حين يضيق العمران بالإنسان
كربلاء مدينة من إسفلت تبحث عن روح
د. عقيل كريم الحسناوي
2026-07-18 04:53
حين يضيق الحال بالإنسان داخل بيته، وتشعر روحه أن الجدران صارت أقرب من اللازم، يخرج باحثًا عن متنفس صغير؛ مساحة خضراء، حديقة عامة، ساحة مفتوحة، متنزه، أو حتى مكان بسيط يجلس فيه بعيدًا عن ضغط البيت والعمل والناس. يخرج وفي داخله رغبة عادية جدًا: أن يرى شجرة، أن يتنفس هواءً أقل اختناقًا، أن يمشي في مكان لا تطارده السيارات من كل جهة، وأن يجد زاوية تمنحه شعورًا بأن المدينة ليست كتلة إسمنتية مغلقة. لكنه، لا يجد إلا الإسفلت، والبنايات، والمحال، والطرق المزدحمة، والأرصفة الضيقة، والمساحات التي ابتلعها البناء حتى لم تترك للروح مكانًا تستريح فيه.
ليست هذه مشكلة جمالية فقط، ولا ترفًا حضريًا يمكن تأجيله. فالمدينة التي لا تمنح ساكنيها متنفسًا، تضيق بهم حتى لو اتسعت شوارعها. والعمران الذي يتكاثر بلا توازن يتحول من بيئة للحياة إلى ضغط يومي صامت. فالمواطن لا يحتاج إلى بيت فقط، ولا إلى شارع فقط، ولا إلى سوق فقط؛ يحتاج أيضًا إلى فسحة، إلى ظل، إلى مكان عام يشعر فيه أنه جزء من المدينة لا مجرد عابر مرهق داخلها.
في المدن الحالية، تتشكل ملامح الحياة اليومية داخل فضاء عمراني كثيف، تتجاور فيه الأبنية وتتمدد فيه الطرق الإسفلتية، في مشهد يعكس حضور البناء أكثر من حضور الإنسان. يسير المواطن في شوارع طويلة لا يجد فيها ما يدعوه إلى التوقف، ولا ما يمنحه لحظة استراحة خارج إيقاع الحركة المستمرة، وكأن المدينة صُممت لكي تُستهلك بسرعة، لا لكي تُعاش بهدوء. وهنا يبرز السؤال العميق: هل وظيفة المدينة أن تحتوي السكان عددًا، أم أن تمنحهم جودة حياة ومعنى وانتماء؟
إن المعنى القرآني في قوله تعالى: (وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ) يفتح أمامنا دلالة واسعة؛ فالأرض ليست للبناء وحده، ولا للاستثمار وحده، ولا للطرق والأسواق وحدها، بل للإنسان بما يحتاجه من سكن وحركة وراحة وسكينة. والمدينة التي تبتلع كل فسحة باسم التوسع والاستثمار، وتغطي كل فراغ بالإسفلت، إنما تخالف جوهر العمران الإنساني الذي يقوم على التوازن بين الحاجة المادية والحاجة النفسية والاجتماعية.
وتكشف تفاصيل المشهد الحضري الحالي عن غياب واضح للحدائق العامة والساحات المفتوحة، وهي ليست عناصر تكميلية في التخطيط، بل من أساسيات المدينة القابلة للحياة. فالطفل الذي لا يجد مكانًا آمنًا للعب، يتربى على الحذر بدل الانطلاق. والشاب الذي لا يجد فضاءً عامًا للجلوس أو المشي أو التأمل، يتحرك بين البيت والعمل والمقهى والازدحام، بلا مساحة تعيد إليه توازنه. أما كبار السن، فيبقون أسرى النوافذ، يراقبون الحياة من بعيد، لأن المدينة لم تترك لهم مكانًا عامًا يجمعهم براحة وكرامة.
المساحات الخضراء ليست زينة عمرانية، بل ضرورة نفسية واجتماعية وصحية. إنها تخفف التوتر، وتمنح الناس فرصة للمشي، وتخلق لقاءً اجتماعيًا طبيعيًا، وتعيد شيئًا من التوازن بين الإنسان والمكان. فالمدينة ليست هندسة إسمنتية فقط، بل علاقة يومية بين الإنسان ومحيطه. وكلما اختفت الأشجار والساحات، ازداد شعور السكان بأنهم يعيشون داخل مكان ضيق حتى لو كان واسعًا في الخرائط.
