كيف نقضي على الفساد في العراق؟

محمد عبد الجبار الشبوط

2026-07-18 04:50

لا يكفي أن نسأل: من سرق المال العام؟ بل يجب أن نسأل أيضًا: كيف استطاع أن يسرق؟ ومن الذي مكّنه؟ ومن الذي غطّاه؟ ومن الذي صمت عنه؟ ومن الذي جعل الدولة رخوة إلى هذا الحد أمام يد الفساد؟

إن القضاء على الفساد في العراق لا يتحقق باعتقال بعض السارقين وحده، مع أن اعتقالهم ضرورة لا غنى عنها. فالسارق يجب أن يُحاسب، والمال المنهوب يجب أن يُسترد، وكل من تلاعب بقوت الشعب يجب أن يواجه القانون. لكن المشكلة الأعمق أن الفساد لم يعد حادثة فردية، بل صار ظاهرة بنيوية تتصل بطريقة إدارة الدولة، وبطبيعة الطبقة السياسية الحاكمة، وبنظام المحاصصة، وبضعف المؤسسات، وبغياب ولاية القيم عن الحياة العامة.

فالفساد لا ينمو في الفراغ. إنه ينمو حين يتحول المنصب العام إلى غنيمة، وحين يصبح الحزب أقوى من الدولة، وحين تكون الحماية السياسية أقوى من القانون، وحين تُوزع الوزارات والمؤسسات بوصفها حصصًا، لا بوصفها مسؤوليات وطنية. في مثل هذه البيئة لا يكون الفاسد شاذًا عن النظام، بل ابنًا شرعيًا له.

لذلك فإن القضاء الحقيقي على الفساد يبدأ من إصلاح الطبقة السياسية الحاكمة. هذه الطبقة التي احتكرت إدارة الدولة منذ سنوات طويلة، ووزعت المناصب، وشكلت الحكومات، وأدارت الوزارات والهيئات والمحافظات، تتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية عن البيئة التي أنتجت الفساد. ولا يعني هذا أن كل أفرادها فاسدون، لكنه يعني أن المنظومة التي أدارتها سمحت للفساد أن يتغلغل ويتحول إلى قوة منظمة داخل الدولة.

والمطلوب ثانيًا هو الانتقال من دولة المحاصصة إلى دولة المؤسسات. فالمحاصصة لا تبني دولة، بل تبني إقطاعيات سياسية داخل الدولة. كل حزب يحمي جماعته، وكل كتلة تدافع عن حصتها، وكل مسؤول يشعر أن ولاءه الأول لمن جاء به إلى المنصب، لا للدولة ولا للشعب. وهذه هي اللحظة التي يبدأ فيها المال العام يفقد حرمته، وتبدأ الدولة تفقد هيبتها.

والمطلوب ثالثًا هو بناء دولة القانون، لا دولة النفوذ. القانون يجب أن يكون أعلى من الوزير، وأعلى من النائب، وأعلى من الحزب، وأعلى من السلاح، وأعلى من المال. فلا معنى لأي حملة ضد الفساد إذا بقي بعض الفاسدين محميين بالعنوان السياسي أو الحزبي أو العشائري أو المالي. العدالة التي تصل إلى الضعيف وتتوقف عند القوي ليست عدالة، بل شكل آخر من أشكال الفساد.

والمطلوب رابعًا هو إقامة منظومة وقائية لحماية المال العام قبل سرقته. فالدولة الرشيدة لا تنتظر أن تُسرق الأموال ثم تبحث عنها في الحفر والمزارع والمجاري. الدولة الرشيدة تمنع السرقة من الأصل، عبر الشفافية، والرقابة الرقمية، والإفصاح المالي، وتدقيق العقود، ومنع تضارب المصالح، واستقلال الأجهزة الرقابية، وربط الإنفاق العام بمنظومة متابعة دقيقة لا تسمح بتبخر المال في الظلام.

والمطلوب خامسًا هو إصلاح الإدارة العامة على أساس الكفاءة والنزاهة. فلا يمكن مكافحة الفساد في جهاز إداري يُدار بالمجاملات الحزبية والولاءات الشخصية. يجب أن يكون المنصب العام وظيفة لخدمة الناس، لا مكافأة سياسية، ولا بابًا للثراء، ولا محطة لإعادة تدوير الفاشلين. إن الدولة التي لا تعتمد الكفاءة في اختيار مسؤوليها تفتح الباب واسعًا أمام الفساد وسوء الإدارة معًا.

والمطلوب سادسًا هو إصلاح الاقتصاد الريعي الذي يجعل الدولة مركز الثروة الأول، ويجعل السيطرة على المنصب طريقًا سريعًا إلى المال. ما دام الاقتصاد معتمدًا بصورة مفرطة على الريع العام، وما دامت الدولة هي الموزع الأكبر للثروة والفرص والعقود، فإن الصراع على السلطة سيبقى صراعًا على المال. لذلك فإن تنويع الاقتصاد، وتوسيع الإنتاج، وبناء قطاع خاص نزيه وفاعل، ليست مسائل اقتصادية فقط، بل هي أيضًا شروط سياسية لمكافحة الفساد.

لكن فوق هذا كله، يحتاج العراق إلى استعادة ولاية القيم. فالقانون مهم، والمؤسسات مهمة، والرقابة مهمة، لكن الدولة لا تنهض بلا منظومة قيم عليا تحكم السلوك العام. حين تغيب قيم الأمانة والعدالة والمسؤولية وخدمة الإنسان، يصبح القانون أداة شكلية، وتصبح المؤسسات هياكل بلا روح، ويصبح المنصب العام فرصة للنهب بدل أن يكون أمانة.

إن الفساد في جوهره سقوط حضاري قبل أن يكون مخالفة قانونية. إنه سقوط معنى الدولة، وسقوط حرمة المال العام، وسقوط الضمير السياسي. ولذلك فإن مواجهته لا تكون بإجراءات جزئية فقط، بل بمشروع حضاري شامل يعيد بناء الدولة على أساس المواطنة، والمؤسسات، وحكم القانون، والحداثة، والكفاءة، وولاية القيم.

كيف نقضي على الفساد في العراق؟

نقضي عليه حين لا نكتفي بمطاردة الفاسدين بعد أن يسرقوا، بل نبني دولة تمنعهم من السرقة. نقضي عليه حين لا نحاسب السارق وحده، بل نحاسب البيئة التي أنجبته وحمته.

نقضي عليه حين لا تبقى الدولة مزرعة للمتنفذين، بل تصبح دولة حضارية حديثة، يكون فيها المال العام مال الشعب فعلًا، والمنصب العام أمانة فعلًا، والقانون سيدًا فعلًا، والإنسان العراقي هو الغاية الأولى والأخيرة لكل سلطة ولكل سياسة.

ذات صلة

جريمة تصنعها نظرة خاطئة!إعادة هندسة العلاقات العراقية الأمريكيةماذا يعني عودة العراق للقائمة الرمادية؟حصاد مونديال 2026: كيف أدار المستطيل الأخضر أزمات الدول وصنع قوتها الناعمة؟حياة العراقيين بين سندان الصيف الملتهب ومطرقة فساد الكهرباء