حين أغلقَ الليل أبواب «أم كريم» مرتين!

عباس سرحان

2026-08-29 05:09

مالت شمس العصر تجرّ أذيال النور نحو مغيبها فوق زَورة آل جويبر، وألقت على صفحات الماء الراكد ضوءًا نحاسيًا يتعثر بين الشجيرات، كمن يودّع أحبّته وهو كاره للرحيل، حين خرجنا من مقرات السيد حمزة الموسوي قاصدين مقرات السيد جبار الموسوي في قضاء الجبايش.

كنا أربعة: أنا مندوبًا لإحدى الصحف، وزميلي مصوّرًا حمل على كتفه عدّته كما يحمل الجندي بندقيته، ودليلًا يعرف دروب الأهوار كما يعرف خطوط راحته، ورفيقًا رابعًا شدّ معنا عزم الرحيل. لم يكن أمامنا من طريق سوى الأحراش، فالدروب المألوفة محفوفة بعيون النظام وأزلامه، وخطوة واحدة طائشة كفيلة بأن تقلب سعينا الصحفي مأساة، وتسوقنا إلى سجن الرضوانية سيئ الصيت.

العراق يومئذٍ بلد أنهكته الحرب، وأثخنته الهزيمة في الكويت، فتكسّرت قواه وخوى اقتصاده، ولم يبقَ من نور الكهرباء إلا ما يضيء قصور صدام وحاشيته وعشيرته والقرية التي شبّ فيها. أما سائر العباد فقد تُركوا لعتمة لا يضاهيها في القسوة إلا عتمة القهر الذي يطبق على صدورهم.

مشينا في قرى غرقى في ظلام كثيف، لا يقطع صمته إلا نباح كلاب نائية، وصدى خطواتنا المتعثرة حينًا، ورائحة الطين المنبعثة من نهر الفرات تختلط برائحة الأحراش الندية، فتثير في نفسي حزنًا غريبًا، عييت يومها عن تفسيره، ولعلّي اليوم أدنى إلى فهمه.

كأنها، تلك الرائحة، رائحة وطن يُحتضَر، وأرض خذلها أبناؤها حين سلّموها لمصيرها المحتوم. ساعات طوال مضت، وتجاوزنا منتصف الليل، وأنهكنا التعب فما وقفنا، نتعثر أحيانًا، ونغوص في غابة من الزور البري لا نعلم أتُخفي بين جذوعها ثعابين، أم كائنات سامّة أخرى تتربص بنا في العتمة. وفي إحدى العثرات هوى زميلي حامل الكاميرا، وكاد يسقط بكامل عدّته، لولا أن أمسكت بذراعه، وأنا أكتم ضحكة خافتة لا تليق بجلال الموقف ولا تخلو من رحمته.

همست له: «اثبت يا رجل، كأنك صدّام كامل في فيلم الأيام الطويلة!»، فكتم ضحكته هو الآخر، خشية أن يسمعنا أحد في ذلك الليل الموحش، وكانت تلك اللحظة العابرة كوّة صغيرة من الضوء وسط ذلك الظلام الثقيل، ذكّرتنا أن بإمكان الإنسان أن يبتسم حتى وهو يمشي على حافة الهاوية.

على مبعدة أميال من ناحية الفهود، وعند حافة نهر الفرات تمامًا، وقف دليلنا بعد أن سبقنا بخطوات، أمام بيت من طين، منخفض السقف، يخيّل إليك أنه هو الآخر نائم مع أهله، لا تنبعث منه إشارة حياة سوى خيط دخان يتصاعد من موقد قريب، كأنه أنفاس البيت وهو يتنفس في نومه.

نادى الدليل بصوت خافت لكنه مسموع، مرارًا وتكرارًا، حتى خرجت امرأة، فتحدّث إليها همسًا. بدت إحدى قريباته، وبدت، أيضًا، وكأنها تنتظر قدومه، أو اعتادت عليه في مثل هذه الليالي. لم تتّضح ملامحها بعد في العتمة، لكنها دعتنا إلى الداخل، وأوقدت الفانوس، فارتسمت على الجدران الطينية ظلالنا المرتجفة كأشباح تعبت من طول السفر، وأشعلت النار قريبًا منّا لتعدّ لنا وجبة سريعة.

