقرارًا.
اندلعت الحرب في الخريف، وسرعان ما حلّ الشتاء ببرودته المعتادة، وشتاءات تلك السنوات باردة بشكل مجنون. فاصطف الناس أمام محطات الوقود للحصول على النفط، تمامًا كما يصطفون اليوم للحصول على البنزين.
وذات مرة، في إحدى محطات تعبئة الوقود في البصرة، بعد ساعات طويلة من الانتظار العقيم الذي خُتم بالفشل في الحصول على النفط، تفتّق ذهن أحد الفتيان المحبطين عن طريقة احتجاج نادرة. رفع صوته مرددًا: «ها يا سعد يا جدنه... تنكة نفط ما عدنه».
بدت الكلمات بريئة، لكنها في الحقيقة تحوير ساخر، بالغ الجرأة، لنشيد حربي رسمي من أناشيد «قادسية ابن العوجة»، الذي يقول أصلًا: «ها يا سعد يا جدنه... يا لرايتك من عدنه».
نشيدٌ كُتب أصلًا ليمجّد الحرب وصدام، تحوّل في لحظة إحباط إلى نكتة شعبية تسخر من الحرب ومفتعلها ونتائجها معًا. كاد المشهد أن يتحول إلى مظاهرة سياسية لم يخطط لها أحد، لكن سرعان ما تدخلت «النجدة» ورفاق الحزب، بقسوتهم المعتادة، ففرّقوا الشباب وطاردوهم في الأزقة.
اليوم، وبعد نحو 45 عامًا من تلك الحادثة، ما زلنا نقف بالطابور على محطات الوقود. الفرق الوحيد أننا في زمن «بائع النفط» وزمن الحرب نعرف على الأقل لماذا نقف بالطابور، فهو الشح، والحرب، والحصار.
أما اليوم، فلا أحد يملك إجابة، ولا حتى إجابة كاذبة نغطي بها حاجتنا الماسة لعذر أو عزاء. وحتى إيران التي تخوض حربها هذه الأيام لا تواجه بالضبط ما نواجهه نحن؛ فوقودها مدعوم ورخيص، والكهرباء لديها مستقرة تقريبًا، وهي تعرف أيضًا سبب مشاكلها إن وجدت، أما نحن فحتى هذا السبب أصبح مفقودًا.
بلدٌ فوق بحر من النفط، وأبناؤه ما زالوا، بعد قرابة قرن كامل من اكتشاف النفط في أرضه، منذ أول تدفق للخام من حقل بابا كركر في كركوك عام 1927، يبحثون عن النفط والبنزين ويعيدون الحكاية نفسها التي كنا نعيشها صغارًا، باختلاف واحد بسيط: أن وحدة القياس حاليًا هي اللتر، بينما وحدة قياسنا كانت الـ«صفنة».