قال تعالى: (فَانظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا)، فالإحياء في معناه الواسع لا يقتصر على الأرض وحدها، بل يمتد إلى الإنسان أيضًا. فالخضرة تحيي العين، والظل يخفف قسوة المكان، والحديقة الصغيرة قد تكون علاجًا يوميًا لإنسان أنهكته تفاصيل الحياة. ولهذا فإن المدينة التي تمنح أهلها فسحة، تمنحهم حياة؛ أما المدينة التي لا تقدم لهم إلا الإسفلت، فإنها تدفعهم ببطء نحو الضيق والانعزال والقسوة.
وتزداد هذه الحاجة إلحاحًا في مدينة مثل كربلاء، حيث لا يكون الصيف فصلًا عابرًا، بل يكاد يمتد لأكثر من نصف السنة، بحرارته القاسية وشمسه الثقيلة وهوائه الجاف. في مدينة كهذه، لا تصبح الحديقة ترفًا، ولا يكون الظل تفصيلًا جماليًا، بل يتحولان إلى ضرورة يومية تحفظ للإنسان شيئًا من قدرته على الحركة والراحة والتنفس. فالمدينة الحارة التي تُحاصر ساكنيها بالإسفلت والبنايات من دون أشجار وساحات ومتنفسات عامة، تضاعف قسوة المناخ بقسوة العمران، وتجعل الخروج من البيت انتقالًا من ضيق الجدران إلى ضيق الشارع.
إن المشهد في مدينة كربلاء، كما في مدن عراقية كثيرة، يعكس حاجة ملحة إلى إعادة ترتيب الأولويات في السياسات الحضرية. لا يكفي أن نتحدث عن التوسع العمراني والبناء والاستثمار من دون أن نسأل: أين الإنسان من كل هذا؟ أين الطفل؟ أين العائلة؟ أين الشيخ الكبير؟ أين العامل الذي يريد أن يجلس ساعة في ظل شجرة؟ أين الطالب الذي يحتاج مكانًا مفتوحًا يخفف عنه ضغط الدراسة والبيت؟ إن المدينة لا تُقاس بعدد الأبنية، بل بقدرتها على أن تجعل حياة الناس أكثر احتمالًا وكرامة وطمأنينة.
والتوازن بين الكتلة العمرانية والفراغ الحضري ليس مطلبًا ثانويًا، بل شرط أساسي لمدينة قابلة للحياة. فكما يحتاج الإنسان إلى بيت يسكنه، يحتاج إلى فضاء عام يخرج إليه. وكما يحتاج إلى طريق يصل به إلى عمله، يحتاج إلى مكان يقطع فيه علاقته المؤقتة بالضجيج. وقد أكد القران الكريم على هذا التوازن اذ قال تعالى: (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ)، فالميزان ليس مبدأً كونيًا مجردًا، بل قيمة تمتد إلى كل شيء، ومنها تخطيط المدن وتنظيم الفضاء وتوزيع حق الناس في الراحة والجمال والهواء.
إن العمران حين يطغى على الإنسان يفقد روحه. والمدينة حين تتحول إلى إسفلت وبنايات فقط تصبح مكانًا للإقامة لا للحياة. لذلك فإن الحاجة اليوم ليست إلى مزيد من البناء وحده، بل إلى بناء أكثر إنسانية؛ حدائق عامة، ساحات مفتوحة، ممرات مشاة، تشجير حقيقي، متنزهات عائلية، أماكن آمنة للأطفال، ومساحات تمنح الناس حقهم في التوقف والتنفس والسكينة.
وبين الإسفلت الممتد والبنايات المتزاحمة، ما زالت الفرصة قائمة لإعادة التفكير في معنى المدينة. فالمدينة الناجحة ليست التي تزدحم أكثر، بل التي تتسع للإنسان أكثر. وليست التي تبتلع الفراغ كله، بل التي تعرف كيف تترك للناس مكانًا يرون فيه السماء، ويجلسون تحت شجرة، ويمشون بلا خوف، ويشعرون أن العمران لم يُبنَ فوقهم، بل بُني لأجلهم.