خبزًا صنعته تحت كوم من الرماد، وشيئًا من اللبن. تحاشت المرأة استخدام التنور في تلك الساعة من الليل، خشية أن تثير الريبة. وكنا، نحن الضيوف الثقال، قد اقتحمنا مساءها، وقطعنا عليها نومها؛ نحن المطاردون الذين يحملون الخطر أينما حلّوا، ويكفي أن يُفتضح أمر استقبالها لنا لتُساق هي وأهلها إلى مهالك لا رحمة فيها.

تحت ضوء الفانوس الشاحب، تبيّنت ملامحها: امرأة جاوزت الخمسين، ممشوقة القامة بعض الشيء، تلفّ رأسها بعباءة سوداء أكل الزمن أطرافها، ويداها الخشنتان تحملان أثر عمل لا يعرف الراحة، ووجهها المتعب مثقل بالعوز والهموم، يحمل في تجاعيده كل ما تحمله نساء الجنوب من صبر لا يكتب عنه أحد، ولا يخلّده مؤرخ، ولا ينصفه شاعر.

طوال الوقت الذي أعدّت فيه الطعام، سمعت دليلنا أبا حسين يناديها «أم كريم». وبينما كنا نأكل مما جادت به يداها، جلست قرب الموقد ترحّب بنا كأننا أبناؤها العائدون من سفر طويل، وبدا عليها التأثر لما شاهدته من التعب المرسوم على وجوهنا، فكأنها، في تلك اللحظة، أمّ لكل شارد في هذا الوطن الكبير.

تخلّلت كلماتها لحظات سكون، وهي تلعن صدام الذي جرّ العراق إلى الخراب والجوع والخوف، كأنها تُفرغ كل ما يختلج في صدرها من ألم وغضب طال كتمانه. وتسلّل إلى نفسي خاطر يسأل: ما سرّ هذه الشجاعة التي جعلتها، وهي لا تعرفنا، ولا تدري من نحن، ولا ما يجول في رؤوسنا من أفكار، تفتح لنا بيتها في قلب الليل، وتُطعمنا مما تملك، وتُخاطر بكل شيء لمجرد أننا «مجاهدون» نقاوم صدام؟ أفهذا هو معدن الأمهات في كل زمان؟ أم هو معدن هذه الأرض وحدها، لا تُنبت إلا القلوب الكبيرة؟

ملامحها بدت تحت ضوء النار المتراقص تتماهى مع ملامح أمي في ذاكرتي، وكأن لنساء الجنوب وجهًا واحدًا، تكرّر على مدى أجيال متعاقبة، يحمل الأسى ذاته، ويقدّم التضحية ذاتها، دون أن ينتظر ثمنًا، ودون أن يشكو، فكأن الصبر عندهنّ فطرة لا فضيلة مكتسبة.

كنا، نحن الشباب الذين اعتقدنا أننا ننذر أعمارنا لخلاص هذا الوطن، نظنّ أننا نقاتل من أجل نساء كأم كريم، من أجل أن نخلّصهنّ من الجوع والقهر والحرمان والخوف الذي أحاط بحياتهنّ أطول مما ينبغي لإنسان أن يحتمله. فكم كنا سُذّجًا حين حسبنا أن سقوط طاغية واحد يكفي لإسقاط كل طغيان!

غادرنا البيت الطيني، والدخان الخفيف يتصاعد فوق سطح الماء وحول البيوت والأكواخ، فبدا لنا كأنه روح المكان تودّعنا، وإن كان في حقيقته وسيلة الناس لمواجهة «الحَرْمَس» الذي يهاجم كل حيّ، حتى الحيوانات، طوال الليل. وكم من رمز جميل يُخفي في طيّاته حقيقة أشد بساطة وأشد قسوة!

