الفساد القانوني هو الذي أنتج الفساد خارج القانون

حسن السباعي

2026-07-20 01:22

ما العقبات التي تحول دون فاعلية آليات الاسترداد لاسترجاع أموال الشعب العراقي المنهوبة؟

ما المقترحات التي تراها أكثر نجاعة لنجاح الحملة الحكومية القضائية على الفاسدين؟

ما السبيل لإشاعة ثقافة النزاهة وتجنب الكسب غير المشروع في العراق؟

هنالك مقولة صدرت عن مسؤول سياسي بارز، قالها ردًا على مطالبات لمحاربة الفاسدين: "لا تجرجروا الموضوع أكثر"؛ وقد أطلق هذا الكلام خشية وصول الأمر إلى الجهات المنسوبة إليه، وبالتالي إليه بنفسه؛ وذلك لأنها كانت ملفات فساد قانونية، إن صح التعبير، قد منحها هو بنفسه لما يمتلكه من صلاحيات قانونية في توزيع الميزانية لمن يشاء.

من هنا، فإن الأمر في العراق يشبه هذا الأمر، مع اختلاف أن المافيا هي التي تتحكم، فأخذت تسن القوانين وتشرع التشريعات، وذلك منذ بداية العهد الجديد عام 2003، والتي كان منها: تقنين المميزات والاستثناءات والرواتب. ومثال على ذلك: حين بدأ البرلمان الأول، كان راتب كل نائب 15 مليون دينار، و15 مليونًا أخرى لحمايته ومكتبه وضيافته وديوانيته، فكان المجموع 30 مليونًا للشهر الواحد على مدى أربع سنوات، ثم تأتي فترة التقاعد مدى العمر، ولها رواتب تقاعدية ضخمة مع مميزات أخرى قد تفوق فترة خدمته!

وحسب الظاهر، تبدو أنها مخصصات ورواتب قانونية لا يمكن وضعها في صفقات الفساد أو العقود الوهمية، بل توزع عليهم بشكل قانوني ضمن الإعلان عن ميزانيات الدولة. وقد تضخمت هذه الأموال بأيديهم، فاشتروا بها العقارات، وبذلك ترتفع أسعارها، فيتحولون إلى تجار في العقارات، وكل ذلك ببركة الراتب التقاعدي القانوني.

أما صفقات الفساد ذات الأرقام الخيالية، والخارجة عن إطار القانون، والمحارَبة حسب الظاهر، فلم يأت ذلك إلا من خلال التشريع الأول؛ أي إن الفساد القانوني هو الذي أنتج الفساد الخارج عن القانون. ومآل الأمر أن التقنين هو العقبة الأكبر للحؤول دون استرجاع أموال الشعب العراقي المنهوبة. وبعبارة أدق، فإن "القانون" هو الذي أدى إلى الـ"لاقانون"!

من هنا، وبناءً على هذه الحقيقة، فإن الحل أو الاقتراح الأنجع يكمن في إعادة النظر في تلك القوانين التي أتاحت الفرصة وهيأت الأجواء للفساد الخارج عن إطار القانون، ووضع قانون معاكس يوجب استرداد جميع تلك الرواتب والمخصصات التي وُزعت بشكل قانوني حسب الظاهر، لكنه فساد مبطن جاء نتيجة أطماع المقننين!

وفيما يرتبط بثقافة النزاهة، فمبدئيًا لا بد أن نعرف أن معظم الذين دخلوا في العملية السياسية عند العهد التغييري عام 2003 كانوا ضمن الأحزاب والحركات المعارضة، وكان شعارها تحقيق العدالة ومحاربة الظلم والاستبداد، لكن لو اطّلعنا على ما كان يجري في أروقتها حينها لكنا نرى التنافس الشديد والتكالب في الحصول على التمويل الذي كان يُمنح لها من قبل الجهات الداعمة، حتى بين أعضاء المنظمة الواحدة فيما بينها، فتحول الهدف، وهو تحقيق العدالة، إلى مشروع تجاري ودكان للارتزاق.

وعليه، فإنهم حينما استلموا الحكم واصلوا نهجهم القديم على مستوى أكبر وأوسع. من هنا، وبناءً على هذا الأساس، فلا سبيل لإشاعة ثقافة النزاهة وتجنب الكسب غير المشروع في العراق، إلا حينما يُنظر إلى العمل في الحكومة والبرلمان وسائر الدوائر المرتبطة على أنه ليس مشروعًا تجاريًا وبزنس، وإنما عمل شاق ومسؤولية ثقيلة، كما يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): "إن عملك ليس لك بطعمة، ولكنه في عنقك أمانة". ولا يتأتى ذلك إلا من خلال تقليل الرواتب، فلا تزيد درجته على درجة موظف عادي أو معلم في مدرسة، ليخرج من نطاق كونه مشروعًا تجاريًا، فلا يرغب إليه إلا المخلصون.

* مداخلة مقدمة إلى الجلسة الحوارية التي عقدها مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات تحت عنوان: "آليات استرداد الأموال العامة المنهوبة"