لم أرَ «أم كريم» مرة أخرى، لكن ملامحها ظلّت حاضرة في ذاكرتي كلما كتبت تقريرًا عن معاناة الجنوب، الغني بثرواته، المثقل بفقره وظلمه، كأنها صورة تختصر وجع الناس جميعًا في وجه واحد. ومرّت بعد تلك الليلة سنوات ثقال من ترقّب وانتظار، ومعارك متفرقة، وحصار خانق، وكنا نرى في كل خبر عن تصدّع النظام بارقة أمل تتجدّد ثم تخبو، كأن القدر يمتحن صبرنا كما امتحن صبر أم كريم من قبل.

وحين سقط صدام أخيرًا في عام 2003، ظننت، كما ظنّ كثيرون غيري، أن زمن بيوت الصفيح والطين في الجنوب، وزمن الليالي المحفوفة بالخوف، وزمن النهارات الممزوجة بالجوع والفاقة، قد ولّى إلى غير رجعة، وأن أم كريم وأمثالها سيشهدن أخيرًا وطنًا يكافئ صبرهنّ بعد حقبة من الوجع الرهيب. آه، كم يخدعنا الأمل حين يتلبّس ثوب اليقين!

فالأهوار التي عادت المياه إليها بعد سقوط الطاغية، لم تُعِد معها أهلها الذين فرّقتهم سنوات الجفاف والملاحقة. كثيرون منهم لفظتهم قراهم، الغارقة يومًا، الجافة أعوامًا، فحملوا على أكتافهم ما تبقّى من أثاثهم البسيط، وقصدوا أطراف المدن الكبرى، يبحثون عن سقف لا يسألهم عن هويتهم، وأرض لا تُطالبهم بصكوك الملكية. ولم أكن أعلم، وأنا أتابع أخبار الجنوب من بعيد، أن واحدة من هؤلاء المهجّرين تحمل اسمًا لن يبارح ذاكرتي أبدًا.

لكن الوطن، كما تعلّمت فيما بعد بمرارة، لا يتغيّر بزوال من يحكمه بالسرعة التي يتغيّر بها أثاث مكاتب المسؤولين فيه! فذاك تبديل في الجلود، لا في الأعماق. وفي حزيران 2008، وأنا في كربلاء، اتصل بي أحد الزملاء طالبًا حضوري على عجل لتغطية «أمر مهم»، دون أن يفصح لي عن طبيعته.

ذهبت مسرعًا إلى حيث دعاني، عند مدخل كربلاء من جهة النجف، فوجدت سيارة شرطة على جانب الطريق، ورجالًا مدنيين يعلو وجوههم الذهول وقد جُمعوا كأنهم معتقلون، وبيتًا من البلوك والصفيح غدا ركامًا تحت جرّافة ثقيلة ما زال محرّكها يهدر كأنه وحش لم يشبع بعد، وامرأة تبكي بصوت عال، وأغطية وأفرشة وأواني مبعثرة كأنها أشلاء بيت لا أشلاء أثاث. وحرارة الجو في تلك الظهيرة لا تُحتمل، فزادت المشهد فظاعة على فظاعته.

وقفت حائرًا، لا أدري كيف أبدأ، ولا مع من أتحدّث لأنجز عملًا صحفيًا أنقل به هذه المأساة. آه، كم أنهكتني هذه الصنعة البائسة، وكم أثخن قلبي ما رأيت من ظلم في حياتي! أيّ صنعة هذه التي تجعل من الحزن مادة للعمل، ومن دموع الناس عناوين للتقارير؟

وسط حيرتي، لفتت نظري فتاة في الثالثة عشرة من عمرها، ترتدي ثوبًا مدرسيًا باهتًا، تبكي بحرقة وهي تحتضن كتابًا مغبّرًا انتشلته من تحت الركام، كأنها تنقذ من الحريق آخر ما تملك.

دنوت منها، فقالت منتحبة: «عمّو، عندي امتحان البكالوريا، فكيف سأمتحن وأنا تلميذة في الصف السادس الابتدائي؟»، فلم يشغلها ما هي فيه عن التفكير في مصيرها الدراسي، وقد هُدم البيت الذي كان يؤويها، ودُفنت معه دفاترها وأحلامها الصغيرة، وكأن العلم، في هذا الوطن، آخر ما يتشبث به الفقراء حين يفقدون كل شيء.

هناك، ما زالت المرأة تبكي بصوت عال، تدعو بالويل والثبور، وتصرخ باسم رجل أعرفه، كما يعرفه غيري، معارض لصدام، شغل بعد 2003 مناصب مهمة في الدولة، وهي تقول: «يا حيف... كنا نستقبلكم في بيوتنا أيام الجهاد، والآن تكافئوننا بتهديم منازلنا!»، فما أقسى أن يتحوّل من كان ضيفًا في ليالي الخوف إلى جلاد في نهارات «الدولة»!

اقتربت منها لأهدّئها، وأسجّل ردود فعلها لصالح تقريري، وإذا بي أقف أمام أم كريم نفسها! لكنها بدت أكبر بعشرين عامًا مما في ذاكرتي، لكنها هي، بعينيها، بصوتها، بذلك الحزن العريق الذي لا يخطئه من عرفه مرة.

تلك المرأة التي اضطرّت، بعد أن جفّت الأهوار وتكاثرت المضايقات على أهلها في الجنوب، إلى أن ترحل إلى كربلاء، وتسكن وأسرتها في أرض خالية عند أطراف المدينة، حتى جاءت جهة أرادت أن تقيم مشروعًا على تلك البقعة ذاتها، فهدمت بيتها بحجة أنه «تجاوز»، دون أن تعوّضها، أو تمنحها مهلة لترتيب شؤونها، أو جمع ما تبقّى من أشيائها. فكأن القانون، حين يريد أن يظلم، يجد دائمًا ثغرة يتسلّل منها!

وقفت في تلك اللحظة بين امرأتين لا تفصل بينهما إلا سنوات: أم كريم التي فتحت لي بابها في أحلك ليالي الخوف من نظام ظالم، وأم كريم التي أُغلق بابها اليوم بجرّافة باسم دولة يُفترض أنها بديل ذلك الظلم. فأين المسافة، يا ترى، بين البابين؟

كأن الوطن يستبدل جلاديه دون أن يتغيّر مصير الفقراء من أبنائه؛ النساء اللواتي لا تُروى قصصهن إلا بالصراخ والاعتقال، والشباب الذين اختفوا في دروب «تحرير» الوطن، وفي دروب الهجرة التي لا تقل قسوة عن دروب الأهوار.

جلست، من هول المفارقة، على حافة الجدار المهدّم، أُقلّب في ذهني سؤالًا لا أملك جوابه: «كم من أم كريم في هذا الوطن فتحت باب بيتها لثائر ملهوف، ثم أُغلق بابها هي، بعد سنوات، بيد من كان ثائرًا بالأمس؟». وهل يكفي أن نكتب عن الظلم لننصف المظلومين، أم أن الكتابة نفسها، في لحظات كهذه، تبدو عاجزة، وأشبه بمرثية نردّدها بعد فوات الأوان، لا تُعيد لصاحبها بيتًا، ولا تردّ له كرامة؟

لم أجد يومها جوابًا يليق بألم ما رأيت، ولا أظنني سأجده يومًا. لكنني أدركت، وأنا أراقب أم كريم تبكي على أنقاض بيتها، أن هذا الوطن موبوء بالظلم، مهما تعدّدت أسماء حكّامه، وأن أخطر ما يمكن أن يفعله وطن بأبنائه أن ينسى وجوههم؛ فالنسيان هو الهزيمة الكبرى التي لا تُصلحها ثورة، ولا يُرمّمها بناء، ولا يمحوها إلا أن يتذكّر الوطن، ولو مرة واحدة، أن له أمًا اسمها أم كريم، وأن بابها أُغلق مرتين، ولم يفتحه أحد.

ذات صلة

مائة يوم على حكومة الزيدي.. قراءة موضوعيةكيف تتسلل الإنتروبيا إلى حياتنا اليومية؟التجاوزات تقتل من يزيلها.. فمن يتركها تكبر؟الأبعاد القانونية لخصخصة العدالة الاجتماعيةالمفاضلة والمقارنة في الاختيار بين الأنجح والأسوء